بعد أسبوع: " السقوط في بئر القرون الوسطى "
هنا وصل الانهيار لذروته.
دي المرحلة اللي بينتهي فيها أي أمل.
المخابز الآلية وقفت، المية انقطعت تماماً لأن المواتير مش شغالة، و المستشفيات تحولت لمقابر صامتة بعد ما خلص وقود المولدات الاحتياطية.
وحصل حوار يقطع القلب في مستشفى:
● (ممرضة بتبكي): "يا دكتور، وقود المولد خلص.. الحضانات بدأت تبرد، والأطفال هتموت.. مفيش طريقة نجيب بنزين من أي حتة؟"
● (الدكتور بيأس): "العالم كله مضلم يا بنتي.. مفيش بنزين، مفيش اتصالات، ومفيش طريق.. إحنا رجعنا مية سنة لورا في أسبوع واحد."
صرخات الأهالي في غرف الرعاية المركزة وحضانات الأطفال بقت هي الموسيقى الوحيدة التصويرية.
الأخبار (اللي بتوصل عن طريق الإشاعات) بتقول اختفاء النور في العالم كله مش في مصر بس العالم كله في "ظلام"، مفيش طيارات، مفيش سفن، مفيش "دولة". الناس بدأت تسيب المدن الكبيرة (القاهرة والجيزة) وتهرب للقرى اللي فيها ترعة أو بئر مية.
المهندس محمود وصابر واقفين فوق مبنى المحطة في العاصمة الإدارية، بيبصوا لـ "مصر" اللي كانت منورة دايماً، ودلوقتي بقت مجرد قطعة من الفراغ الأسود تحت نجوم السماء اللي مظهرتش بالوضوح ده من آلاف السنين.
كل التقدم الي وصلنا له انتهي قدام "فيشة" اتشدت من العالم.
أغمض محمود عينيه، بينما غرق العالم في ظلام أبدي، لم تكسره سوى دمعة واحدة نزلت على خده، في بلدٍ كان اسمها يوماً "أم الدنيا ومشتعلة بالأنوار".
وقال بصوت مخنوق بالأسى " لو مكانش في حروب.. لو وفرنا في الطاقة دي بدل ما كنا بنهدرها في صراعات ومعدات دمار.. لو بس ركزنا نحمي 'النبضة' اللي بتخلي العالم يعيش بدل ما نتسابق مين يطفي نور التاني الأول.. كان زماننا دلوقتي لسه بنشوف وشوش بعض."
صمت محمود لحظة، والندم كان بيحفر ملامحه وهو بيفتكر كل التحذيرات اللي تجاهلها العالم، وكل الموارد اللي ضاعت في اللاشيء، ثم كمل: "إحنا اللي استهلكنا رصيدنا من الأمان قبل ما نستهلك رصيدنا من الكهرباء، كنا فاكرين إن العلم والماكينات هتحمينا للأبد، ونسينا إن كل ده متعلق بخيط أرفع من خيالنا."
صابر رفع راسه وبص للسما، شاف النجوم بتلمع فوق "المحطة" المهجورة ، مسح دمعة جفت على خده ورد بنبرة هادية لكنها كانت بتقطع السكون المرعب:
"لو كنا عرفنا قيمة النعمة قبل ما تضيع، وعرفنا إن القلوب هي اللي لازم تنور قبل البيوت يا باشمهندس.. لم يكن ليختفي النور."