فتحت فيليرا عينيها ببطء.
كان أول ما شعرت به هو الألم.
ألمٌ ثقيل امتد في جسدها كله، كأن المعركة لم تنتهِ بعد، وكأن جسدها لم يدرك أن السيوف قد صمتت.
بقيت للحظات تحدق في السقف دون أن تتحرك.
ثم رفعت يدها ببطء، فأخذ ضوء الصباح المنساب من النافذة يلامس أصابعها قبل أن يستقر على خصلات شعرها.
كان شعرها أبيض ناصعًا، ينساب حول كتفيها كخيوط من ضوء القمر، تتخلله خصلات ذهبية التقطت أشعة الشمس الأولى، فبدت وكأن الفجر علق بينها ولم يجد طريقه إلى الرحيل.
فتحت عينيها كاملًا.
كانتا فضيتين صافيتين، باردتين كسماء شتوية، وفي عمقهما هدوء لا يشبه هدوء البشر؛ هدوءٌ يخفي خلفه قوة هائلة لم تعد تعرف كيف تستعيدها.
مدت يدها إلى جانبها، وحاولت أن تنهض.
لكن ذراعها لم تستجب لها في البداية.
رفعت نفسها بصعوبة، وشعرت بثقل جناحيها خلف ظهرها.
امتدا على الفراش في صمت؛ جناحان كبيران ناصعا البياض، تتخللهما ريشات ذهبية تلمع تحت ضوء الشمس كأنها تحمل آخر ما تبقى من نور المعركة.
نظرت إليهما للحظات.
لم يبدوا كما اعتادتهما.
لم يكونا ضعيفين فحسب...
بل بديا كأن شيئًا منهما قد فُقد.
خفضت عينيها.
كانت هذه أول مرة ترى فيها نفسها بهذا الضعف.
أغمضت عينيها مرة أخرى، واستعادت آخر ما تتذكره.
السماء المشتعلة.
صرخات الفايريل.
والقوة التي أطلقتها في اللحظات الأخيرة.
ثم... لا شيء.
فتحت عينيها من جديد.
هذه المرة كان الصمت هو أول ما لاحظته.
صمتٌ كامل.
لا أصوات للمعركة.
لا إنذارات.
لا صرخات.
لقد انتهت.
رفعت نفسها ببطء، وأسندت ظهرها إلى الوسادة.
كانت الغرفة هادئة، والنوافذ مفتوحة على سماء أفاراث. ومن خلفها، بدأت أشعة الشمس الأولى تتسلل إلى الغرفة.
نظرت إليها طويلًا.
منذ سنوات، لم ترَ شروقًا هادئًا كهذا.
طرق خفيف على الباب قطع أفكارها.
— ادخل.
انفتح الباب، وظهر أحد الحراس.
انحنى أمامها وقال:
— مولاتي، المستشار سورِن بانتظارك.
سكتت لحظة.
ثم سألت:
— منذ متى؟
— منذ أن علم أنك استيقظت.
ظهرت ابتسامة صغيرة على وجهها، رغم التعب.
بالطبع.
كان سورِن دائمًا أول من يصل.
قالت:
— دعه يدخل.
أغلق الحارس الباب خلفه، وبعد لحظات فُتح من جديد.
دخل سورِن بخطوات هادئة.
كان يبدو كما عرفته طوال سنوات الحرب؛ مرتبًا، ثابتًا، وكأن شيئًا في هذا العالم لم يستطع أن يهزه
كان طويل القامة، مستقيم الوقفة، يحمل في حضوره هدوءًا لا يشبه الهدوء العادي؛ هدوء رجلٍ اعتاد أن يفكر قبل أن يتكلم، وأن يراقب قبل أن يتحرك.
كان شعره أسود قاتمًا، تتخلله خصلات داكنة تلمع حين تصيبها أشعة الشمس، كأن الليل احتفظ ببعض أسراره فيه.
أما عيناه فكانتا بلون رمادي عميق، يشبه سماء ما قبل العاصفة؛ هادئتين من بعيد، لكنهما تخفيان شيئًا لا يسهل قراءته.
وخلف ظهره امتد جناحاه في اتساعٍ مهيب؛ ريشهما أبيض نقي، لكن أطراف بعض الريش كانت تميل إلى الفضي، فتبدو تحت الضوء كأنها مغطاة بطبقة رقيقة من الجليد.
لكن فيليرا لاحظت شيئًا آخر.
كان يعرج قليلًا.
وتحت ثيابه، بدا أثر الضماد واضحًا عند كتفه.
اختفت ابتسامتها.
— ما زلت مصابًا.
رفع سورِن عينيه إليها.
— إنها مجرد إصابة.
— مجرد إصابة؟
نظرت إلى كتفه.
— أنت أخذت الضربة عني.
لم يجب.
اقترب منها ثم انحنى.
— مولاتي.
— لا تفعل ذلك.
قالتها بهدوء، لكنها كانت تحمل شيئًا من الغضب.
— كان يمكن أن تموت.
رفع سورِن رأسه.
ولأول مرة، ظهر على وجهه شيء يشبه الابتسامة.
— ما دمتِ حية، فلا يهم.
صمتت فيليرا.
كانت تتذكر تلك اللحظة.
النصل الذي اندفع نحوها.
سورن الذي ظهر أمامها قبل أن تتمكن من التحرك.
الدم الذي تناثر على الأرض.
ثم غضبها.
والقوة التي أطلقتها بعد ذلك.
خفضت عينيها.
— كنت أستطيع حماية نفسي.
— أعرف.
— إذًا لماذا فعلت ذلك؟
أجاب دون تردد:
— لأنكِ الحاكمة.
نظرت إليه طويلًا.
كانت تعرف أن هذا هو الجواب الذي سيقوله.
لكنها كانت تعرف أيضًا أن الأمر لم يكن بهذه البساطة.
قالت:
— أنت مستشار قبل أن تكون حاميًا للعرش.
ابتسم سورِن.
— وأنا حامي العرش قبل أي شيء.
ساد الصمت بينهما.
اقترب سورِن من النافذة، ونظر إلى السماء التي بدأت تستعيد لونها الطبيعي..
— مولاتي.
نظرت إليه فيليرا للحظات قبل أن تقول:
— انتهت.
رفع رأسه.
— نعم.
— الحرب؟
ابتسم ابتسامة خفيفة.
— الحرب.
سكتت فيليرا.
كانت الكلمة بسيطة.
لكنها حملت معها سنوات كاملة من الدماء.
خفضت عينيها، ثم قالت:
— كم خسرنا؟
لم يجب سورِن فورًا.
وهذه المرة، لم تكن ابتسامته موجودة.
— كثيرًا.
تنفست فيليرا ببطء.
كانت تعرف الإجابة قبل أن تسمعها.
ومع ذلك سألت:
— والبشر؟
نظر إليها سورِن طويلًا.
ثم قال:
— ما زالوا أحياء.
رفعت عينيها إليه.
لم يعجبها الجواب.
— لم أسألك إن كانوا أحياء.
ساد الصمت للحظة.
ثم اقترب سورِن من النافذة، ونظر إلى الأرض البعيدة تحتهم.
— الأرض نجت.
قالها بهدوء.
— لكنها لن تعود كما كانت.
نهضت فيليرا من مكانها، رغم الألم الذي اجتاح جسدها.
اقتربت من النافذة.
ومن مكانها، استطاعت رؤية الأرض.
مدن بعيدة لم تعد مضاءة كما كانت.
مساحات كاملة غطاها الدخان.
وبينهما، شيء آخر لم تستطع رؤيته بوضوح.
شيء جعل قلبها ينقبض.
قالت:
— هل انتهى تأثيرهم؟
عرف سورِن ما تقصده.
الفايريل.
أجاب:
— وفقًا لما وصلنا، نعم.
ظلت تنظر إلى الأرض.
— "وفقًا لما وصلنا"؟
— لم نعثر على أي أثر لهم منذ نهاية المعركة.
التفتت إليه.
— إذًا علينا أن نتأكد.
أومأ سورِن.
— بالطبع.
ثم أضاف:
— لكن عليكِ أن ترتاحي أولًا.
نظرت إليه فيليرا، وكادت تبتسم.
— ما زلت تعطيني الأوامر يا سورِن؟
ابتسم.
— شخص ما يجب أن يفعل.
ضحكت للمرة الأولى منذ انتهاء الحرب.
ضحكة قصيرة، متعبة، لكنها حقيقية.
وللحظة واحدة...
بدا كل شيء طبيعيًا.
كأن الحرب انتهت فعلًا.
وكأن أفاراث حصل أخيرًا على فرصة ليبدأ من جديد