ما بعد الرحيل

ما بعد الرحيل

4 0

ظل فيرون للحظة ينظر إلى سورِن قبل أن يبتعد.


وتمتم بصوت خافت:


— فقط لا تعد.


ألقى فيرون نظرة أخيرة نحو السماء، ثم استدار وغادر دون أن يقول شيئًا آخر.


ظلت فيليرا واقفة في مكانها، تراقب السماء بعد أن اختفت الفرقة عن مرمى بصرها.


كان كايلِن واقفًا خلفها، يراقب صمتها للحظات.


قال بعد لحظات:


— رغم إصابته... ما زلتِ تركتِه يقود بنفسه.


لم تجبه فيليرا فورًا. ظلت عيناها معلقتين بالمكان الذي اختفى فيه سورِن.


ثم قالت:


— لأنني أعرف قوته.


نظر إليها كايلِن.


— قوته؟


التفتت إليه.


— سورِن ليس مثل بقية الأفاريل.


ساد الصمت للحظة، ثم أضافت:


— قوته مختلفة.


— مختلفة كيف؟


نظرت إلى السماء.


— لا أعرف كيف أصفها، لكنه يستطيع فعل أشياء لا يستطيع كثير من الأفاريل حتى الاقتراب منها.


ثم أضافت بهدوء:


— أحيانًا أشعر أنها لا تأتيه كقوة... بل كأنها جزء منه لا يحتاج إلى استدعائه.


ظل كايلِن صامتًا.


تابعت:


— رأيته في الحرب.


خفضت عينيها.


— كانت هناك لحظات لم أفهم فيها كيف استطاع أن يفعل ما فعله. ما فعله يومها لم أستطع أنا نفسي أن أفعله بهذه السرعة.


تغيرت ملامح كايلِن.


— هل تقصدين...


قاطعته:


— لا.


سكتت للحظات.


ثم قالت بهدوء:


— لكن لو كان عليّ أن أختار شخصًا واحدًا أرسله إلى المكان الذي نخشى جميعًا الاقتراب منه...


توقفت.


— سأختار سورِن.


نظر إليها كايلِن طويلًا.


— ولهذا اخترته؟


أومأت.


— ليس لقوته وحدها.


ثم نظرت إلى الأفق.


— لكنه من بين القلة الذين أثق أنهم قادرون على مواجهة شيء لا نعرفه بعد.


نظر إليها كايلِن للحظات.


— حتى وهو مصاب؟


ابتسمت ابتسامة خفيفة، لكنها لم تحمل أي راحة.


— حتى وهو مصاب.


حلّقت الفرقة فوق العاصمة مع أول ساعات النهار.


ومن الأعلى، بدت أفاراث مختلفة عن كل ما عرفه سورِن من ساحات الحرب.


في قلب المملكة ارتفع القصر، شامخًا فوق أعلى أجزاء العاصمة، تحيط به أبراج بيضاء وجسور طويلة تمتد بين الأبنية كخيوط معلقة في السماء.


وحول القصر امتدت المدينة في دوائر واسعة؛ بيوت متقاربة، وأسواق بدأت تستعيد أصواتها، وساحات امتلأت بالأفاريل بعد أن عادوا إلى حياتهم التي توقفت طويلًا بسبب الحرب.


كانوا في كل مكان.


أفاريل يحملون صناديق فوق أجنحتهم، وآخرون يعبرون الجسور بين المباني، وحراس يقفون عند الممرات، وأطفال يركضون في الساحات خلف بعضهم بينما يحاول أهلهم اللحاق بهم.


كان المشهد حيًا.


لكن آثار الحرب كانت حاضرة أيضًا.


جدران لم تُرمم بعد، وأسقف انهارت أجزاء منها، ونوافذ أُغلقت بدلًا من أن يُعاد إصلاحها.


حتى بين السكان، كان يمكن رؤية آثارها.


أجنحة ملفوفة بالضمادات.


وجوه أكثر شحوبًا مما ينبغي.


وعيون اعتادت أن تنظر إلى السماء بحذر.


واصلت الفرقة طريقها.


كلما ابتعدوا عن العاصمة، بدأت الأبنية تقل، واتسعت المساحات بينهم.


ظهرت القرى الصغيرة والمنازل المنتشرة حولها، وأراضٍ مفتوحة يعيش فيها الأفاريل بعيدًا عن صخب المملكة.


بعضهم كان يعمل منذ الصباح، وآخرون وقفوا أمام منازلهم يراقبون الفرقة وهي تمر.


كانوا يعرفون إلى أين تتجه.


الشرق.


وكان اسم الشرق وحده كافيًا ليجعل بعضهم يتوقف عن الحديث.


هناك، في أقصى المملكة، كانت تمتد واحدة من أهم حدود أفاراث.


الحدود التي لا تفصل السماء عن أرض أخرى فقط...


بل تفصل عالمهم عن عالم البشر.


كلما اقتربت الفرقة منها، أصبح الطريق أكثر هدوءًا.


اختفت الأسواق.


قلّ السكان.


وحلّت محل الأبنية المرتفعات الصخرية والمساحات الواسعة التي لم تعد فيها آثار الحياة كثيرة.


ظل سورِن في مقدمة الفرقة، يراقب الطريق أمامه.


كان يعرف هذه المنطقة جيدًا.


قبل أن يصبح مستشارًا أول، كانت الحدود الشرقية تحت مسؤولية فيرون.


كان هو من يحرسها، وهو من يعرف طرقها وممراتها وأماكن ضعفها أكثر من أي شخص آخر.


أما الآن...


فكان سورِن هو من يقود الطريق إليها.


وراءه، استمرت الفرقة في التحرك.


وفي الأسفل، كان آخر تجمع للأفاريل يختفي تدريجيًا من نظرهم.


أمامهم لم يبقَ سوى الشرق.


وما يختبئ خلف حدوده.

_______________________________________________________________


في قلب أفاراث،

 كان القصر أكثر هدوءًا مما اعتادت عليه فيليرا.


بعد رحيل الفرقة، شعرت أن المكان أصبح أكبر مما كان.


وقفت أمام إحدى النوافذ المطلة على العاصمة، تراقب الحركة في الأسفل.


بدأت المملكة تستعيد صوتها تدريجيًا.


الأسواق فتحت أبوابها من جديد، وبدأت العربات تمر بين الطرق والجسور، بينما تحرك الأفاريل في كل اتجاه وكأنهم يحاولون إقناع أنفسهم بأن الحياة عادت إلى طبيعتها.


لكنها لم تعد.


ليس بعد.


دخل كايلِن القاعة بهدوء، وكان يحمل مجموعة من الأوراق.


— مولاتي.


التفتت إليه.


— ماذا لديك؟


— تقرير عن الحراس.


وضع الأوراق أمامها.


— معظم الوحدات عادت إلى مواقعها، لكن هناك نقص في عدد الحراس على الحدود الغربية والجنوبية.


نظرت فيليرا إلى الأوراق.


— زِد عدد الدوريات.


— ستحتاج الحدود الشرقية إلى رجال أكثر أيضًا.


توقفت.


ثم رفعت عينيها إليه.


— سورِن هناك الآن.


— أعرف.


قالها بهدوء.


— لكن هذا لا يعني أن نترك الحدود الأخرى دون حماية.


أومأت.


— افعل ما تراه مناسبًا.


أخذ كايلِن الأوراق.


وقبل أن يتحرك، دخل ليرايِن مسرعًا.


كان يحمل ثلاثة كتب ومجموعة من المخطوطات، وكأنه لم يجد وقتًا ليضع أيًا منها في مكانه الصحيح.


— مولاتي.


نظرت إليه.


— ماذا حدث؟


— لدينا مشكلة.


تنهد كايلِن.


— مشكلة أخرى؟


ابتسم ليرايِن.


— يبدو أن أفاراث قرر ألا يمنحنا فرصة للراحة.


وضعت فيليرا يدها على جبينها.


— تحدث.


اقترب ليرايِن ووضع إحدى المخطوطات أمامها.


— سجلات إعادة البناء ناقصة.


— ناقصة كيف؟


— هناك مناطق لا توجد عنها أي سجلات منذ أكثر من خمسين عامًا.


رفعت فيليرا حاجبها.


— خمسون عامًا؟


— نعم.


قالها وهو يقلب الصفحات.


— والأغرب أن بعض تلك المناطق تقع بالقرب من الحدود القديمة.


نظرت فيليرا إلى الخريطة.


— هل تقصد الحدود الشرقية؟


— بعضها.


ساد الصمت للحظة.


ثم قالت:


— احتفظ بهذه السجلات.


نظر إليها ليرايِن باستغراب.


— لماذا؟


— فقط افعل ما أقول.


صمت ليرايِن.


ثم قال:


— أمرك، مولاتي.


في هذه اللحظة، دخل إيريندور.


توقف عند الباب، ثم قال:


— مولاتي.


التفت الجميع إليه.


كان يحمل مجموعة من التقارير.


— هناك حركة غير معتادة قرب الحدود الشمالية.


رفعت فيليرا رأسها.


— فايريل؟


— لا.


قالها بحزم.


— لكننا لا نعرف ما هي.


اقترب ووضع التقارير أمامها.


— أرسلنا دورية للتحقق، لكنها لم تجد شيئًا.


نظرت فيليرا إلى الأوراق.


ثم قالت:


— تابعوا الأمر.


— نعم، مولاتي.


غادر إيريندور.


بقي إليون واقفًا عند الباب.


كان صامتًا منذ دخوله.


لاحظت فيليرا ذلك.


— ما بك؟


رفع عينيه إليها.


— لا شيء.


— إليون.


تردد.


ثم قال:


— أنا فقط...


سكت.


— ماذا؟


نظر نحو النافذة.


— هل تعتقدين أنهم سيعودون؟


عرفت من يقصد.


سورِن والفرقة.


ابتسمت فيليرا له.


— سيعودون.


— وكيف أنتِ متأكدة؟


نظرت إلى الخارج.


— لأنني أثق به.


قال إليون بصوت منخفض:


— أتمنى أن تكوني محقة.


لم تجبه.


عادت عيناها إلى العاصمة.


كان أفاراث يتحرك من جديد.


وكان عليها أن تتأكد أن هذا العالم سيظل واقفًا مهما كان الثمن.

_____________________________________________________

في مكان بعيد عن القصر، كانت الفرقة تقترب أكثر من الحدود الشرقية.


أما خلفهم...


فقد بدأت السماء تغطيها سحابة داكنة لم يلاحظها أحد بعد.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

Avarath:The Fallen

المؤلف Rowaida
2026/08/24 مستمرة
قائمة الفصول (8)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة