الفصل الثاني:زوايا التصادم

الفصل الثاني:زوايا التصادم

8 0

مرّت ثلاثة أيام من المحاولات المستميتة والضغط المتواصل من قِبل مكتب "كايلي للخدمات القانونية"، لكن دون أي جدوى. كل اتصال، كل طلب مواجهة رسمية، وكل رسالة حازمة كانت تُقابل بالجدار نفسه: المماطلة، أو حجج المواعيد المزدحمة للمدير التنفيذي لشركة سميث. بالنسبة لامرأة كـ روز كايلي-التي لا تطرق باباً إلا وتفتحه بنفسها-كانت هذه الأيام الثلاثة كفيلة بزيادة اشتعال حنقها وإصرارها.

​في صباح اليوم الرابع، طفح الكيل لدى روز. لم تعد تحتمل فكرة الانتظار خلف شاشات المكاتب والاتصالات العقيمة.

​وصلت روز إلى البرج الإداري الضخم لـ "مجموعة شركات سميث". كانت تفيض هيبة ومثالاً للأناقة الرفيعة؛ إذ ارتدت بنطالاً وبلوزة باللون البيج الفاتح ينحدر فوقهما معطف باللون الجملي الدافئ، واكتملت إطلالتها بحذاء ذي كعب عالٍ باللون الأبيض. شعرها الأسود الفاحم المنسدل وزرقة عينيها الحادة تحت ملامحها الناعمة كانا يعكسان مزيجاً رائعاً بين الأنوثة والخطورة.

​تجاوزت روز مكتب الاستقبال بخطوات سريعة وواثقة، ولم تعر السكرتيرة المذعورة التي حاولت إيقافها أي اهتمام:

— "أستاذة روز! انتظري لحظة.. الأستاذ ليو لم ينوِ القبول بـ..."

​تجاهلتها روز بالكامل، ودفعت باب المكتب الرئيسي العريض ودخلت دون حتى أن تنتظر إذناً أو تطرق الباب.

داخل المكتب الفسيح المليء بالأثاث الداكن والإضاءة الطبيعية الممتدة من النوافذ العملاقة، كان ليو سميث يجلس خلف مكتبه الخشبي الفخم. كان يرتدي بدلة سوداء فاخرة مخططة بخطوط رفيعة بيضاء، تتألف من ثلاث قطع مع سديرية وربطة عنق منقوشة باللون البني الفاخر، وتزين صدره سلاسل معدنية وبروش أنيق يفيض بالفخامة. شعره الأسود يتحرك بخفة، وملامحه الحادة تنضح بالهدوء والسيطرة.

​عند دخول روز المفاجئ، لم يفزع، بل رفع عينيه ببطء شديد نحوها.. عينان عسليتان تطفو فيهما برودة واستفزاز لا متناهٍ.

​تقدمت روز نحو مكتبه بخطوات حاسمة وقالت بنبرة حادة وصارمة لا تقبل المساومة:

— "أستاذ ليو.. هذه القضية تضم شبهات قانونية قد تطال وتورط 'مجموعة شركات سميث' بالكامل، ويجب أن نجلس الآن ونجد حلاً لها!"

​رمقها ليو بطرف عينيه، وارتسمت على شفتيه ابتسامة تهكمية هادئة. اتكأ إلى الخلف ببرود مستفز ونطق بصوته الرخيم الخفيض:

— "لا داعي لكل هذا الاندفاع يا حضرة المحامية.. السكرتيرة ستتولى أمر هذه الأوراق وتحلها بنفسها."

​ثم مال بجسده قليلاً إلى الأمام، متأرجحاً بين السخرية والتهذيب المزيف:

— "ثم إن الناس الطبيعيين سينتظرون سماع كلمة 'ادخل' قبل أن يقتحموا غرف الآخرين.. أم أن قواميس القانون التي تدرسينها لا تحتوي على قواعد اللياقة والتعامل الإنساني؟"

وصل غضب روز إلى ذروته من هذا التردي والاستفزاز المتعمد. رفعت الملف الجلدي الثقيل الذي تحمله، وبحركة واحدة خاطفة وقوية، ضربت الملف بكل قوتها على سطح مكتبه الخشبي ليصدر صوتاً مدوياً اهتزت له المستندات على الطاولة!

​أنزلت روز يديها الصغيرتين ومالت باتجاهه، وعيناها الزرقاوان تشتعلان بشرارات التحدي:

— "توقف عن التصرف بغرورٍ فارغ! الأوراق التي تحتقرها الآن هي نفسها التي تستطيع إيقاف جميع معاملاتك المالية وسحب تراخيصك الاستثمارية خلال أيام! أنا لا ألعب هنا يا أستاذ ليو!"

​ورغم الصدمة والصوت العالي، لم يرمش ليو. ظلت ملامحه جامدة ببرود قاتل. نظر إلى الملف الملقى أمامه، ثم رفع عينيه العسليتين إليها، ووقف ببطء من كرسيه. فارق الطول (188 سم) غطى على كيان روز، لكنها لم تتراجع سنتيمتر واحد.

​عدّل ليو سديريته وسلسلة ساعته ببرود تام، ثم أردف بنبرة خالية من أي توتر:

— "يمكنكِ الاستمرار في الصراخ وإلقاء الأوراق كما تشائين.. لكني شخص لا يقاد بالتهديد. يمكنكِ الخروج الآن ومحاولة استخدام هذه الأوراق في المحكمة.. ولنرَ مَن منا سيبتسم في النهاية."

​ثم أشار إلى الباب بيده بثبات وابتسامة ساخرة خفيفة، تاركاً روز تغلي غضباً من هذا الجبل الجليدي المتمثل في هيئة رجل أعمال.

وفي جزء آخر من المدينة، وعلى مقربة من وسط الشارع التجاري الهادئ، كانت الحياة تسير بإيقاع مختلف تماماً.

​كانت إيف تتمشى ببطء وعلى وجهها ابتسامة لطيفة. كانت ترتدي بنطال جينز بلون أزرق داكن، يعلوه قميص أنيق باللون الأبيض يحمل قصة مكشوفة الأكتاف، مع حقيبة ظهر وردية ناعمة ولطيفة. شعرها الأشقر المنسدل يداعب كتفيها مع كل خطوة، وعيناها الخضراوان تتأملان الطريق بينما كانت تحمل بين يديها أوراق الرسم الخاصة بتصاميم الكعك والمخبوزات الجديدة لمتجرها.

​كانت إيف مستغرقة تماماً في أفكارها وتتأمل رسماتها، فلم تتنبه للرجل الذي كان يسير في الاتجاه المقابل.

​كان ريو يسير بهيبة هادئة وجذابة، حيث ارتدى بليزر أسود أنيق ومفصل بدقة فوقه معطف باللون الأسود الداكن، مع بنطال اسود.

​وفجأة.. اصطدم كتفها بكتفه بغير قصد!

​اختل توازن إيف فوراً، واهتزت يداها لتتطاير أوراق الرسم في الهواء وتسقط جميعها على الأرض. وفي اللحظة التي كانت فيها إيف على وشك السقوط أرضاً جراء قوة الاصطدام، امتدت يد قوية وسريعة، ولفت معصمها بمهارة وحزم، متمسكة بها ومانعةً إياها من السقوط!

رفعت إيف عينيها الخضراوين المذعورتين لتلتقيا بعينين خضراوين أخريين تحيطان بملامح هادئة ووسيمة جداً.

​كان بطول ريو الفارع (187 سم) وجسده الرياضي يبدو كظل حامٍ فوقها. هدوؤه ولطفه الطبيعي ظهر فوراً في نظراته.

​أرخى ريو قبضته عن معصمها ببطء وقال بصوت هادئ ولطيف:

— "هل أنتِ بخير؟ أعتذر منكِ جداً، لم أكن أنتبه للطريق."

​انحنى ريو فوراً وبدأ يجمع الأوراق المبعثرة على الرصيف بخفة، وشاركت إيف في جمعها وهي تشعر بالخجل والارتباك، وشعرها الأشقر يتساقط على وجهها:

— "لا، لا.. الانشغال كان مني، أنا من لم أكن أنظر أمامي! أعتذر منك حقاً."

​وقفا معاً، وقدم ريو الأوراق إليها بهدوء. ابتسمت إيف بامتنان وسحبت من حقيبتها الورقية بطاقة صغيرة ملونة، ثم قدمتها له برقة:

— "لتكفير عن خطأي.. أنا أملك مخبزاً صغيراً لصنع الكعك والمخبوزات بالقرب من هنا. إن أحببت، يمكنك المجيء وتذوق الكعك لدينا، سيكون مرحباً بك في أي وقت."

​تلقى ريو البطاقة بين أصابعه الطويلة، وقرأ الاسم بابتسامة خفيفة ومستفزة بلطف:

— "مخبز كعك؟ يبدو ذلك مشوقاً.. شكراً لكِ، سأحرص على زيارته حتماً."

​تبادلا التحية والشكر بنبل وتهذيب، واستأذن كل منهما من الآخر ليمضي في طريقه، بينما تبقت ابتسامة خفيفة على شفتي ريو وهو يضع البطاقة في جيب بليزره الأسود الداخلي.

على الجانب الآخر، وفي شقة أنيقة تتسم بالهدوء والأناقة وسط العاصمة، عاد الهدوء ليتكسر كلياً.

​فتحت روز باب شقتها بغضب عارم، ودخلت بخطوات حادة. مشت نحو الطاولة الخشبية في المنتصف، وبحركة مليئة بالغيظ، ألقت بالملف القانوني بقوة على الطاولة ليحدث صوتاً عالياً تردد في أركان الغرفة!

​خلعت معطفها الجملي الطويل ورمته على الكنبة، ثم بدأت تتجول في الغرفة ذهاباً وإياباً، وشعرها الأسود يتطاير حولها، وعيناها الزرقاوان تشتعلان غيظاً.

​— "مستفز.. بارد.. ومغرور بشكل لا يُطاق!"

​صرخت روز بتلك الكلمات لنفسها وهي تضغط على قبضتيها الناعمتين. لم يتعامل معها أحد طوال حياتها بهذه الثقة الزائفة والاستهانة المستفزة. ذكاؤها في المحاكم لم يسبق أن واجها شبيهاً لـ ليو سميث.

​وقفت أمام النافذة الزجاجية المطلة على المدينة، ونظرت إلى الأفق بعينين مليئتين بالإصرار والشراسة، وابتسامة تحدٍّ واثقة بدأت ترتسم على شفتيها الكرزيتين:

​— "تظن أن أوراقي مجرد حبر على ورق يا ليو سميث؟ لنرَ من سيبكي في النهاية.. أقسم أنني سأجعل هذا الغرور يتحطم تحت قدمي في المحكمة!"

في وقت متأخر من مساء اليوم نفسه، كان الشارع التجاري المقابل لبرج "شركات سميث" قد بدأ يهدأ تدريجياً، باستثناء أضواء النيون الدافئة التي تصدر من متجر صغير زجاجي ذي طابع فرنسي أنيق؛ مخبز إيف.

​كانت إيف تقف خلف المنصة الخشبية البيضاء، ترتدي مئزراً وردياً فاتحاً فوق ملابسها، وترتب اللمسات الأخيرة على شاشة العرض المليئة بقطع الكعك والحلويات المصنوعة يدوياً. كان المخبز يفوح برائحة الفانيليا والقهوة الدافئة، مما أضفى جوّاً من السكينة المناقضة تماماً للصخب الذي شهدته شقة روز في الجانب الآخر من المدينة.

​رنّ الجرس المعدني الرقيق المعلق أعلى الباب الزجاجي معلناً دخول زائر جديد.

​رفعت إيف رأسها بابتسامة ترحيبية تلقائية، متوقعةً أن يكون أحد الزبائن المعتادين، لكن ابتسامتها اتسعت قليلاً في مفاجأة لطيفة عندما رأت الرجل الذي التقت فيه في صباح اليوم بسترته السوداء الأنيقة.

كان ريو.

​كان يرتدي نفس الإطلالة الرسمية السوداء الداكنة. خطى بخطوات هادئة نحو المنصة، وهو يجول بعينيه الخضراوين في أرجاء المكان بدقة واستكشاف، قبل أن تلتقي عينان باللون الأخضر مجدداً.

​— "يبدو أنكِ لم تتأخري في دعوة زبونكِ الأول لهذا اليوم."

​قالها ريو بنبرة رخيمة تحمل مسحة من المزاح الهادئ، وهو يخرج البطاقة الملونة الصغيرة من جيب بليزره الداخلي ويضعها بلطف على الطاولة الخشبية.

​ابتسمت إيف بخجل رقيق، وعدلت طرف مئزرها قبل أن تجيب بصوت ناعم:

— "أستاذ... ريو، أليس كذلك؟ لم أتوقع أن تأتي في نفس اليوم! ظننتُ أنك قلت ذلك مجرد مجاملة بسبب الحادثة."

اتكأ ريو بإحدى يديه على المنصة الخشبية، ومال بجسده قليلاً إلى الأمام بابتسامة خفيفة ومستفزة بلطف:

— "أنا لا أعطي وعوداً بالمجاملة، خاصة عندما يتعلق الأمر بالكعك.. ثم إن الاصطدام بكِ صباحاً كان درامياً بعض الشيء، وكان عليّ التأكد أن يدكِ لم تتأثر عندما التقفتُ معصمكِ."

​احمرّت وجنتا إيف قليلاً لملاحظته الدقيقة ودهائه الغير متوقع، وضحكت بخفة:

— "أنا بخير تماماً، شكراً لطفك. إذن.. ما هو طلبك لليوم؟ لدينا كعكة الشوكولاتة الداكنة، وكعكة الفراولة، وأيضاً..."

​قاطعها ريو بهدوء وهو يشير بسبابته إلى قطعة كعك صغيرة محشوة بالفانيليا والكراميل ومزينة بورقة نعناع طازجة:

— "سآخذ هذه.. مع فنجان قهوة سوداء بدون سكر."

​قامت إيف بوضع القطعة في علبة كرتونية أنيقة ورتبت طلبية القهوة بسرعة وإتقان. وعندما قدمت العلبة والقهوة إليه، رفض ريو أخذ الباقي من النقود، وأشار لها ببساطة:

— "احتفظي بالباقي كعربون اعتذار مني على أوراق الرسم التي بعثرتها في الشارع."

​— "لكن هذا كثير جداً!" هتفت إيف بمحاولة لرده.

ابتسم ريو بثبات وهو يمسك فنجان القهوة، ثم أردف بنبرة مليئة بـالغموض والأناقة وهو يتراجع نحو الباب:

— "اعتبريها استثماراً لزيارتي القادمة يا آنسة إيف.. فالقهوة هنا رائعة، والمكان يحمل طاقة تستحق العودة."

​ودعها برأس مرفوع وابتسامة دافئة، ثم غادر المخبز تاركاً جرس الباب يرنّ برقة خلفه.

​في هذه الأثناء، ظلت إيف واقفة خلف المنصة تنظر إلى الباب الزجاجي بابتسامة هادئة ورقيقة، بينما واصل ريو سيره في الشارع الليلي الهادئ، مرتشفاً من قهوته، وهو يفكر في كيف أن هذا اللقاء اللطيف كان الفاصل الوحيد في يوم حافل بالضغوط والنزاعات التي تنتظره برفقة ليو.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

القدر المحتوم

المؤلف Ruby<5
2026/10/03 مكتملة
قائمة الفصول (21)
الفصل 1: الفصل الأول:ما قبل العاصفة
2026/10/03
الفصل 2: الفصل الثاني:زوايا التصادم
2026/10/03
الفصل 3: الفصل الثالث:تقاطع الاقدار تحتَ سقفِ واحد
2026/10/03
الفصل 4: الفصل الرابع: شرارة قبل العاصفة
2026/10/03
الفصل 5: الفصل الخامس:خطوة في مسافة النار
2026/10/03
الفصل 6: الفصل السادس:طيفُ في ظلالَ الشكِ
2026/10/03
الفصل 7: الفصل السابع:بين صخب الملاهي وظلال السقوط
2026/10/03
الفصل 8: الفصل الثامن:في دهاليز الخطر والظلال
2026/10/03
الفصل 9: الفصل التاسع:خبايا الخطوط المشبوهة
2026/10/03
الفصل 10: الفصل العاشر:العاصفة المكشوفة وظلال التعب
2026/10/03
الفصل 11: الفصل الحادي عشر:متعة الاستراحة
2026/10/03
الفصل 12: الفصل الثاني عشر: رحلة إلى الظلال
2026/10/03
الفصل 13: الفصل الثالث عشر:خطة غير متوقعة
2026/10/03
الفصل 14: الفصل الرابع عشر: ظل في الظلام وصدمة المستند
2026/10/03
الفصل 15: الفصل الخامس عشر: همس الأقنعة
2026/10/03
الفصل 16: الفصل السادس عشر:حد النار
2026/10/03
الفصل 17: الفصل السابع عشر:وعد الخنصر
2026/10/03
الفصل 18: الفصل الثامن عشر:شرارة التحدي
2026/10/03
الفصل 19: الفصل التاسع عشر:تسليم الوثيقة
2026/10/03
الفصل 20: الفصل العشرون والأخير:ظلال العاصفة
2026/10/03
الفصل 21: ~ الخاتمة ~
2026/10/03

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة