الفصل السابع عشر:وعد الخنصر

الفصل السابع عشر:وعد الخنصر

7 0

استقرت السيارة السوداء في شوارع المدينة العتيقة الهادئة، تحت قطرات المطر الخفيفة التي استحالت إلى رذاذ يداعب أضواء الشوارع الصفراء. كان ليو يستند بيد واحدة على مقود السيارة، بينما ذراعه الملفوفة تستريح بجانبه.

​ترجل الاثنان من السيارة بالقرب من حديقة مطلة على الأفق العمراني، وساد بينهما صمتٌ ثقيل؛ صمتٌ يطفح بعظم السر الذي اكتشفاه للتو في وثيقة الأرشيف.

​لاحظت روز وهي تسير بجانب ليو خطواته المتباطئة، وتكتمه الشديد على الألم الذي يغزو ملامحه الحادة. كانت عيناه العسليتان تعكسان إرهاقاً قادماً من أعماق روحه، لا من جرح جسده فحسب.

​— "سيد ليو..."بدأت روز حديثها بنبرة ناعمة محاولة كسر الجليد وتلطيف الجو الملبد بالغيوم.

​التفت ليو إليها ونظراته هادئة:"ألم نتفق على إلغاء الألقاب الرسمية عندما نكون بمفردنا يا روز؟"

​ابتسمت روز ابتسامة خفيفة تتصنع فيها المرح، وأردفت:"حسناً يا ليو... هل تعلم أنك تبدو كشخص حاول مصارعة قطار سريع واستمر بالادعاء أنه فاز في المعركة؟"

​تنهد ليو بزفير خفيف، وابتسامة جانبية ترتسم على شفتيه:"القطار كان يحمل خنجراً تكتيكياً... وأنا فقط تفاديت وجهته الرئيسية."

​توقفت روز فجأة في منتصف الطريق، والتفتت بكامل جسدها لتصبح أمامه مباشرة. ألقيت على ملامحه الحادة نظرة فاحصة ومستجوبة، ثم سألته بنبرة يمتزج فيها القلق الشديد بالصدق:

— "هل أنت بخير حقاً؟ بدون إجابات رأس مالية أو إجابات دروع تكتيكية... هل أنت بخير يا ليو؟"

​نظر ليو في عينيها الزرقاوتين لثوانٍ، ثم عدل وقفته ونطق ببرود متصنع ليريح بالها:

— "أنا بخير يا روز، الجرح سطحي، والوثائق أصبحت في أيدينا، لا داعي للقلق إطلاقاً."

​لم تنطلي حيلته عليها؛ حدقت فيه روز بنظرة شك لطيفة، ورفعت حاجبها الأيسر. ثم خطت خطوة أقرب، ورفعت يدها الصغيرة، ومطّت خنصرها الرقيق أمامه بالكامل، وأرتسمت على شفتيها ابتسامة دافئة ومصرّة تضيء عتمة الشارع:

— "عدني... عدني بخنصرك أنك بخير حقاً ولن تخفي عني ألمك مجدداً!"

​تسمر ليو في مكانه، وتأمل خنصرها المرفوع بثبات، ثم انتقل ببصره إلى ابتسامتها الصافية التي أزاحت عن صدره جبالاً من الثقل المكتوم. ابتسم بصدق ودون أي أقنعة، ومد خنصر يده السليمة ليلتوي برفق شديد حول خنصرها الصغير.

​— "أعدكِ يا أرنبتي الشرسة... أنني لن أخفي عنكِ شيئاً، وأنني سأكون بخير ما دمتِ بجانبي،" قالها ليو بصوت رخيم يفيض بالدفء.

​بعد ذلك أوصلها ليو إلى باب شقتها. وما إن أغلقت الباب وراءها حتى اهتز هاتف ليو في جيبه. سحب الهاتف ليرد ببرود:

— "نعم؟"

​جاءه صوت عمّه الصارم:

— "ليو... طائرة العائلة استقرت، ونحن ننتظرك في القاعة المغلقة بالمقر الرئيسي. هناك اجتماع عائلي طارئ ومباشر ولا يحتمل الغياب."

وصل ليو إلى القاعة العائلية ذات الطراز الكلاسيكي الفاخر. كانت أضواء الثريات الكريستالية تنعكس على الطاولة الخشبية الطويلة التي يجلس عليها كبار رجال العائلة. ولكن عيني ليو لم تتوقفا عند أعمامه، بل استقرتا بحدة على ساي، الذي كان يجلس على طرف الطاولة ببدلة فاخرة ويتجرع من كأسه ببرود تام.

​تطرق الحضور لأمور الأسهم والتوازنات المالية، ولكن بعد انتهاء الاجتماع العائلي واستئذان الجميع للذهاب، بقي ليو وساي بمفردهما في القاعة المغلقة.

​تقدم ليو بخطوات ثقيلة، وصوت حذائه يرن على الأرض. وقف أمام ساي مباشرة، وكانت عيناه تشتعلان بشرار عتب وألم.

​— "لماذا يا ساي؟" نطق ليو بصوت خفيض ومبحوح يخرج من حشرجة حنجرته.

​رفع ساي عينيه المليئتين بالسخرية، وقال بنبرة جافة:

— "عن ماذا تتحدث يا أخِي العزيز؟ هل جاءك كوابيس جديدة عن الماضي؟"

​ضرب ليو قبضة يده السليمة على الطاولة بقوة اهتزت لها الكؤوس، ونطق بمرارة حارقة:

— "لماذا تفعل كل هذا؟! أنت أخي... نحن نملك الدم نفسه، والنسب نفسه! لقد سلمتك إدارة الاستثمارات، ولم أزاحمك يوماً على عرش العائلة ولا على نفوذها! كل ما أردته هو أن نقف معاً كإخوة! لماذا تكرهني وتتحالف مع الغرباء لتدميري وتدمير كل من حولي؟!"

​وقف ساي ببطء، واقترب من ليو حتى أصبحت ملامحه قريبة جداً، ونطق بنبرة حاقدة تملؤها الغيرة:

— "لأنك دائماً كنت 'المثالي' يا ليو! البطل الذي يصفق له الجميع، الملاكم الشجاع، والعبقري الذي يدير الأزمات! أردتُ أن أثبت للجميع أنك مجرد ظاهرة قابلة للانكسار... وأن العرش لا يتسع لرجلين من دمٍ واحد!"

​نظر ليو إليه بنظرة حزن عميقة ومأسوفً عليها، ونفى برأسه ببطء:

— "كنت مستعداً لإعطائك العرش بأكمله يا ساي لو طلبته... ولكنك اخترت الدماء والأكاذيب. وأقسم لك، لن أسمح لك بمساس أي شخص يهمني بعد اليوم."

​استدار ليو ومشى خارجاً، بينما صرخ ساي خلفه بغضب:"سنرى من سيصمد في النهاية يا ليو!"

في الجهة الأخرى من المدينة، كان المخبز الصغير الهادئ يفوح برائحة الفانيليا والمعجنات الطازجة. كانت إيف ترتب الطاولات الخشبية بلمساتها الناعمة، بينما يراقبها ريو بملابسه الداكنة ووقفته الصلبة بجانب الباب.

​اقترب ريو بخطوات هادئة نحو الطاولة التي تعمل عليها إيف. التفتت إليه إيف وعيناها الخضراوتان تلمعان ببراءة:

— "سيد ريو؟ هل هناك المزيد من العمل في المخبز؟»

​توقف ريو أمامها مباشرةً، واستخرج من جيبه قلادة صغيرة أنيقة تحمل رمز زهرة وردية صغيرة محاطة بالفضة، وضعها على الطاولة بجانب أطباقها.

​احمرت وجنتا إيف فوراً، ونظرت للقلادة ثم إليه بارتباك لطيف:

— "ما... ما هذا يا سيد ريو؟"

​نطق ريو بصوت هادئ، جاد، ودافئ في الوقت نفسه:

— "عليّ مغادرة المدينة لعدة أيام لتأمين خطوط الدعم الخاصة بقضية ليو وروز. هذه القلادة ليست مجرد هدية يا إيف... إنها تحتوي على شريحة تتبع واستغاثة سريعة. إذا شعرتِ بأي خطر، اطلبي الرقم المربوط بها وسأكون هنا قبل أن ترمشي."

​اتسعت عينا إيف بخجل عارم، وانخفضت أنظارها نحو يديها المترددتين:

— "أـ أنت... تهتم بأمري لهذه الدرجة؟"

​حك ريو رقبته بارتباك نادر وهو يدير وجهه جانباً ليداري حرجه:

— "المخبز يحتاج لصاحبته لتستمر معجناته اللطيفة... وأنا... لا أتحمل فكرة أن يصيبكِ أي أذى. اعتني بنفسكِ حتى أعود."

​ابتسمت إيف ابتسامة خجولة للغاية زادت وجهها رقة، ونطقت بصوت ناعم:

— "سأنتظرك... عد بسلام يا ريو."

في الصباح التالي، كان مقعد ليو في شركة "ألترا فيجن" خالياً على غير العادة. كانت روز تجول في المكتب بقلق واضطراب، تحاول الاتصال بهاتفه مراراً وتكراراً دون جدوى.

​اتصلت بـ لورا، فجاءها صوت لورا المضطرب عبر الهاتف:

— "روز! ليو لم يجتز عتبة المنزل، ولم يصل للمكتب! اتصلت به عشرات المرات وهاتفه يرن دون إجابة! أنا في اجتماع المساهمين الآن ولا أستطيع التحرك... أرجوكِ اذهبي لتفقده في شقته"

​وصلت روز إلى المجمع السكني الهادئ المطل على البحر حيث يسكن ليو. صعدت في المصعد الداخلي وصوت دقات قلبها يتسارع مع كل طابق تقطعه.

​وقفت أمام باب شقته الفاخرة ذات التصميم العصري الداكن. قرعت الجرس عدة مرات دون إجابة، ثم استخدمت الرمز السري الذي زودتها به لورا للطوارئ.

​دخلت إلى الشقة؛ كان الهدوء تاماً والستائر مغلقة، والأضواء خافتة جداً. سارت بخطوات حذرة وهي تنادي بصوت خفيض: "سيد ليو؟... ليو؟ هل أنت هنا؟"

​لم يأتِ أي رد، سوى صوت أنفاس ثقيلة مجهدة قادمة من الغرفة الرئيسية. مشت روز بخطوات بطيئة ودخلت الغرفة، لتجد ليو مستلقياً على سريره الضخم. كان قد خلع معطفه وارتدى قميص أبيض خفيف، لكن جسده كان يرتجف رغماً عنه تحت الأغطية، وملامحه الحادة مشدودة بألم، وعرق بارد يكسو جبهته.

​اقتربت روز بسرعة ووضعت يدها الناعمة على جبهته، لتستشعر حرارة قاسية كالنار!

​"يا إلهي... حرارته مرتفعة للغاية!"هتفت روز بذعر خفيف.

​استجابت حواس ليو للمستها؛ تحرك ببطء، وفتح عينيه الذابلتين المغرورقتين بحرارة المرض، لكنه لم يكن في كامل وعيه، بل كان يغط في حالة بين النوم والهذيان.

​هدأت روز نفسها فوراً؛ رفعت أكمام قميصها، وأسرعت إلى الحمام لتجلب وعاءً مملوءاً بالماء البارد ومجموعة من المناشف النظيفة. عادت وجلست على طرف السرير بجانبه، وبدأت تضع المناشف المبللة على جبهته وعنقه برفق شديد.

​مع انخفاض حرارته قليلاً بفعل الكمادات الباردة، بدأ ليو يتململ بضيق، وأمسك بطرف الغطاء بقبضة مشدودة، بينما تعلو أنفاسه الحارة، وبدأ يهمس بصوت خفيض ومبحوح يملؤه الانكسار:

"لماذا يا ساي؟... لماذا؟... نحن... نحن من نفس الدم يا أخي..."

​توقفت يد روز وهي تمسح وجنته، واعتصر قلبها ألم وحزن عميق وهي تستمع لنبرته المكسورة.

​واصل ليو هذيانه بمرارة، وعيناه المحمومتان تتنقلان دون تركيز:"لقد... لقد أعطيتك كل شيء... لم أرد العرش... لم أرد الشركة... كنت أريدك فقط أن تقف بجانبي... كأخ... لماذا تكرهني لهذه الدرجة؟..."

​انحنت روز نحو وجهه، وربتت على كتفه برفق شديد لتهدئته:"اهدأ يا ليو... أنت بخير الآن، لقد انتهى الأمر... اهدأ."

​لكن ليو في غياهب هذيانه لم يستمع، بل استمر بصوت أشد حزناً:"الجميع يريدون شيئاً مني... النفوذ... المال... الحماية... لا أحد يرى الملاكم المجهد... لا أحد... سوى..."

​توقف ليو فجأة، وانقشعت بعض الغيوم عن عينيه لثوانٍ، والتفت بوجهه نحو روز. رفع يده الثقيلة المرتجفة ببطء شديد، حتى لامست أطراف أصابعه وجنتها.

​همس ليو بصوت خفيض للغاية يفيض بالدفء: "سوى... أرنبتي الشرسة...روز... أنتِ الوحيدة... التي تدافعين عني دون أن تطلبي شيئاً... لا تذهبي... لا تتركيني وحدي في هذا الصقيع..."

​تجمعت الدموع في عيني روز أمام هذيانه الصادق المباشر الذي جرد ذلك الرجل البارد من كل أقنعته. أمسكت بيده الثقيلة الدافئة المستقرة على وجنتها، ووضعتها بين كفيها الناعمتين، واعتصرتها بحنان وثبات.

​"لن أذهب يا ليو... أنا هنا بجانبك، ولن أتركك أبداً،" همست روز بصوت ناعم وممتلئ بالصدق.

​أغمض ليو عينيه براحة مفاجئة بمجرد أن شعر بلمسة يديها المحيطة بيده، واستسلم لنوم عميق وهادئ، وظلت هي جالسة بجانبه لساعات طويلة، تبدل الكمادات الباردة وتراقب تنفسه، متمسكة بكفه دون أن تفارقها لحظة واحدة.

​مع حلول العصر، بدأت حرارة ليو تتراجع تدريجياً حتى عادت لمعدلها الطبيعي، وهدأت أنفاسه لتصبح منتظمة وعميقة.

​كانت روز ما تزال تجلس على الكرسي المجاور للسرير، وقد أجهدها القلق ورعايتها له، فأسندت رأسها بتعب على طرف السرير بالقرب من يده، وغطت في نوم خفيف دون أن تشعر.

​فتح ليو عينيه ببطء. كان شعور الثقل والحمى القاسية قد زال، واستعاد وعيه الكامل وكان يدور في رأسه صداع خفيف. نظر حوله ليتعرف على المكان، ثم التفت جانباً لتسقط عيناه فوراً على روز النائمة بجانب سريره.

​تأمل شعرها المنسدل على وجهها الناعم، والمناشف والوعاء البارد الموضوع على الطاولة المجاورة، واستشعر كفها الصغير الذي كان ما يزال يلف أصابعه بدفء.

​تحرك ليو بخفة كي لا يزعجها، لكن روز استشعرت الحركة وفتحت عينيها ببطء. التقت عيناها بعينيه، ولثوانٍ ساد الصمت، قبل أن تستوعب الموقف وتقف بسرعة وتتراجع خطوة لورا وهي تمسح وجهها بارتباك خفيف:

"ليو! أـ أنت مستيقظ... كيف تشعر الآن؟ هل ما زلت تشعر بالحرارة؟"

​عدّل ليو جلسته ببطء وهو يحك رأسه بكفه، ثم نظر إلى الوعاء والمناشف بجانبه وابتسم ابتسامة دافئة، ونظر في عينيها:

"صباح الخير يا طبيبتي... أشعر أنني أفضل بكثير. لكن... كيف وصلتِ إلى هنا؟"

​احمرت وجنتا روز فوراً بسماع لقبه لها، ورمشت عدة مرات بتوتر:"ل-لورا اتصلت بك ولم تجب، فقلقنا عليك وطلبت مني تفقدك... ووجدت حرارتك مرتفعة."

​نظر ليو إليها بتمعن، ثم عقد حاجبيه بتفكير وزفر زفيراً خفيفاً:"أشعر وكأنني كنت في حلم طويل ومربك... أتذكر أنني كنت أهذي ببعض الأمور، لكنني لا أستطيع تذكر كلمة واحدة مما قلته! هل تلفظت بأي شيء مزعج أو غير منطقي؟"

​اتسعت عينا روز فوراً، واشتد احمرار وجنتيها حين تذكرت اعترافه الصريح وهذيانه الدافي عنها

​نظرت إليه بارتباك واضح وضيعت نظراتها في أرجاء الغرفة، ثم سألته بنبرة متلعثمة تتظاهر فيها باللامبالاة: "أـ أنت... أنت حقاً لا تتذكر شيئاً مما قلته؟ ألا تتذكر أي كلمة إطلاقاً؟"

​هز ليو رأسه بنفي قاطع وقال بابتسامة خفيفة:"لا، لا شيء على الإطلاق... ذاكرتي أثناء الحمى بيضاء تماماً. لماذا؟ هل قلتُ شيئاً غريباً يا روز؟"

​تنفست روز الصعداء بحدة، وحاولت استعادة جمودها المهني بجهد جهيد، ورصت كلماتها بسرعة وهي تجمع المناشف:"لا! لم تقل أي شيء مهم أبداً! كنت... كنت تتحدث عن العمل والأوراق وبعض الأمور العشوائية فقط! لا شيء يدعو للقلق!"

​ضاقت عينا ليو بسخرية خفيفة وهو يلاحظ ارتباكها الشديد وفركها ليديها، لكنه لم يضغط عليها، بل اكتفى بنظرة حنونة وقال:"حسناً إذاً... أياً كان ما حدث، شكراً لكِ يا طبيبتي لأنكِ بقيتِ بجانبي ولم تتركيني."

​توقفت روز لثانية ونظرت إليه باحمرار خجل شديد، ثم ابتسمت ابتسامة رقيقة زادت وجهها جمالاً وقالت بصوتٍ هادئ:"أنا دائماً هنا يا ليو... والآن ارتاح، فلدينا قضية لنكسبها ضد ساي."

بعد أن استعاد ليو جزءاً كبيراً من عافيته، دخلت روز إلى مطبخه الفسيح ذو التصميم الحديث والعصري. فتحت الثلاجة المجهزة بالكامل وبدأت تتفحص المكونات بعناية، محاولة إعداد حساء ساخن ووجبة خفيفة ومغذية تساعده على التعافي تماماً.

​"ما الذي تحاولين فعله هناك يا أرنبتي؟"جاء صوت ليو الرخيم من خلفها.

​التفتت لتجده واقفاً عند مدخل المطبخ، قد استبدل ملابسه بكنزة رمادية مريحة، وينظر إليها بملامح هادئة يحاط بها الفضول.

​قالت روز وهي تخرج بعض الخضار:"سأعد لك حساءً دافئاً ووجبةً خفيفة. جسدك بحاجة للطاقة بعد تلك الحمى القاسية."

​تقدم ليو خطوات إلى الداخل وأمسك بسكين القطع بنشاط:"حسناً، سأساعدكِ إذاً... لا أستطيع الجلوس متفرجاً بينما تعملين وحدكِ."

​أسرعت روز وأخذت السكين من يده فوراً وضعتها جانباً، ثم دفعت كتفه برفق إلى الخلف وهي تقف أمامه بكل حزم:"لا وألف لا! أنت لا تزال مريضاً، والتعليمات الطبية حازمة. اذهب واجلس في الصالة حتى أنتهي!"

​ابتسم ليو بسخرية خفيفة ورفع حاجبه:"هل أصبحتِ رئيسة المطبخ الآن يا طبيبتي؟ أنا بخير تماماً، أستطيع تقطيع البصل على الأقل!"

​ردت روز بحدة لطيفة وعيناها تتسعان بتحدٍّ:"سيد ليو... بصفتي محاميتك وطبيبتك لهذا اليوم، أمرك بالخروج من المطبخ فوراً!"

​رغم تحذيرها، رفض ليو الخروج واستغل انشغالها ليتناول بصلة وسكيناً آخر، وبدأ بتقطيعها بثقة سريعة لتأكيد قدرته. لكن بعد ثوانٍ معدودة، بدأت الدموع تنهمر بكثافة من عينيه العسليتين بفعل حدة البصل،

​حاول ليو التظاهر بالثبات ومسح عينيه بذراعه، لكن الدموع استمرت بالسقوط بغزارة وهو يرمش بسرعة ويحاول الرؤية.

​التفتت روز لتراه بهذا الموقف، فلم تستطع كبح ضحكة خفيفة خرجت منها رغماً عنها:"ألم أقل لك؟ الملاكم الشجاع ومدير الأعمال المرعب... تهزمه بصلة واحدة؟"

​قال ليو بنبرة يحاول إظهارها جادة رغم عينيه الممتلئتين بالدموع والرؤية الضبابية:"هذه... هذه البصلة قوية بشكل غير طبيعي، لا علاقة للأمر بمهاراتي!"

​اقتربت روز منه وهي تضحك بخفة، وأخذت السكين من يده مجدداً:"ابتعِد قليلاً دعني أصلح ما فعلته."

​ومع اقترابها السريع واندفاعها لتأخذ السكين، اختل توازنها قليلاً بسبب أرضية المطبخ المصقولة، ليتلقفها ليو بسرعة بين ذراعيه ليمسك بها كي لا تسقط.

​توقفت الضحكات فوراً، وساد الصمت في المطبخ. كانت روز محاطة بكفي ليو القويتين، وعلى مسافة قصيرة جداً من وجهه، وعيناها مثبتتان في عينيه العسليتين المتأثرتين بالبصل.

​تجمعت الدماء في وجنتي روز ليصبح وجهها شديد الاحمرار، وشعرت بدقات قلبها وهي تتسارع كطبول الحرب. أما ليو، فقد تناسى ألم عينيه بالكامل، وغاص في ملامحها القريبة والمرتبكة، بينما يده مستقرة ببطء عند خصرها.

​ابتلعت روز ريقها بصعوبة وصوتها يتلعثم من شدة الإحراج:"أـ أنا... آسفة، المطبخ زلق قليلاً..."

​تدارك ليو الموقف ببطء شديد، وتركها تقف بثبات دون أن تتلاشى ابتسامته الدافئة، ثم عدل نبرته وقال بجدية مصطنعة يخفي بها حرج الجو:"يبدو أن المطبخ أرض غير آمنة لكلينا اليوم يا طبيبتي... سأذهب للجلوس في الصالة كما أمرتِ، قبل أن نتسبب في كارثة أخرى."

​استدار ليو ومشى نحو الصالة وهو يحك رقبته بارتباك مكتوم، بينما وقفت روز تتنفس الصعداء بقوة، وتضع كفها على خدها الملتهب خجلاً وهي تمتم لنفسها:"يا إلهي... كدت أفقد توازني بالكامل!"

​بعد نصف ساعة، جهزت روز الطاولة ونادت ليو. جلس الاثنان يقضيان بقية المساء في أجواء دافئة وهادئة، يناقشان القليل من العمل والكثير من الأمور البسيطة بعيداً عن ضغط القضايا والعمل.

​كانت نظرات ليو تلاحق روز بكل امتنان ودفء، مدركاً بينه وبين نفسه أن وجود هذه "المحامية" لم يعد مجرد تحالف قانوني... بل أصبح الملاذ الوحيد الذي يعيد له توازنه وسط عواصف الحياة.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

القدر المحتوم

المؤلف Ruby<5
2026/10/03 مكتملة
قائمة الفصول (21)
الفصل 1: الفصل الأول:ما قبل العاصفة
2026/10/03
الفصل 2: الفصل الثاني:زوايا التصادم
2026/10/03
الفصل 3: الفصل الثالث:تقاطع الاقدار تحتَ سقفِ واحد
2026/10/03
الفصل 4: الفصل الرابع: شرارة قبل العاصفة
2026/10/03
الفصل 5: الفصل الخامس:خطوة في مسافة النار
2026/10/03
الفصل 6: الفصل السادس:طيفُ في ظلالَ الشكِ
2026/10/03
الفصل 7: الفصل السابع:بين صخب الملاهي وظلال السقوط
2026/10/03
الفصل 8: الفصل الثامن:في دهاليز الخطر والظلال
2026/10/03
الفصل 9: الفصل التاسع:خبايا الخطوط المشبوهة
2026/10/03
الفصل 10: الفصل العاشر:العاصفة المكشوفة وظلال التعب
2026/10/03
الفصل 11: الفصل الحادي عشر:متعة الاستراحة
2026/10/03
الفصل 12: الفصل الثاني عشر: رحلة إلى الظلال
2026/10/03
الفصل 13: الفصل الثالث عشر:خطة غير متوقعة
2026/10/03
الفصل 14: الفصل الرابع عشر: ظل في الظلام وصدمة المستند
2026/10/03
الفصل 15: الفصل الخامس عشر: همس الأقنعة
2026/10/03
الفصل 16: الفصل السادس عشر:حد النار
2026/10/03
الفصل 17: الفصل السابع عشر:وعد الخنصر
2026/10/03
الفصل 18: الفصل الثامن عشر:شرارة التحدي
2026/10/03
الفصل 19: الفصل التاسع عشر:تسليم الوثيقة
2026/10/03
الفصل 20: الفصل العشرون والأخير:ظلال العاصفة
2026/10/03
الفصل 21: ~ الخاتمة ~
2026/10/03

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة