ساد المخبز صمتٌ ثقيل ومحملٌ بالصدمة، كانت الكلمات التي قطعت سكون الغرفة الخلفية كفيلة بإيقاف الزمن لثوانٍ؛ اتسعت عينا روز، وشعرت بركبتيها تتداعيان تحت ثقل الاسم المعروض على شاشة حاسوب لورا.
—"السيد إدوارد..." همست روز بصوت خفيض يرتجف بالذهول، "هذا... هذا شريك والدي القديم الذي اختفى ليلة الحادثة!"
اقتربت لورا من الشاشة، ومحتوى التقرير ينعكس على وجهها:
—"الأوراق العقارية المسربة أُرسلت باستخدام التوقيع الرقمي القديم لمكتب إدوارد، والمبنى المركزي يسجل حركة دخول للأرشيف المغلق تم استخدام بطاقته فيها قبل ساعتين فقط!"
تطلعت روز نحو ليو، فوجدته يقف كالتمثال الصخري، لكن عينيه العسليتين كانتا تجولان بين الأوراق المطبوعة بتركيز صارم. ردت روز بثبات محاولة استعادة رباطة جأشها:
—"إذا كان إدوارد هو من حرك السجل الرقمي، فهذا يعني أن ملف قضية والدي لم يُغلق قط، وأن الأوراق الأصلية لا تزال في المبنى المركزي. يجب أن أذهب إلى هناك فوراً."
التفت ليو إليها بنظرة حازمة لا تقبل النقاش:
—"لن تذهبي بمفردكِ يا روز، ساي يراقب تحركاتنا، والذهاب إلى مبنى مغلق في هذا الوقت مخاطرة غير محسوبة."
تدخل ريو بنبرة هادئة وهو يتطلع إلى إيف:
—"سأبقى هنا مع لورا وإيف لتأمين خط الاتصال ومراقبة التحركات الرقمية، بينما تتجه أنت والآنسة روز للتأكد من الوثائق بنفسيكما."
نظرت إيف إلى ريو، ولمست كفه ببطء لثوانٍ قصيرة لتبث فيه الدفء، وقالت بنبرة حنونة ودافئة:
—"انتبهوا جميعاً... المكان مهجور في هذا الوقت، وساي أو من يقف خلفه لن يتركوا الأوراق دون حماية."
ابتسم ريو ابتسامة جانبية خفيفة للغاية، ونور عينيه يزداد ثباتاً:
—"لا تقلقي يا إيف... المخبز في حمايتنا، وهما سيعودان بالجواب."
تجمعت الغيوم الداكنة في سماء المدينة، وبدأ المطر يهطل بغزارة متزايدة، انطلقت سيارة ليو السوداء حيث يمارس القيادة بنفسه بتركيز صارم، وإلى جانبه روز في المقعد الأمامي، تتطلع عبر الزجاج إلى قطرات المطر المتلاحقة.
وصل الاثنان بمفردهما إلى مبنى السجل العقاري القديم القابع في طرف المدينة التجاري، كان المبنى مهجوراً ومظلماً يبعث على الرهبة، تسللا عبر الباب الخلفي المخصص للخدمة بعد أن تجاوز ليو نظام التأمين الخارجي بحذر، كانت الأروقة المظلمة تفوح برطوبة الأوراق القديمة والغبار.
مشى ليو أمام روز بخطوات حذرة وواثقة، ممسكاً بمصباح حراري خافت، حريصاً على أن يبقى جسده سداً لحمايتها عند أي زاوية، بينما كانت روز تتبعه بثبات وتتفحص أرقام الرفوف. وصل الاثنان بمفردهما إلى القسم السري الخاص بالصفقات الاستثمارية الملغاة منذ ستة عشر عاماً.
قالت روز وهي تفتح أحد الصناديق الحديدية المتربة:
—"هنا... المجلد رقم 404، الخاص بـ 'شركة الفجر للاستثمار'."
انحنى ليو بجانبها، وسحبا الملف المجلّد معاً. ومع تقليب الصفحات الصفراء تحت ضوء المصباح الخافت، بدأت الحقائق تتكشف كأحجار الدومينو المتساقطة. سقطت من بين الصفحات وثيقة رسمية تحمل ختمين متجاورين وتوقيعين بخط اليد؛ الأول لوالد ليو، والثاني لوالد روز!
اقتربت روز من الوثيقة، وأمسكت بها بآيادٍ ترتجف:
—"هذا... هذا توقيع أبي! ولكن... لماذا يجاور توقيع والدك يا ليو؟"
سلط ليو الضوء على السطور السفلية، وقرأ بصوت عميق ومصدوم:
— " 'عقد شراكة اندماجية وحماية استراتيجية بين شركة ألترا فيجن ومؤسسة المظلة القانونية'... روز، والدي ووالدكِ لم يكونا خصمين كما روجت الصحافة القديمة... كانا شريكين سرّيين وأصدقاء مقربين جداً!"
اتسعت عينا روز، وسقطت منها زفرة حارة:
—"أبي... كان يحمي أسهم والدك من محاولات الاستيلاء الفاسدة! والورقة التي قُتل لأجلها... كانت العقد الذي يثبت ملكية عائلتك وعائلتي للشركة بالكامل!"
وفجأة، رن صوت خطوات سريعة ومكتومة تتجه نحو الممر! أطفأ ليو المصباح فوراً، وأمسك بمعصم روز بنعومة، ثم سحبها خلف أحد الرفوف الخشبية الضخمة في مساحة ضيقة جداً.
التصق جسد ليو بجسد روز كلياً ليحميها خلف ظهره، وانخفضت أنفاسهما حتى كادت تتوقف. كان جدار صدره الصلب يلامس كتفها، ويده تغطي ظهرها، شعرت روز بضربات قلبه المتسارعة، ودفء أنفاسه يداعب جبينها في العتمة، حبست أنفاسها، وعقلها يتضارب بين رهبة الخطر المفاجئ وبين الأثر القوي لتقاربهما، حيث تشعر لأول مرة بأنها ليست مجرد محامية تدافع عن موكلها، بل امرأة يقاتل هذا الرجل لحمايتها.
وحين حاولت روز سحب إحدى الوثائق العالقة بين زوايا الرف الحادة كي لا تترك أثراً، احتك جزء معدني حاد بكفها الناعم، ليقطع جلدها بنزيف خفيف، كتمت صرختها بصعوبة، ولم تتكلم حتى مرت الخطوات واختفت عبر مخرج الطوارئ.
عندما أضاء ليو المصباح الخافت مجدداً، لاحظ قطرات الدم تسقط على بلاط الأرضية، انخطف لونه، وأمسك بفيض من القلق يدها المجروحة، لتنطق روز بسرعة وهي تحاول سحب يدها:
—"ليو، اهدأ... إنها مجرد خدش بسيط لا يستحق كل هذا."
انفجر ليو بغضب مكتوم يشتعل في عينيه العسليتين، ونطق بصوتٍ حاد يرن في الممر المظلم:
— "مجرد خدش بسيط؟! هل تعتقدين أن رؤية دمائكِ أمرٌ بسيط بالنسبة لي يا روز؟! تحاولين إثبات صلابتكِ في كل ثانية حتى لو أذيتِ نفسكِ! عملكِ كمحامية لا يعني أن تٌهملي جسدكِ وإحساسكِ!»
نظرت إليه روز بذهول، وشعرت بقلبها ينبض بسرعة أمام غضبه الصريح، أراحت يدها بين يديه ونطقت بنبرة خفيضة:
—"أنا لم أقصد إهمال نفسي يا ليو... كنت فقط أخشى أن نضيع الوثيقة، لكنني... أقدّر خوفك علي."
أخرج ليو منديله القماشي الأبيض وشده برفق وحذر حول جرحها، وعيناه تتأملان وجهها بحدة ممتزجة بالخوف الخفي:
—"لا تتساهلي مع جروحكِ أبداً... خصوصاً حين تكونين برفقتي."
تركت روز يدها بين يديه الدافئتين دون اعتراض، وساد بينهما صمت مهيب تدافعت فيه مشاعر لم تعبر عنها الكلمات.
أثناء طريق العودة بالسيارة، كان المطر يضرب الزجاج بضراوة شديدة. كان ليو يمسك المقود، وعيناه تتنقلان بين الطريق وبين روز الجالسة بجانبه في المقعد الأمامي.
لاحظ ليو أن روز لم تنطق بكلمة واحدة طوال الطريق. كانت تسند رأسها على النافذة الزجاجية، تتأمل قطرات المطر المتساقطة بشرود، وعيناها مليئتان بثقل الحقائق الجديدة التي انكشفت عن والدها الراحل.
لم يرد ليو الضغط عليها بالأسئلة، بل اكتفى بمراقبة يدها المضمدة بالمنديل، ونظراته العسلية تنضح بحزن دفين لا يقل عن حزنها.
توقفت السيارة أخيراً أمام العمارة السكنية التي تسكنها روز. ترجل ليو وفتح لها الباب، ثم رافقها تحت مظلته الكبيرة حتى وصلا إلى المدخل الخارجي المظلم والمحمي من المطر.
وقفت روز وأعطته ظهرها تقريباً، محدقة في بلاط الأرضية دون أن ترفع عينيها إليه.
نطق ليو بصوت هادئ ورخيم يكسره الحنان:
—"تصبحين على خير يا أرنبتي... نلتقي في الصباح."
لم تجب روز، ولم تتحرك من مكانها، وظلت ملامحها مخفية تحت ظلال شعرها المنسدل.
عقد ليو حاجبيه بقلق مكتوم، وانحنى بجسده ببطء حتى أصبح في مستوى عينيها تماماً، ونطق بنبرة دافئة وتساؤلية:
—"روز؟"
وفي اللحظة التي التقت فيها عينها بعينيه العسليتين المليئتين بالخوف عليها... انكسر كل ثباتها! تدحرجت الدموع الحارة من عينيها الزرقاوتين بغزارة، ودون أي مقدمات، اندفعت روز إلى الأمام وألقت بنفسها بين ذراعيه، محتضنة ليو من خصره بقوة، وواضعة وجهها في صدره المعزول بمعطفه الجلدي!
تجمد ليو في مكانه لثوانٍ معدودة من شدة الصدمة؛ فهذه هي المرة الأولى التي تعانقهُ روز.
ولكن سرعان ما استعاد وعيه، فلف ذراعيه القويتين حول ظهرها ببطء وحنان شديد، وشدها إليه ليضمها إلى صدره اكثر، بدأ يمسح بيده على شعرها المبتل وظهرها، ويهدئ أنفاسها بنبرة دافئة ورخيمة:
—"اششش... أنا هنا يا روز... أنا بجانبكِ ولن أترككِ أبداً. والدانا كانا بطلين، ونحن سننهي ما بدأاه معاً... اهدئي يا أرنبتي."
استمرت روز بالبكاء الصامت لعدة دقائق، مستمدة الدفء من أنفاسه وجسده الصلب. شعرت بحصن أمان حقيقي يحيط بها، وكأن كل مخاوف الماضي تتضاءل أمام قوة وجوده.
وعندما هدأت ضربات قلبها، تراجعت إلى الخلف ببطء، ورفعت رأسها بخجل شديد وهي تمسح وجنتيها المتوردتين بأطراف أصابعها، ونطقت بصوت خفيض يرتجف:
—"شـ شكراً لك يا ليو... وأسفة جداً... لأنني بللت معطفك بدموعي."
ابتسم ليو ابتسامة جانبية ساحرة، ونظر إليها بعينين تلمعان بالأمان، وسحب يدها السليمة بين يديه الدافئتين:
—"لا بأس يا روز... معطفي يشرّفه أن يمسح دموع أرنبتي الشرسة، لا تعتذري أبداً عن مشاعركِ أمامي."
ثم رفع كفها الناعم برفق شديد، وطبع قبلة دافئة وطويلة على باطن كفها، ونظر في عينيها ونطقَ بصوتٍ رخيم:
—"تصبحين على خير... يا جميلتي."
ارتبكت روز بالكامل، وارتفعت حرارة وجنتيها مجدداً، وشعرت برعشة دافئة تسري في جسدها أثر قُبلته، فأومأت رأسها بخجل قبل أن تستدير وتركض بخطوات سريعة نحو الداخل، تاركةً ليو يقف في المطر يراقب أثرها بابتسامة دافئة.
في صباح اليوم التالي، كانت روز تجلس خلف مكتبها الزجاجي الفاخر في برج "ألترا فيجن"، تحاول تركيز عينيها على الأوراق المالية والطعون القانونية، لكن ذهنها كان شائكاً ومشوشاً للغاية. كان قيد التوتر يلتف حول أنفاسها لمجرد فكرة مواجهة ليو أو النظر في عينيه العسليتين بعد كل ما حدث ليلة البارحة؛ العناق المباغت تحت المطر، دفء صدره المعزول بمعطفه الجلدي، وقبلته الطويلة والرقيقة لباطن كفها التي لا تزال حرارتها تسري في عروقها حتى هذه اللحظة.
كلما سمعت خطواته الثقيلة تقترب من الممر الخارجي لمكتبها، كانت تغرق وجهها بين الملفات المفتوحة، وتتظاهر بالانشغال المطلق بقراءة البنود، بينما قلبها يقرع كالطبول في صدرها.
على الجانب الآخر، كان ليو يراقبها من خلف الزجاج المعتم لمكتبه؛ لم تخفَ عنه محاولات تهربها اللطيفة، ولا الشحوب الخفيف الذي يكسو ملامحها الناعمة، والإجهاد الواضح الذي يثقل جفنيها جراء ليلة مضطربة من البكاء والتفكير في أسرار والدها.
في حدود الساعة الثالثة عصراً، لم يعُد ليو يحتمل رؤيتها تضغط على نفسها أكثر. خطى بوقار نحو مكتبها، ووقف أمام الطاولة الضخمة، وانحنى بجسده قليلاً ليمد يده وبكل هدوء وسحب القلم من بين أصابعها المترددة.
ارتبكت روز بالكامل، وارتفعت حرارة وجنتيها فوراً، وتجنبت النظر في عينيه مباشرة وهي ترتب أوراقها بارتباك ظاهر:
—"سـ سيد ليو! ماذا تفعل؟ أنا أراجع لائحة الطعن الخاصة بالحسابات الخارجية و..."
قاطعها ليو بنبرة صارمة وحازمة، لكنها ممتلئة بأهتمام لا يمكن إخفاؤه:
—"العمل انتهى بالنسبة لكِ اليوم يا روز، أنتِ منهكة كلياً، وأنا لا أسمح لمحاميتي بأن ترهق عقلها بهذا الشكل. اجمعي أغراضكِ واذهبي إلى المنزل وارتاحي فوراً."
حاولت روز الاعتراض ورفعت عينيها إليه لأول مرة منذ الصباح:
—"ولكن القضية في مرحلة حاسمة! لا يمكنني ترك الملفات مفتوحة والذهاب للنوم فقط لأنني..."
—"هذا أمر تنفيذي غير قابل للنقاش من مديركِ المفضل،" قال ليو بابتسامة جانبية ساحرة وواثقة، وهو يضع القلم جانباً:"ثم إن سيارة الشركة تنتظركِ في الأسفل بالفعل. لا تجعليني أحملكِ إلى السيارة بنفسي يا أرنبتي الشرسة."
اتسعت عينا روز بخجل، وتنهدت بقلة حيلة أمام فرض سيطرته الحنونة:
—"حسناً... سأذهب، لكن بشرط أن أستكمل الملفات مساءً."
—"سنرى بشأن ذلك،" رد ليو بنبرة رخيمة وهو يراقبها تطوي حقيبتها.
وما إن تأكد ليو من مغادرتها للبرج وركوبها السيارة، حتى أخرج هاتفه وضغط على زر الاتصال بشقيقته لورا. جاءه صوت لورا المرح:
—"أهلاً بأخي العزيز! هل انتهت المعركة القانونية لهذا اليوم؟"
نطق ليو بصوت هادئ يحمل نبرة قلق ورعاية مكتومة:
—"لورا... أريدكِ أن تأخذي إيف وتذهبي فوراً إلى شقة روز. إنها منهكة ونفسيتها متعبة جداً بعد حقائق البارحة الخاصة بوالدها. ابقن معها الليلة، اطبخن شيئاً دافئاً، ولا تتركنها بمفردها لتفكر في الظلام."
ابتسمت لورا عبر الهاتف بنبرة تفيض بالخبث والمحبة:
—"أوه يا إلهي! أخاف أن أخي الصارم الذي لا يعرف سوى لغة الأرقام والملاكمة يتحول إلى حارس حنون مفرط الحماية؟ اعتمد علي يا ليو... سأجعلها ليلة لا تُنسى!"
بعد ساعة كاملة، وصلت روز إلى عماراتها السكنية، وصعدت بخطوات متثاقلة وهي تتمنى الارتماء على السرير واستجماع أفكارها. لكنها حين وصلت أمام باب شقتها، تسمرت في مكانها وانصدمت لتراه مفتوحاً جزئياً والضوء ينبعث من الداخل!
حبست روز أنفاسها، وسحبت قلماً معدنياً ثقيلاً من حقيبتها كأداة دفاعية سريعة، وتقدمت بخطوات حذرة للغاية داخل الصالة المظلمة وهي تهمس لنفسها:"من يمكن أن يكون هنا؟ هل أرسل ساي أحداً؟"
وفجأة... أضاءت أضواء الصالة بالكامل، لتخرج لورا وإيف من المطبخ وهما تحملان أكياساً مملوءة بالحلويات، الفطائر الطازجة، وأواني المعكرونة الساخنة!
—"مفاجأة لسيادة المحامية المنهكة!" هتفت لورا وهي ترفع ملاعق الخشب بمرح.
وقفت روز متسمرة بعينين متسعتين، والقلم لا يزال مرفوعاً في يدها:
—"لورا؟! إيف؟! ما الذي تفعلانه هنا وكيف دخلتما الشقة؟! كدتُ أصاب بسكتة قلبية!"
ضحكت إيف بنعومة وقالت وهي تضع الأطباق الفخارية على الطاولة:
—"لورا تملك النسخة الاحتياطية للمفتاح التي أعطيتها لها في الأسبوع الماضي... ومديركِ المحترم هو من أرسلنا بنص صريح لنهتم بكِ الليلة لأنكِ تبدين منهكة ولا يريدكِ أن تبقي بمفردكِ."
تنهدت روز براحة وعيناها تدمعان بامتنان عميق:
— "شكراً لكما... كنتُ أحتاج هذه الليلة بشدة."
مع حلول الليل، ارتدت الفتيات بيجامات منزلية قطنية مريحة، وجلسن على السجادة العريضة وسط الصالة حول الوسائد وأطباق الحلويات والمشروبات الدافئة.
بدأت لورا المداعبة وهي تسكب الشاي الدافئ في الأكواب، وتنظر لإيف بابتسامةٍ خبيثة ومستفزة:
—"إذن يا إيف... دعكِ من أمور المخبز الآن وأخبرينا بصراحة... هل مخبزكِ الأنيق يفتح أبوابه في الثانية صباحاً لكل الزبائن، أم أن ريو يملك تصريحاً أمنياً استثنائياً لدخول قلبكِ ومطبخكِ الخلفي في منتصف الليل؟"
احمر وجه إيف فوراً بالكامل، وأسقطت ملعقة السكر بارتباك، وحاولت تعديل كوبها وهي تنظر حولها بنعومة:
—"لورا! ما هذا الكلام؟ ريو رجل جاد وصارم جداً، وهو يأتي فقط للتنسيق الأمني والمساعدة في حل الأزمة المالية! لا داعي لهذه التلميحات العجيبة!"
ضحكت روز وشاركت لورا الاستفزاز اللطيف وهي تستند برأسها على الوسادة:
—"لا يا إيف... لورا معها حق! ريو عادةً لا يبتسم ولا يتحدث مع أحد بتلك النبرة الدافئة والهادئة إلا معكِ! حتى نبرة صوته ونظراته في المخبز البارحة عندما قال لكِ 'لا تقلقي'... كانت تطفح بالخوف والحرص عليكِ قبل أي شيء آخر!"
غطت إيف وجهها الناعم بيديها بخجل شديد وسط ضحكات الصديقتين، ثم رفعت رأسها ونظرت لروز بابتسامة تحدٍّ مرحة وعينين تلمعان بالخبث:
—"أوه... هكذا إذن؟ تتحدثين عن ريو وتتجاهلين الملاكم الصارم الذي كاد يوقف أعمال الشركة ويحرق العالم لمجرد أنكِ تبدين منهكة اليوم؟ من منّا يحتاج للاعتراف أولاً يا روز؟"
انضمت لورا فوراً وانحنت بجسدها نحو روز بعينين متسعتين وفضول مشتعل:
—"أجل يا روز! اعترفي الآن دون لفٍ أو دوران! ليو عاد البارحة إلى المنزل بملامح مختلفة تماماً... كان يمسك بمعطفه الجلدي ويمسح عليه بابتسامةٍ دافئة وحنونة لم أرها على وجهه منذ سنوات! ماذا حدث بينكما تحت المطر بعد أن أوصلكِ؟"
اشتعل وجه روز بالكامل باللون الأحمر القاني، وأمسكت بالوسادة وهيَ تحاول تغطية وجهها:
—"لم يحدث شيء يُذكر إطلاقاً! فقط أوصلني إلى الباب وكنا نناقش خطورة وثيقة الأرشيف!"
صرخت لورا بمرح وهي تسحب الوسادة من يد روز بقوة:
—"كاذبة! القانون لا يحمي المتسترين يا سيادة المحامية! وجنتاكِ اللتان تشتعلان باللون الأحمر تصرخان باعتراف صريح! هل احتضنته؟ أم قبلكِ؟ أم كلاهما؟!"
نظرت إيف لروز بنبرة دافئة ومترجية:
—"روز... نحن صديقاتكِ، ويمكنكِ التفريغ عن قلبكِ أمامنا. لقد رأينا جميعاً كيف ينظر إليكِ وكيف تحتمين به."
تنهدت روز بخجل عارم، واستسلمت أخيراً لضغط الصديقتين، ونطقت بصوت خفيض يرتجف ووجنتاها تشتعلان:
—"لقد... لقد انكسرتُ ليلة البارحة وبكيتُ بين ذراعيه تحت المطر بعد ثقل أخبار أبي وشراكته القديمة... وهو... ضمّني إليه بحنان شديد ومسح على شعري وهدأ من روعي... وثم قبل باطن كفي بدفء شديد قبل أن يغادر..."
شهقت لورا بذهول ومرح عالي وضمت يديها لصدرها:
—"يا إلهي! أخي الملاكم الجاف الصارم الذي يرعب كبار المستثمرين... يضمكِ بحنان ويقبل كفكِ؟! روز، لقد أوقعتِ ليو في شباككِ بالكامل ودون أي خيار للرجوع!»
ابتسمت إيف بنعومة وربتت على يد روز بدفء:
—"أنتِ لم تعودي مجرد محاميته يا روز، بل أصبحتِ ملاذه الآمن."
تنهدت روز وابتسامة رقيقة وصادقة ترتسم على شفتيها، وشعرت بكتمة الخوف والحزن تنجلي عن قلبها كلياً.
استمرت سهرة الفتيات حتى وقت متأخر من الليل، بين تبادل الأسرار، وتناول الحلويات، والضحك المتواصل الذي أعاد إلى روز طاقتها ونشاطها، وجعلها مستعدة لمواجهة أي خطر قادم بجانب ليو.
في صباح اليوم التالي، عادت روز للشركة بكامل قوتها ونشاطها. دخلت مكتب ليو ببدلة رسمية كحيلة، ليقابلها بابتسامة دافئة وارتياح عميق.
لكن ملامح ليو سرعان ما تحولت إلى الجدية وهو يضع دعوة ذهبية فاخرة على الطاولة:
—"روز... الوثائق التي جلبناها تثبت أن الصناديق المالية المزيفة التي حاول ساي استخدامها، ترتبط بشبكة استثمارية خارجية يتزعمها رجل أعمال أجنبي، ويدير عبرها الصفقات المشبوهة بعيداً عن الرقابة."
اتسعت عينا روز بذكاء:
—"وهذا يعني أننا إذا حصلنا على سجل العقود المباشرة من حاسوبه الخاص ليلة الحفل الاستثماري... فسنقطع الخيط المالي الذي يربطه بـ ساي إلى الأبد!"
أومأ ليو برأسه بجمود وصارمة:
—"بالضبط. الليلة يُقام حفل استثماري مغلق في قصر ذلك المستثمر. الحضور يقتصر على كبار رجال الأعمال وزوجاتهم فقط لأسباب أمنية مشددة. ولندخل القصر دون إثارة أي شبهة... يجب أن ندخل كزوجين."
احمر وجه روز بخفة عند سماع الكلمة، وتذكرت لحظات البارحة، لكن نبرتها القانونية عادت فوراً لتثبت حضورها:
—"إذا كان هذا هو السبيل الوحيد لإغلاق ملف القضية وحماية الشركة... فأنا معك يا ليو."
مع حلول المساء، كان قصر الحفل يضج بالموسيقى الكلاسيكية وكبار الشخصيات.
ترجل ليو من السيارة الفاخرة ببدلة رسمية سوداء قاتمة تعكس جسده الرياضي وحضوره الطاغي. فتح الباب لـ روز، التي أطلت بفستان أسود فاخر وأنيق جداً يظهر ذوقها الرفيع ويكشف عن أنوثتها الساحرة.
عند مدخل القاعة الرئيسي، كانت التقاليد والأنظار تتطلب مظهراً يفيض بالانسجام. وقفت روز بجانب ليو، ونظرت إليه بتوتر خفيف، ثم مدّت كفها الرقيق ووضعتها بثبات ودفء داخل كفه القوية.
أغلق ليو أصابعه على يدها بثبات، ونظر في عينيها بعسليتين تلمعان بالإعجاب الشديد:
—"تبدين ساحرة بشكل يعطل القوانين يا محاميتي... احرصي على عدم ترك يدي مطلقاً."
نظرت روز إلى يدهما المترابطتين، وشعرت بقوة قبقته تمنحها ثباتاً مطلقاً، فنطقت بنبرة هادئة ومبتسمة:
—"ولن أتركها يا ليو... نحن شريكان في هذه اللعبة."
دخلا القاعة العريضة، وسرعان ما توجه نحوهم عدد من كبار المستثمرين والشخصيات المرموقة لترحيب بـ "الرئيس الرسمي لبرج ألترا فيجن".
تقدم أحد كبار رجال الأعمال لمصافحته:
—"أهلاً سيد ليو! سررنا برؤيتك الليلة ومرافقتكِ الأنيقة."
مد ليو يده اليمنى ليرد المصافحة والتحية بوقار، بينما ظلت يده اليسرى متشبثة بقوة بيد روز، يضم أصابعها إلى أصابعه بدفء ولم يترك كفها لثانية واحدة طوال فترة الأحاديث الرسمية، مبرهناً للجميع وقبل كل شيء لنفسه ولها، أنها ليست مجرد مرافقة، بل حليفته ونصفه الآخر الذي لن يتخلى عنه.
بعد الانتهاء من الترحيبات الرسمية، سحب ليو روز بنعومة بعيداً عن أجمال الحضور والصخب، متجهاً بها نحو ممر جانبي خافت الإضاءة يؤدي إلى أروقة القصر الخلفية السريّة.
وقف الاثنان في عتمة الممر الهادئ، وكان صوت تنفسهما متناسقاً وسط اضطراب اللحظة.
أمسك ليو كتفيها بنعومة، ونظر في عينيها بجدية حادة ودفءٍ عميق:
—"المكتب السري في نهاية الممر مراقب بالحراس... الأوراق الحاسمة هناك يا روز. هل أنتِ جاهزة لخطوتنا التالية؟"
عدّلت روز وقفتها بثبات وعيناها تلمعان بالتحدي والذكاء:
—"معك إلى نهاية المطاف يا ليو."
وفجأة... ومن خلف عتمة الممر المظلم المؤدي إلى الأبواب المغلقة، رنّ صوتُ ضربات أقدام ثقيلة وحادة على الرخام، يتبعه صوت سلاح ناري يُسحب أمانه بجفاف وجمود!
التفت ليو فوراً ودفع روز خلف ظهره العريض بلمح البصر، ليظهر من بين الظلال شخصٌ يحمل وشماً أسود على معصمه(ذات الوشم الذي ظهر في شريط الفيديو القديم ليلة مقتل والد روز!)
نطق الرجل الغامض بصوت حاد يقطعه السخرية:
—"أهلاً بالسيد ليو والمحامية العزيزة... كنا بانتظارِكما، ولكنكما تأخرتما في السقوط في الفخ!"
Ruby<5