الفصل الرابع: شرارة قبل العاصفة

الفصل الرابع: شرارة قبل العاصفة

8 0

جاء تحديد موعد الجلسة الأولى للتدقيق المالي الشامل في القضية المرفوعة ضد مجموعة شركات سميث كالصفعة العنيفة. أسبوعٌ واحدٌ فقط صرّحت به المحكمة لكلا الطرفين لتقديم مستنداتهما الأولية قبل الدخول في الاستماع الرسمي. أسبوعٌ تحوّلت فيه حياة روز وليو إلى سباقٍ محموم ضد الزمن، بين استشاراتٍ قانونية مغلقة، وتحليلات مالية دقيقة، وضغوطات لا تهدأ.

​اليوم الذي يسبق المحكمة:

​في الظهيرة التي سبقت يوم الجلسة، خيّم الهدوء على شوارع العاصمة. كانت روز قد أمضت ساعات طويلة مغلقة على نفسها في مكتبها تراجع مئات الأوراق حتى أرهقها التفكير. قررت الخروج للسير قليلاً وتنقية ذهنها من زحمة النصوص القانونية.

ارتدت روز إطلالة شتوية سوداء عصرية وأنيقة؛ جاكيت صوفي ثقيل وأنيق باللون الأسود الداكن، مع شال صوفي دافئ باللون البيج الفاتح يلف عنقها الناعم، وتنورة قصيرة داكنة مع جوارب شفافة سوداء، وبوت أسود لامع يصل تحت الركبة، وحقيبة سوداء مائلة على كتفها. لمّت شعرها الأسود الفاحم بأسلوب طبيعي ومترسّل على كتفيها.

​وضعت روز السماعات في أذنيها، وشغّلت أغنيتها المفضلة (YAD)، ومشت بخطوات هادئة على الرصيف. كانت مستغرقة تماماً في نغمات الموسيقى، تميل رأسها ببطء وتغني الأغنية بشفتيها الكرزيتين بصوت خافت، غير مدركة لفضول المارة أو لما يدور حولها من حركة المرور.

​على الجانب الآخر من الشارع، كان ليو يقف بجانب إحدى البنايات التجارية، يرتدي إطلالة كاجوال فاخرة وعصرية؛ جاكيت جلد داكن بقصّة حادة فوق توب أسود مرتفع الرقة، مع بنطال واسع مريح باللون الأسود، وحذاء رياضي أبيض خفيف. كان ينهي مكالمة هاتفية حازمة مع رئيس مكتبه القانوني، وعيناه العسليتان تتجولان في الطريق بكل حذر وتركيز.

وفجأة.. لمح ليو روز من بعيد. رآها تخطو بثقة غريبة نحو ممر المشاة دون أن تلتفت يميناً أو شمالاً، نغمات الموسيقى تغطي تماماً على صوت محرك سيارة مسرعة كانت تقترب نحو المنعطف بقوة شديدة!

​انقضت الثواني كأنها دهر. لم تتوقف روز، وكانت على بُعد خطوة واحدة من الارتطام بالسيارة المسرعة!

​توسعت عينا ليو بصدمة خاطفة، وبحركة ملاكم مدرب على الاستجابة الخاطفة في أجزاء من الثانية، اندفع ليو بكامل قوته وطوله الفارع، وقطع الشارع في لمح البصر!

​وقبل أن تلمس مقدمة السيارة طرَف معطف روز، امتدت يد ليو القوية وحاصرت خصرها بحزم، وسحبها بكل قوته إلى الخلف!

​فقدت روز توازنها بفعل القوة الفجائية، وارتطم ظهرها بصدر ليو الصلب بقوة. طارت السماعات من أذنيها ليحل محلها صوت صرير عجلات السيارة التي توقفت على بُعد سنتيمترات معدودة قبل أن تنطلق مسرعة من جديد، يتبعها صوت ضربات قلب ليو السريعة والعنيفة التي كانت روز تسمعها بوضوح تام خلف ظهرها.

​ساد صمت ذهولي. كانت روز جثة هامدة من الصدمة، عيناها الزرقاوان متسعتان، وتنفّسها متوقف تقريباً.

​لم ينتظر ليو استفاقتها؛ أطبق على معصمها بيده القوية، وسحبها خلفه بقسوة وحزم نحو حائط حجري جانبي بعيد عن الشارع. دفعها بظهرها خفيفاً إلى الحائط، وحاصرها بجسده الضخم، واضعاً يده اليسرى على الحائط بجانب رأسها مباشرة، مقلصاً المسافة بينهما إلى النصف!

​كان ليو يلهث، أنفاسه الحارة والمتسارعة تضرب وجهها الناعم، وعيناه العسليتان اللتان اعتادت روز على برودهما المعهود.. كانتا الآن تشتعلان بغضب ساطع وخوف مكتوم لم يستطع إخفاءه!

​انفجر ليو بصوت جهوري وهادر غطى على صخب الشارع:

— "هل جننتِ؟! أم أنكِ فقدتِ عقلكِ بالكامل؟! تعبرين الشارع وأنتِ ترتدين هذه السماعات اللعينة دون أن تنظري حتى أمامكِ؟! هل تحاولين قتل نفسكِ قبل أن تصلي إلى المحكمة؟!"

​ظلت روز متصلبة في مكانها، الصدمة شلت لسانها، وعيناها تتنقلان بين عينيه المليئتين بالشرر وبين انفاسه المتلاحقة.

استمر ليو في صراخه، ونبرة صوته الحادة تكشف عن التوتر الشديد الذي عاشه في تلك الثواني القليلة:

— "لو لم أكن هنا لخمس ثوانٍ فقط.. هل تدركين ماذا كان سيحدث لكِ الآن؟! اللعنة عليكِ وعلى هذه اللامبالاة!"

​أنهى ليو كلامه وهو يلهث بشدة، مسح بيده الأخرى على شعره البني الداكن ورجّعه إلى الخلف بعصبية، ثم تراجع خطوتين إلى الخلف ليمنح نفسه مساحة للتنفس، مديراً ظهره لها لثوانٍ وهو يتنفس بعمق في محاولة لتهدئة ضربات قلبه المتسارعة.

​في هذه اللحظة، وبمجرد أن ابتعد جسده الضاغط عنها وتلاشى ذهول الصدمة، استعادت روز وعيها بالكامل.. ومع استعادة وعيها، اشتعل كبرياؤها وعزتها فوراً!

​انتصبت روز في وقفتها، ونفضت كم جاكيتها الأسود بعنف، واقتربت منه بملامح يكسوها الغضب الحاد، وعيناها الزرقاوان تلمعان بشرارة لا ترحم:

​— "كيف تجرؤ على صراخك بوجهي بهذه الطريقة يا ليو سميث؟! ومن أعطاك الحق في أمساكي وسحبي كأنني مجرد ممتلكات خاصة بك؟!"

التفت ليو نحوها بسرعة، وعيناه تضيئان بالذهول والاستنكار:

— "ماذا؟! أكنتِ تفضلين أن تدهسكِ السيارة وتتحولي إلى جثة في الشارع لكي أحافظ على لباقتي معكِ؟!"

​تقدمت روز خطوة أخرى، وشفتها الكرزية تنقبض بغضب شديد:

— "كنتُ سأنتبه بنفسي! لم أطلب منك التدخل، ولستَ والداتي أو وصيّاً عليّ لكي ترفع صوتك في وجهي بالشارع! إن كنت تتصور أن مساعفتك هذه ستجعلني أدين لك بجميل أو أتراجع خطوة واحدة في قضية الغد، فأنت واهم جداً!"

​تأملها ليو لثوانٍ، اندهاشه يتحول ببطء إلى ابتسامة تهكمية باردة. وضع يديه في جيبي جاكيته الجلدي الداكن وقال بنبرة خفيضة ومستفزة:

— "جميل؟ أوه يا حضرة المحامية.. أنقذتُ حياتكِ فقط لأنني لا أريد الخسارة في قضية بسب غياب خصمي. غداً في المحكمة.. سنرى إن كان لسانكِ هذا بنفس القدر من السلاطة أمام القاضي."

​سحبت روز سماعاتها الملقاة على الأرض بثبات، ونظرت إليه بنظرة حادة كالشفرة:

— "غداً.. ستتمنى لو أن تلك السيارة أصابتك أنت، لكي تتفادى الإهانة التي تنتظرك في القاعة!"

التفتت بشعرها الأسود المنسدل ومشت بخطوات سريعة وغاضبة، بينما وقف ليو يراقب أثرها، واضعاً يده في شعره مجدداً مع أبتسامة جانبية متهكمة، وعيناه العسليتان تتابعان خطى هذه المرأة الشرسة التي لا تنحني لأحد.

​اليوم التالي: داخل المحكمة

​أشرقت شمس اليوم التالي ببرود هادئ. كانت القاعة الكبرى للمحكمة الاستثمارية تمتلئ بالحضور والمحامين والصحفيين.

​وصل ليو أولاً، وكان يرتدي بدلة رسمية سوداء فاخرة جداً، تتألف من معطف طويل من الصوف الأسود الفاخر، وسديرية وبنطال أسود قاسي القصة، مع قميص أبيض وربطة عنق فضية، وقدم إطلالة ملكية ببدلة وقفازات جلدية سوداء أنيقة في يده. كان يجلس خلف طاولة الدفاع بهيبة مطلقة، وعيناه العسليتان تتفحصان الحضور ببرود تام.

​وبعد دقائق، دخلت روز القاعة بخطوات واثقة. كانت تنضح بالرقة والأناقة الصارمة؛ إذ ارتدت فستاناً قصيراً أنيقاً من قماش التويد باللون الوردي الفاتح الناعم، يعلوه قميص أبيض بأكمام منتفخة وأربطة عنق بلون أبيض ناعم مزين بأزرار لؤلؤية. شعرها الأسود المنسدل كان يتساقط برقة على ظهرها، وعيناها الزرقاوان ثابتتان ونظرتها حادة.

​جلست روز في الطرف المقابل. لم تنظر نحو ليو إطلاقاً، وتجاهلت وجوده تماماً وكأنه غير موجود في الغرفة، ملقيةً بكل تركيزها على ترتيب أوراق الملف وقراءتها بصوت خفيض مع مساعديها.

​رمقها ليو بنظرة جانبية خاطفة، وابتسامة ساخرة خفيفة ارتسمت على شفتيه لرؤية هذا التجاهل المتعمد.

​دوى صوت المناداة: "جلوس.. الهيئة الموقرة للرئاسة."

​وقف الجميع بإجلال عند دخول القاضي، الذي جلس ومعه هيئة المستشارين وبدأ بتصفح المستندات المقدمة من كلا الطرفين. ساد الصمت القاعة لخمس دقائق كانت كفيلة بجعل الأجواء مشحونة بالتوتر.

​وبعد مداولات خفيفة بين القاضي ومستشاريه، رفع القاضي نظارته وشخص بظهره نحو روز وليو، ثم تحدث بصوت جهوري ووقور:

​— "بعد المراجعة الأولية للمستندات المقدمة من مكتب المحامية روز كايلي، والردود الفنية المقدمة من القسم القانوني لمجموعة شركات سميث.. تبين للمحكمة وجود ثغرات وتداخلات مالية معقدة تتطلب تدقيقاً ميدانياً مشتركاً قبل إصدار أي حكم نهائي."

توقفت روز عن التنفس، بينما اعتدل ليو في جلسته بتركيز.

​أكمل القاضي بصرامة لا تقبل النقاش:

— "وبناءً عليه.. تقرر المحكمة تعيين المحامية روز كايلي كمفتش قانوني مالي معتمد ومرافق خاص لـ مجموعة شركات سميث لمدة ثلاثة أشهر. يجب على الطرفين العمل معاً جنباً إلى جنب، وتسهيل دخول المحامية لكافة الأرشيفات والعقود المغلقة، وتقديم تقرير مالي مشترك يوقع عليه الطرفان قبل الجلسة القادمة."

​وقع الخبر كالصاعقة داخل القاعة!

​التفتت روز بنظرة صدمة نحو منصة القاضي، ثم التفتت رغماً عنها نحو ليو.

​كان ليو يتكئ إلى الخلف، وقد خلع قفازه الجلدي الأسود ببطء شديد، وعيناه العسليتان تلمعان بنصر واستفزاز غير محدود، بينما ارتسمت على شفتيه ذات الابتسامة المظلمة والمستفزة، وكأنه يقول لها دون كلام: "أهلاً بكِ في عالمي يا حضرة المحامية."

​ضغقت روز على قبضتيها الناعمتين تحت الطاولة حتى ابيضّت مفاصلها، وهي تستوعب أنها ابتداءً من الغد.. ستكون مجبرة على قضاء كل دقيقة من يومها برفقة هذا الجبل الجليدي المغرور!جاء تحديد موعد الجلسة الأولى للتدقيق المالي الشامل في القضية المرفوعة ضد مجموعة شركات سميث كالصفعة العنيفة. أسبوعٌ واحدٌ فقط صرّحت به المحكمة لكلا الطرفين لتقديم مستنداتهما الأولية قبل الدخول في الاستماع الرسمي. أسبوعٌ تحوّلت فيه حياة روز وليو إلى سباقٍ محموم ضد الزمن، بين استشاراتٍ قانونية مغلقة، وتحليلات مالية دقيقة، وضغوطات لا تهدأ.

​اليوم الذي يسبق المحكمة:

​في الظهيرة التي سبقت يوم الجلسة، خيّم الهدوء على شوارع العاصمة. كانت روز قد أمضت ساعات طويلة مغلقة على نفسها في مكتبها تراجع مئات الأوراق حتى أرهقها التفكير. قررت الخروج للسير قليلاً وتنقية ذهنها من زحمة النصوص القانونية.

ارتدت روز إطلالة شتوية سوداء عصرية وأنيقة؛ جاكيت صوفي ثقيل وأنيق باللون الأسود الداكن، مع شال صوفي دافئ باللون البيج الفاتح يلف عنقها الناعم، وتنورة قصيرة داكنة مع جوارب شفافة سوداء، وبوت أسود لامع يصل تحت الركبة، وحقيبة سوداء مائلة على كتفها. لمّت شعرها الأسود الفاحم بأسلوب طبيعي ومترسّل على كتفيها.

​وضعت روز السماعات في أذنيها، وشغّلت أغنيتها المفضلة (YAD)، ومشت بخطوات هادئة على الرصيف. كانت مستغرقة تماماً في نغمات الموسيقى، تميل رأسها ببطء وتغني الأغنية بشفتيها الكرزيتين بصوت خافت، غير مدركة لفضول المارة أو لما يدور حولها من حركة المرور.

​على الجانب الآخر من الشارع، كان ليو يقف بجانب إحدى البنايات التجارية، يرتدي إطلالة كاجوال فاخرة وعصرية؛ جاكيت جلد داكن بقصّة حادة فوق توب أسود مرتفع الرقة، مع بنطال واسع مريح باللون الأسود، وحذاء رياضي أبيض خفيف. كان ينهي مكالمة هاتفية حازمة مع رئيس مكتبه القانوني، وعيناه العسليتان تتجولان في الطريق بكل حذر وتركيز.

وفجأة.. لمح ليو روز من بعيد. رآها تخطو بثقة غريبة نحو ممر المشاة دون أن تلتفت يميناً أو شمالاً، نغمات الموسيقى تغطي تماماً على صوت محرك سيارة مسرعة كانت تقترب نحو المنعطف بقوة شديدة!

​انقضت الثواني كأنها دهر. لم تتوقف روز، وكانت على بُعد خطوة واحدة من الارتطام بالسيارة المسرعة!

​توسعت عينا ليو بصدمة خاطفة، وبحركة ملاكم مدرب على الاستجابة الخاطفة في أجزاء من الثانية، اندفع ليو بكامل قوته وطوله الفارع، وقطع الشارع في لمح البصر!

​وقبل أن تلمس مقدمة السيارة طرَف معطف روز، امتدت يد ليو القوية وحاصرت خصرها بحزم، وسحبها بكل قوته إلى الخلف!

​فقدت روز توازنها بفعل القوة الفجائية، وارتطم ظهرها بصدر ليو الصلب بقوة. طارت السماعات من أذنيها ليحل محلها صوت صرير عجلات السيارة التي توقفت على بُعد سنتيمترات معدودة قبل أن تنطلق مسرعة من جديد، يتبعها صوت ضربات قلب ليو السريعة والعنيفة التي كانت روز تسمعها بوضوح تام خلف ظهرها.

​ساد صمت ذهولي. كانت روز جثة هامدة من الصدمة، عيناها الزرقاوان متسعتان، وتنفّسها متوقف تقريباً.

​لم ينتظر ليو استفاقتها؛ أطبق على معصمها بيده القوية، وسحبها خلفه بقسوة وحزم نحو حائط حجري جانبي بعيد عن الشارع. دفعها بظهرها خفيفاً إلى الحائط، وحاصرها بجسده الضخم، واضعاً يده اليسرى على الحائط بجانب رأسها مباشرة، مقلصاً المسافة بينهما إلى النصف!

​كان ليو يلهث، أنفاسه الحارة والمتسارعة تضرب وجهها الناعم، وعيناه العسليتان اللتان اعتادت روز على برودهما المعهود.. كانتا الآن تشتعلان بغضب ساطع وخوف مكتوم لم يستطع إخفاءه!

​انفجر ليو بصوت جهوري وهادر غطى على صخب الشارع:

— "هل جننتِ؟! أم أنكِ فقدتِ عقلكِ بالكامل؟! تعبرين الشارع وأنتِ ترتدين هذه السماعات اللعينة دون أن تنظري حتى أمامكِ؟! هل تحاولين قتل نفسكِ قبل أن تصلي إلى المحكمة؟!"

​ظلت روز متصلبة في مكانها، الصدمة شلت لسانها، وعيناها تتنقلان بين عينيه المليئتين بالشرر وبين انفاسه المتلاحقة.

استمر ليو في صراخه، ونبرة صوته الحادة تكشف عن التوتر الشديد الذي عاشه في تلك الثواني القليلة:

— "لو لم أكن هنا لخمس ثوانٍ فقط.. هل تدركين ماذا كان سيحدث لكِ الآن؟! اللعنة عليكِ وعلى هذه اللامبالاة!"

​أنهى ليو كلامه وهو يلهث بشدة، مسح بيده الأخرى على شعره البني الداكن ورجّعه إلى الخلف بعصبية، ثم تراجع خطوتين إلى الخلف ليمنح نفسه مساحة للتنفس، مديراً ظهره لها لثوانٍ وهو يتنفس بعمق في محاولة لتهدئة ضربات قلبه المتسارعة.

​في هذه اللحظة، وبمجرد أن ابتعد جسده الضاغط عنها وتلاشى ذهول الصدمة، استعادت روز وعيها بالكامل.. ومع استعادة وعيها، اشتعل كبرياؤها وعزتها فوراً!

​انتصبت روز في وقفتها، ونفضت كم جاكيتها الأسود بعنف، واقتربت منه بملامح يكسوها الغضب الحاد، وعيناها الزرقاوان تلمعان بشرارة لا ترحم:

​— "كيف تجرؤ على صراخك بوجهي بهذه الطريقة يا ليو سميث؟! ومن أعطاك الحق في أمساكي وسحبي كأنني مجرد ممتلكات خاصة بك؟!"

التفت ليو نحوها بسرعة، وعيناه تضيئان بالذهول والاستنكار:

— "ماذا؟! أكنتِ تفضلين أن تدهسكِ السيارة وتتحولي إلى جثة في الشارع لكي أحافظ على لباقتي معكِ؟!"

​تقدمت روز خطوة أخرى، وشفتها الكرزية تنقبض بغضب شديد:

— "كنتُ سأنتبه بنفسي! لم أطلب منك التدخل، ولستَ والداتي أو وصيّاً عليّ لكي ترفع صوتك في وجهي بالشارع! إن كنت تتصور أن مساعفتك هذه ستجعلني أدين لك بجميل أو أتراجع خطوة واحدة في قضية الغد، فأنت واهم جداً!"

​تأملها ليو لثوانٍ، اندهاشه يتحول ببطء إلى ابتسامة تهكمية باردة. وضع يديه في جيبي جاكيته الجلدي الداكن وقال بنبرة خفيضة ومستفزة:

— "جميل؟ أوه يا حضرة المحامية.. أنقذتُ حياتكِ فقط لأنني لا أريد الخسارة في قضية بسب غياب خصمي. غداً في المحكمة.. سنرى إن كان لسانكِ هذا بنفس القدر من السلاطة أمام القاضي."

​سحبت روز سماعاتها الملقاة على الأرض بثبات، ونظرت إليه بنظرة حادة كالشفرة:

— "غداً.. ستتمنى لو أن تلك السيارة أصابتك أنت، لكي تتفادى الإهانة التي تنتظرك في القاعة!"

التفتت بشعرها الأسود المنسدل ومشت بخطوات سريعة وغاضبة، بينما وقف ليو يراقب أثرها، واضعاً يده في شعره مجدداً مع أبتسامة جانبية متهكمة، وعيناه العسليتان تتابعان خطى هذه المرأة الشرسة التي لا تنحني لأحد.

​اليوم التالي: داخل المحكمة

​أشرقت شمس اليوم التالي ببرود هادئ. كانت القاعة الكبرى للمحكمة الاستثمارية تمتلئ بالحضور والمحامين والصحفيين.

​وصل ليو أولاً، وكان يرتدي بدلة رسمية سوداء فاخرة جداً، تتألف من معطف طويل من الصوف الأسود الفاخر، وسديرية وبنطال أسود قاسي القصة، مع قميص أبيض وربطة عنق فضية، وقدم إطلالة ملكية ببدلة وقفازات جلدية سوداء أنيقة في يده. كان يجلس خلف طاولة الدفاع بهيبة مطلقة، وعيناه العسليتان تتفحصان الحضور ببرود تام.

​وبعد دقائق، دخلت روز القاعة بخطوات واثقة. كانت تنضح بالرقة والأناقة الصارمة؛ إذ ارتدت فستاناً قصيراً أنيقاً من قماش التويد باللون الوردي الفاتح الناعم، يعلوه قميص أبيض بأكمام منتفخة وأربطة عنق بلون أبيض ناعم مزين بأزرار لؤلؤية. شعرها الأسود المنسدل كان يتساقط برقة على ظهرها، وعيناها الزرقاوان ثابتتان ونظرتها حادة.

​جلست روز في الطرف المقابل. لم تنظر نحو ليو إطلاقاً، وتجاهلت وجوده تماماً وكأنه غير موجود في الغرفة، ملقيةً بكل تركيزها على ترتيب أوراق الملف وقراءتها بصوت خفيض مع مساعديها.

​رمقها ليو بنظرة جانبية خاطفة، وابتسامة ساخرة خفيفة ارتسمت على شفتيه لرؤية هذا التجاهل المتعمد.

​دوى صوت المناداة: "جلوس.. الهيئة الموقرة للرئاسة."

​وقف الجميع بإجلال عند دخول القاضي، الذي جلس ومعه هيئة المستشارين وبدأ بتصفح المستندات المقدمة من كلا الطرفين. ساد الصمت القاعة لخمس دقائق كانت كفيلة بجعل الأجواء مشحونة بالتوتر.

​وبعد مداولات خفيفة بين القاضي ومستشاريه، رفع القاضي نظارته وشخص بظهره نحو روز وليو، ثم تحدث بصوت جهوري ووقور:

​— "بعد المراجعة الأولية للمستندات المقدمة من مكتب المحامية روز كايلي، والردود الفنية المقدمة من القسم القانوني لمجموعة شركات سميث.. تبين للمحكمة وجود ثغرات وتداخلات مالية معقدة تتطلب تدقيقاً ميدانياً مشتركاً قبل إصدار أي حكم نهائي."

توقفت روز عن التنفس، بينما اعتدل ليو في جلسته بتركيز.

​أكمل القاضي بصرامة لا تقبل النقاش:

— "وبناءً عليه.. تقرر المحكمة تعيين المحامية روز كايلي كمفتش قانوني مالي معتمد ومرافق خاص لـ مجموعة شركات سميث لمدة ثلاثة أشهر. يجب على الطرفين العمل معاً جنباً إلى جنب، وتسهيل دخول المحامية لكافة الأرشيفات والعقود المغلقة، وتقديم تقرير مالي مشترك يوقع عليه الطرفان قبل الجلسة القادمة."

​وقع الخبر كالصاعقة داخل القاعة!

​التفتت روز بنظرة صدمة نحو منصة القاضي، ثم التفتت رغماً عنها نحو ليو.

​كان ليو يتكئ إلى الخلف، وقد خلع قفازه الجلدي الأسود ببطء شديد، وعيناه العسليتان تلمعان بنصر واستفزاز غير محدود، بينما ارتسمت على شفتيه ذات الابتسامة المظلمة والمستفزة، وكأنه يقول لها دون كلام: "أهلاً بكِ في عالمي يا حضرة المحامية."

​ضغقت روز على قبضتيها الناعمتين تحت الطاولة حتى ابيضّت مفاصلها، وهي تستوعب أنها ابتداءً من الغد.. ستكون مجبرة على قضاء كل دقيقة من يومها برفقة هذا الجبل الجليدي المغرور!

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

القدر المحتوم

المؤلف Ruby<5
2026/10/03 مكتملة
قائمة الفصول (21)
الفصل 1: الفصل الأول:ما قبل العاصفة
2026/10/03
الفصل 2: الفصل الثاني:زوايا التصادم
2026/10/03
الفصل 3: الفصل الثالث:تقاطع الاقدار تحتَ سقفِ واحد
2026/10/03
الفصل 4: الفصل الرابع: شرارة قبل العاصفة
2026/10/03
الفصل 5: الفصل الخامس:خطوة في مسافة النار
2026/10/03
الفصل 6: الفصل السادس:طيفُ في ظلالَ الشكِ
2026/10/03
الفصل 7: الفصل السابع:بين صخب الملاهي وظلال السقوط
2026/10/03
الفصل 8: الفصل الثامن:في دهاليز الخطر والظلال
2026/10/03
الفصل 9: الفصل التاسع:خبايا الخطوط المشبوهة
2026/10/03
الفصل 10: الفصل العاشر:العاصفة المكشوفة وظلال التعب
2026/10/03
الفصل 11: الفصل الحادي عشر:متعة الاستراحة
2026/10/03
الفصل 12: الفصل الثاني عشر: رحلة إلى الظلال
2026/10/03
الفصل 13: الفصل الثالث عشر:خطة غير متوقعة
2026/10/03
الفصل 14: الفصل الرابع عشر: ظل في الظلام وصدمة المستند
2026/10/03
الفصل 15: الفصل الخامس عشر: همس الأقنعة
2026/10/03
الفصل 16: الفصل السادس عشر:حد النار
2026/10/03
الفصل 17: الفصل السابع عشر:وعد الخنصر
2026/10/03
الفصل 18: الفصل الثامن عشر:شرارة التحدي
2026/10/03
الفصل 19: الفصل التاسع عشر:تسليم الوثيقة
2026/10/03
الفصل 20: الفصل العشرون والأخير:ظلال العاصفة
2026/10/03
الفصل 21: ~ الخاتمة ~
2026/10/03

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة