وقفت روز في منتصف صالة شقتها الهادئة، وعيناها تتنقلان بذهول بين الشاشة المضيئة للرسالة المجهولة وبين الظلال المترامية خلف زجاج النافذة المطلة على الشارع. كانت عبارة "انظري خلفكِ جيداً يا سيادة المحامية" ترن في رأسها كصوت جرس إنذار حاد، محولةً دفء اللحظات الساحرة التي عاشتها مع ليو قبل دقائق إلى برودة قاسية سرت في أطرافها.
أغلقت ستائر النافذة بسرعة، وجلست على طرف الأريكة وهي تحاول استعادة ثباتها الذهني. رفعت هاتفها وترددت لثوانٍ؛ هل تتصل بليو الآن؟ هو للتو غادر بعد ليلة انتصار طويلة، لكن طبيعة التهديد المباشر لم تترك لها خياراً.
ضغطت على زر الاتصال. لم تمر سوى رنتين حتى جاءها صوت ليو الرخيم:
— "روز؟ هل نسيتِ شيئاً في السيارة، أم أنكِ اشتقتِ لنبرة صوتي بهذه السرعة؟"
رغم توترها، شعرت روز بوخزة خفيفة من الدفء في صدرها، لكنها سرعان ما قطعت الأمر بنبرة جادة:
— "ليو... اسمعني جيداً ولا تقاطعني،وصلتنِي للتو رسالة نصية من رقم مجهول ومشفّر فور صعودي للشقة."
تلاشت نبرة المزاح من صوت ليو فوراً، وحل محلها نبرة الجدية:
— "ما مضمون الرسالة يا روز؟ هل تعرضتِ لأي تهديد؟"
قرأت روز النص بصوت خفيض يفيض بالحذر:
— "تظنون أنكم فزتم برهان فابيان والأدلة المالية... لكن اللعبة الأكبر لم تبدأ بعد،انظري خلفكِ جيداً يا سيادة المحامية."
ساد الصمت عبر الخط لثوانٍ معدودة، سمعت خلالها روز صوت محرك سيارة ليو وهو يدور بسرعة قاطعة.
— "أنا قادم إليكِ فوراً. أقفلي الأبواب ولا تفتحي لأي شخص حتى أصعد بنفسي." قالها ليو بصوت حاسم يغلي بالأمان والحماية.
لم تمضِ سوى عشر دقائق حتى سمعت روز طرقات حازمة ومتتابعة على باب شقتها،فتحت الباب بحذر،ليوجهها ليو بنظرات عسلية تتفحصها من رأسها إلى أخمص قدميها للتأكد من سلامتها،دخل الشقة بخطواتٍ واثقة، معطفه الأسود مفتوح،والشرر يتطاير من عينيه.
أخذ الهاتف من يدها وتفحص الرسالة والرقم المجهول بتركيز شديد.
— "هذا التشفير محترف... ليس أسلوب ساي العشوائي في التهديد،هناك طرف آخر يتحكم بالخيوط من الخلف."قالها ليو وهو يجري اتصالاً عاجلاً بريو.
بعد أقل من نصف ساعة،كان ريو ولورا شقيقة ليو الكبرى عرفها ليو لروز منذ فترة، وصلا إلى شقة روز،أضحت الصالة الصغيرة مركز عمليات مصغر،لورا تجلس وأمامها حاسوبها المحمول تحاول تتبع مصدر الإرسال الشبكي، بينما يقف ريو بجانب النافذة يراقب الشارع السفلي بملامح جادة وصارمة.
قالت لورا وهي تضرب على لوحة المفاتيح بانزعاج:
— "الرقم تم تفعيله عبر خادم وهمي في شرق أوروبا وإغلاقه فور إرسال النص،من كتب هذه الرسالة يعلم تماماً كيف يحمي هويته الرقمية، إنه محترف،وليس مجرد بلطجي محلي."
سارت روز في الصالة وهي تكتف ذراعيها فوق صدرها، ونطقت بثبات:
— "الهدف من الرسالة ليس إخافتي فقط، بل إرباك تركيزنا قبل اجتماع مجلس الإدارة المرتقب،ساي يعلم أنه خسِر فابيان،لذا يحاول سحب المعركة من أروقة القانون إلى ساحة التهديد الشخصي."
اقترب ليو منها،ووقف أمامها مباشرة ليقطع مسار حركتها،واضعاً يديه في جيبي بنطاله ومتطلعاً إليها بعسليتاه ونبرةٍ تفيض بالأمان:
— "لن يتجرأ أحد على المساس بكِ يا روز. بدءاً من هذه اللحظة،لن تتحركي خطوة واحدة بدون حراسة مشددة،وسأكون أنا بنفسي معكِ في كل تنقلاتكِ."
ابتسمت روز ابتسامة جانبية رغم حرج الموقف، ونظرت في عينيه بمداعبة خفيفة محاولة تخفيف التوتر:
— "أستاذ ليو... هل تحول مدير الأعمال الصارم إلى حارس شخصي ليلازمني؟ أين ذهبت التقارير المالية والقوانين؟"
رد ليو بنبرة خفيضة وعميقة لا تقبل النقاش، أمام مرأى لورا وريو:
— "القانون يحمي الشركات... وأنا أحمي أرنبتي الشرسة،هذا هو الاتفاق الوحيد المتوفر الآن."
احمرت وجنتا روز بالكامل،وتنحنحت لورا بخبث وهي تخفي ابتسامة عريضة خلف شاشة حاسوبها،بينما اكتفى ريو بنظرة تفهم هادئة.
بينما كان الجميع مستغرقاً في تحليل مصدر التهديد،أضاء هاتف ريو بنغمة إشعار خاصة بالبريد الإلكتروني المشفر الخاص بالشركة.
فتح ريو الرسالة،ولحظات حتى أظلمت ملامحه بالكامل.
— "ليو... لدينا تطور جديد وخطير،ليس في الشارع،بل في قلب أرشيف الشركة."قالها ريو بصوت حاد.
اقترب ليو وروز ولورا فوراً نحو شاشة ريو. أظهر البريد وثيقة ذات طابع سرّي قديم، مروسة بشعار برج "ألترا فيجن" يعود تاريخها لستة عشر عاماً مضت، (أيام إدارة والد ليو وساي المتوفئ.)
شرح ريو وهو يشير إلى البنود:
— "شخصٌ ما قام برفع هذه الوثيقة المسربة على خادم إداري مغلق يخص أعضاء مجلس الإدارة فقط،الوثيقة تتهم والدك بتصفية أصول شركة استثمارية منافسة بطرق غير قانونية وشراء أسهمها بأسماء مستعارة... وإحدى تلك الأسماء تتقاطع مع التوقيع المالي لـ ساي!"
اتسعت عينا ليو بذهول ومرارة،وشعر بضربة غادرة تمس سمعة والده المتوفئ وإرث الشركة الذي يقاتل للحفاظ عليه.
— "والدي لم يكن مفلساً أخلاقياً ليستخدم هذه الأساليب! هذه الأوراق إما مزورة بدقة،أو أن ساي كان يستغل نفوذ والدي في ذلك الوقت دون علمه!" هتف ليو بصوت يغلي بالحرارة والجمود.
قست ملامح روز،واقتربت تفحص الأختام والخطوط بمهارتها القانونية الدقيقة. أخرجت مكبرتها الصغيرة وقارنت الحبر والتسلسل الزمني.
— "انتظر يا ليو... انظر إلى الترويسة السفلية هنا." قالت روز بصوتٍ متماسك،"البند الخامس يحتوي على ثغرةٍ صريحة،هذا الأختام لم تُستخدم في معاملات الشركة إلا بعد وفاة والدك بسنتين! الأوراق مركبة ومصممة بعناية فائقة لتشويه التاريخ المالي للشركة وابتزازك قبل جلسة التصويت!"
نظر ليو إليها،وتلاشى الغضب الثائر في عينيه ليحل محله إعجاب عميق ببديهتها القاطعة وذكائها الذي لا يرفه في أحلك اللحظات.
— "أرنبتي الذكية..." همس ليو بنبرة دافئة وممتنة،"تلقطين الثغرات كأنكِ ولدتِ بين هذه الملفات."
ابتسمت روز بثقة وثبات:
— "أنا محاميتك يا ليو... ووظيفتي هي كسر الحيل قبل أن تصل إلى صدرك."
قالت لورا وهي تطوي حاسوبها:
— "الوثيقة أُرسلت من جهاز داخل النطاق الجغرافي للمدينة،لكن التحليل يحتاج خادماً مستقلاً لا يتبع لشبكة الشركة كي لا يستشعر ساي أننا كشفنا حيلته."
نطق ريو بثبات وهو ينظر إلى ساعته التي أشارت إلى الثانية صباحاً:
— "أعرف مكاناً هادئاً وآمناً يوفر لنا بيئة معزولة وخط اتصال غير مراقب... مخبز إيف."
التفتت روز بفضول:"مخبز إيف؟ في هذا الوقت من الليل؟"
ابتسم ريو ابتسامة خفيفة ومكتومة:
— "إيف صديقة مؤتمنة،ومخبزها في هذا الوقت مغلق وهادئ، ويملك خط شبكة منفصل تماماً عن أي تتبع تجاري،يمكننا استخدام الطابق الخلفي للعمل دون أن يثير حضورنا أي شبهة."
وافق ليو فوراً:"حسناً... ننتقل جميعاً إلى هناك، لن نترك لـ ساي أو حليفه الخفي فرصة للتنفس قبل الصباح."
انقلبت الحركة إلى استنفار هادئ. ارتدت روز معطفها الأسود الطويل مجدداً،ونزلت تحتَ حماية ليو.
وصلت المجموعة إلى المخبز الصغير والأنيق القابع في حارة هادئة. كان المخبز مظلماً من الخارج،لكن ضوءاً خافتاً ودافئاً ينبعث من النافذة الخلفية،قرع ريو الباب الخفي بطريقة مخصصة.
فتحت إيف الباب،كانت ترتدي ثوباً مريحاً وفوقه مئزر المخبز،وشعرها الدافئ مربوط بأسلوبٍ هادئ،ارتسمت على ملامحها ابتسامة استقبال هادئة ومندهشة لرؤيتهم جميعاً في هذا الوقت.
— "ريو؟... أستاذ ليو؟" وقفت إيف متسائلة بنبرة لطيفة،"ما الذي يأتي بفريق الإدارة والقانون إلى مخبزي في الثانية صباحاً؟ هل القضية وصلت إلى هنا أيضاً؟"
تقدم ريو خطوة ونطق بصوت خفيضٍ ودافئ:
— "نحتاج ملاذاً آمناً لعدة ساعات يا إيف... ساي أطلق سهماً مسموماً جديداً،وأنتِ الجدار الوحيد الذي نثق به للابتعاد عن أعين التجسس."
تراجعت إيف إلى الداخل وفتحت الباب على وسعه بنبلٍ ودعم:
— "ادخلوا جميعاً... المكان مكانكم،سأعد لكم القهوة الساخنة والهدوء الذي تحتاجونه."
دخل الجميع إلى المطبخ الخلفي الفسيح للمخبز، حيث تنتشر رائحة الفانيليا والدقيق والقهوة المحمصة،لتعطي انطباعاً بالأمان والسكينة بعيداً عن صراعات "ألترا فيجن".
جلست لورا على إحدى الطاولات الخشبية وبدأت فوراً في توصيل أجهزتها بالشبكة الخاصة بالمخبز،بينما انشغلت إيف بإعداد القهوة الدافئة للجميع.
اقترب ليو من روز التي كانت تقف عند نافذة المطبخ المطلة على حديقة خلفية صغيرة، وتتأمل قطرات الندى على الزجاج. وقف بجانبها، ممرراً كتفه بقرب كتفها.
— "هل أنتِ خائفة يا أرنبتي؟" سأل ليو بصوتٍ رخيم وهادئ يلامس مسامعها وحدها.
التفتت روز إليه،ونظرت في عينيه العسليتين بثبات وابتسامةٍ رقيقة:
— "معك؟... أبداً يا ليو. الخوف لا يتناسب مع بند أحكام محاميتك،أنا فقط أفكر في هوية ذلك الشخص الذي يختبئ خلف شقيقك."
انحنى ليو بمستواها قليلاً،وابتسامته الجانبية الساحرة تطل على شفتيه:
— "أياً كان من يختبئ في الظلام... فهو لا يعلم أنني أملك أقوى سلاح في هذه المعركة."
رفع يده وبطرقات خفيفة أشار إلى رأسها: "هذا العقل الشرس الذي أربك فابيان وكشف التزوير في ثوانٍ."
احمرت وجنتا روز برقة تحت أضواء المخبز الصفراء الدافئة، وأشاحت بوجهها بخجلٍ لطيف:
— "أستاذ ليو... عدنا للغزل غير القانوني في أوقات الطوارئ؟"
ضحك ليو بخفةٍ اهتز لها صدره،بينما قدمت لهما إيف كوبين من القهوة الدافئة بابتسامةٍ حنونة:
— "القهوة الساخنة للمحامية والمدير... يبدو أن ليلتكم ستكون طويلة، لكنني واثقة أنكم ستخرجون منها بنصرٍ جديد."
في هذه الأثناء،صرخت لورا بنبرة حادةً ومفاجئة من خلف حاسوبها:
— "وجدتُها! استطعتُ فك الشفرة المصاحبة للرسالة النصية والوثيقة المسربة!"
تجمع ليو،روز،وريو حول لورا فوراً،كانت الشاشة تعرض خريطة موقع جغرافي دقيق مع تفكيك لرمز رقمي مشفر.
قالت لورا وعيناها متسعتان بذهولٍ شديد:
— "الرسالة والوثيقة لم تُرسلا من مكتب ساي ولا من أي مكان يخصه... الإشارة أُرسلت للتو من مبنى السجل العقاري المركزي،وتحديداً من الحساب الخاص بـ..."
توقفت لورا عن الكلام وساد صمت خانق في المخبز،بينما قطعت روز تنفسها وهي تنظر إلى الاسم الظاهر على الشاشة.
التفت ليو نحو روز،وتحولت عيناه العسليتان إلى حجر ثلجي صلب،ونطق بصوت عميق وبارد يملؤه الذهول:
— "هذا الاسم... هذا ليس شخصاً يعمل مع ساي يا روز... هذا هو الشخص الذي اختفى قبل عشر سنوات بعد مقتل والدكِ!"
Ruby<5