وأخيرًا، بعد مضي ساعتين على الطريق، ها أنا ذا... داخل أراضي روما.
هذه المدينة التي اخترتها مهربًا من مدينة أخرى، من ماضٍ آخر، من قرارٍ كاد أن يدمرني بالكامل.
أخرجت رأسي من نافذة التاكسي، كأن الهواء هنا مختلف، محمّل برائحة البدايات المجهولة.
روما... مدينة غارقة بالتاريخ، وأنا؟ غارقة بالقلق، وبالأمل المتردد.
لكنني فتاة القانون... فتاة المحاماة التي تدرّبت على كسر الحجج، لا الانكسار لها.
لن أقبل بكلام المدّعى... فأنا من اعتادت أن تربح كل القضايا.
فلماذا لا أربح قضيتي المصيرية هذه؟
قضية القلب، وقضية الحياة.
أمسكتُ الحقيبة الصغيرة إلى جانبي، لا تحوي إلا الضروريات...
لكن أثقل ما فيها لم يكن الكتب ولا الأوراق، بل الذكريات التي أهرب منها.
أغلق السائق الراديو حين رآني سارحة في النافذة، ربما ظن أنني لا أحب الضجيج... لكنه لم يعلم أن رأسي يضج بصوتٍ آخر.
صوت والدي حين قال:
"أنتِ تحلمين أكثر مما يجب يا أرايلا."
وصوت والدتي وهي تبكي خلف الباب، لا تودّعني... بل تودّع ثقتها بي.
وصلنا إلى الفندق.
فينيسيا السوداء... المبنى الذي سمعت عنه أكثر مما رأيته.
كان شامخًا، راقيًا، وفيه شيء غامض يشبه صمت المدينة هذه الليلة.
دفعت الأجرة، ونزلت بهدوء.
"خطوتي الأولى تبدأ من هنا"، همست لنفسي، بينما أمشي نحو الباب الكبير،
وأنا لا أعلم أن قلبي سيصطدم بقدَرٍ لم يحسب له أي حساب.
---
---
ما إن عبرت بوابة الفندق حتى شعرتُ وكأنني أُسحب من العالم الخارجي إلى بُعدٍ آخر...
الضجيج، الطرقات، أصوات المدينة، كلها تلاشت خلفي... وخطوتي الأولى داخل هذا المكان كانت أشبه بهمسة قدر.
كان السقف عالياً، يتدلى منه ثريا كريستالية ضخمة تشبه نجمة من زجاج... تتلألأ كأنها تجمع ضوء النهار والليل في آنٍ معاً. الأرضية رُصفت برخام داكن مائل إلى الرمادي العميق، يلمع بلمسة أنيقة توحي بالفخامة الصامتة.
على الجانبين، امتدت أعمدة مزخرفة بزخارف ذهبية دقيقة، كأنها تحرس المكان منذ قرون. أما الجدران، فغُلّفت بخشب داكن محفور، تفوح منه رائحة الماضي... وكأن الحكايات القديمة ما زالت عالقة في زواياه.
العاملون بالفندق كانوا أشبه بقطع شطرنج مرتّبة بعناية. يرتدون بدلات سوداء أنيقة، يتحركون بانضباط وهدوء يُحسدون عليه، تحيط وجوههم بهالة من الجدية واللباقة... وكل منهم يحمل نظرة مُدربة، ثابتة، كأنهم جميعاً خضعوا لتدريب لا يسمح بالخطأ.
اقترب مني أحدهم فور دخولي، بانحناءة خفيفة وابتسامة مهنية:
"مرحباً بكِ في فينيسيا السوداء... هل لي بمساعدتكِ؟"
لم أُجِب على الفور... عيناي كانتا مشغولتين بكل تفصيلةٍ من هذا المكان.
كم من الأرواح مرّت من هنا؟ كم من الأسرار خُبئت خلف هذه الجدران؟
هذا الفندق لم يكن مجرّد بناء فاخر... بل كان ذاكرةً ضخمة، تمشي على أطراف أصابعها، وتهمس لمن يملك الجرأة لسماعها.
تنهدتُ بهدوء، وعدّلتُ من حقيبتي الصغيرة، ثم همستُ في داخلي:
"هذه ليست مجرد بداية جديدة... هذه أرض معركتي الكبرى."
---
قبل أن أجاوب الموظف، استدرتُ تلقائيًا نحو صوت التراية التي أصدرت صريرًا حادًا. عقدت حاجبيّ وانتبَهتُ لحبلها المترخي... ثم لفت انتباهي طفلٌ يلهو في الأرجاء، وخلفه بعض الموظفين. تنقّل بصري بين التراية وبينه، وها هو يقف أسفلها بينما تكاد تسقط عليه.
رميت كل ما بيديّ، وركضت نحوه بسرعة. حملته بذراعيّ ثم وقعتُ به أرضًا، تمامًا عند لحظة سقوط التراية، التي تحطم زجاجها بأزيزٍ وصل إلى مسامعه.
غطّى الطفل أذنيه بيديه، ففعلت المثل، وضممته إلى صدري أكثر، وكأنني أمّ تحتضن ابنها من شرور العالم.
فتحتُ عيناي على صوتٍ حاد وقلق:
"ريوم... ريوم، ابني، هل أنت بخير؟! تعال إليّ!"
نهضتُ ببطء وأنا لا أزال أحمله، ثم أنزلته. هرع الطفل راكضًا نحو الرجل، الذي بدا في منتصف العشرينات. رأيت ريوم يتحدث معه بلغة الإشارة، فارتسمت علامات الاستغراب على وجه الشاب.
اقتربت وتحدثت:
"مرحبًا، سيدي... الصغير يقول إنه بخير، لا تقلق!"
رفع الشاب نظره إليّ وقال بجمود
: "من أنتِ؟ وكيف فهمتِ ما قاله ابني؟"
شعرت بنبرة تعجرفٍ تخترق صوته، لكني أبقيت ملامحي هادئة وقلت
: "اسمي أرايلا روناند... وفهمت عليه لأنه يتحدث بلغة الإشارة، التي أجيدها!"
نظر إليّ ذلك الرجل بنظرات حادة، ثم أردف بنبرةٍ منخفضة:
"حسنًا... فهمت."
رفعت حاجبي باستغراب وسألته:
"هل لي أن أعرف من تكون، يا سيد؟"
رمقني بنظرة باردة، صوته يقطر احتقارًا:
"أنا إيدن روبرت... أيتها الفتاة."
قطبت حاجبي من عجرفته وتكلمت بنبرة مشوبة بالتهكم:
"وما لك يا سيد، متكبر هكذا؟"
اقترب مني خطوتين متتاليتين، وتراجعت غريزيًا للخلف. دسّ يديه في جيبي بنطاله الأسود التابع لبذلته الرسمية، ثم همس أمام وجهي بنبرة واثقة ومغرورة:
"أنا من لن تتمكني من مسّه، أيتها الدخيلة... إيايلا."
مهلاً لحظة هل حرّف اسمي هذا المتكبر؟ يا لك من لئيم حقا ايها الـ أيدن
بادلته النظرات بحدة، ورددت بهدوء قاتل:
"وأنا التي يمكنها زجّك في السجن دون أن يرفّ جفن لي ... يا ريدن."
تعمّدت تحريف اسمه كما فعل باسمي. أرايلا ليس صعبًا، لكنه اختار تجاهله.
انفجرت ضحكته الساخرة في الهواء كصفعة باردة.
"أنت؟ أنت سترمينني بالسجن؟ من تظنين نفسك، أيتها الفتاة؟"
اقتربت منه خطوة، ونظرت في عينيه مباشرة، ثم هسهست:
"أنا فتاة القانون... يا رجل."
استدرت بهدوء أستعد للعودة لما كنت أفعله، لكن أحسست بثقل خفيف يجذب طرف كنزتي من الخلف.
التفتُّ، فوجدت الصغير "ريوم" يمسك بها بخجل. ركعت أمامه وسألته بلغة الإشارة عمّا به، فحرّك أنامله ليقول:
"أحببتكِ... وأريد أن أعرف اسمكِ."
ابتسمت له بلطف، وبدأت أشكّل أحرف اسمي بأصابعي أمام عينيه البريئتين...
وخلفي، كانت نظرات إيدن تحرق ظهري، كما لو أنه يقرأ شيئًا فيّ لا يملك تفسيره.
بعد أن أخبرت اسمي للصغير ريوم وضممته قليلًا، سمعت صوت ذلك الـ "إيدن" مجددًا...
حقًا، إنه رجلٌ ضد السعادة واللحظات اللطيفة، إذ قال بصوتٍ حاد:
"أنتِ... يا آنسة... ابتعدي عن طفلي، ولا تقتربي منه مرة أخرى. أفهمتِ، يا فتاة القانون؟"
انتصبت واقفة، نظرت إليه بثبات، وكتّفت يدي أسفل صدري، ثم أردفت بكل برود، كما بروده:
"أجل، فهمت... ولأذكّرك، هذه كانت أول وآخر مرة أرى فيها هذا الصغير. فأنا سأذهب."
تقدّمت نحو موظفة الاستقبال، ابتسمت لها برقة، وقلت:
"مرحبًا يا آنسة... هل يمكنكِ مساعدتي في العثور على مكتب المدير؟ فأنا المحامية التي تواصلت مع أحدكم للعمل هنا."
لكنها نظرت إلي نظرة مريبة، تتنقل بعينيها بيني وبين ذلك المتكبر، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة خبيثة واقتربت من مكاني، لتقول بسخرية:
"هل أنتِ حقًا غبية يا هذه؟ من أنتِ؟ ولماذا تطلبين المدير، أيتها الهائمة؟"
كلامها هذا أشعل النار التي بالكاد كنتُ قد أطفأتها بسبب والد ريوم، لكنها الآن أوقدتها مجددًا... حسنًا، فلنرَ إلى أين تصل هذه المهزلة.
"يا آنسة، أولًا احترمي حدودك في الحديث معي... وأجل، أطلب المدير لأنني تحدثت معه بخصوص عملي هنا."
قلت ذلك ببرودٍ ووقار، لكن فجأة أمسكت بمعصمي تشده بعنف، وقالت باستهزاء:
"يا فتاة الشوارع... أنتِ من يجب أن تحترم حدودها، لا أنا! أنتِ في فندقٍ شريف، وتأتين لتجلبِي له العار!"
لم تكن تدري أن صوتها المرتفع بدأ يجذب أنظار الجميع...
ومع ذلك، حافظت على نبرتي الثابتة:
"لستُ أنا من تحترم الحدود... بل أنا من ترسمها. وهذا الفندق لم يعرف الشرف إلا بدخولي إليه... أما أنتِ، فأنتِ العار الحقيقي هنا!"
ثم سُمعت خطوات حذاء رسمي تضرب أرضية الفندق بثبات...
نعم، إنها رائحته تسبق حضوره. اقترب، وتكلم بنبرة ساخرة:
"ما الذي يحصل هنا يا فتاة القانون الصغيرة؟"
نظرت إليه ببرود، وقلت:
"اسمعني جيدًا... هذه الموظفة عار على فندق كهذا، فهي من تشوّه سمعته. أطالب بمقابلة المدير فورًا!"
لكنه عقد حاجبيه باستهجان، واقترب حتى حاصرني بينه وبين مكتب الاستقبال، وقرّب وجهه من وجهي، ثم همس:
"المدير... بحد ذاته أمامك يا صغيرة. تفضّلي!"
رفعت حاجبي بدهشة، ثم تراجعت خطوة، لأقف مقابلةً له دون أن أنطق، لكنه بادر بالكلام:
"أعلم، يجب عليكِ الاعتذار... لأنك تطاولتِ على صاحب هذا الفندق، أيتها الطفلة!"
ضحكت ضحكة ساخرة، ثم رفعت سبابتي أشير بها نحوي:
"من؟ أنا؟ ولماذا أعتذر منك؟ أظن أنك تتوهم كثيرًا! إن كنت مدير الفندق، فهذا لا يمنحك الحق بأن تكون وقحًا. أنت حتى لم تشكرني لإنقاذي ابنك... ريوم الصغير شكرني بدلًا عنك!"
ثم أكملت بثقةٍ ووضوح:
"وهذه الموظفة، سيتم طردها عاجلًا أم آجلًا... لأنها متعجرفة، تحتقر من تراهم أقل منها. لكن، منذ متى كانت الإنسانية تقاس بالملابس أو العمل؟"
ثم همست أخيرًا، وعيناي تستقران بعينيه بثبات:
"احرص في المرة القادمة أن تختار موظفيك من ذوي الخُلق... لا مثلها!"
ـــ
ـــ
و مرحبا يا نيازكي كيف حالكم؟؟
كيف كان هذا الفصل معكم؟؟
هل إستمتعتم به؟
فقرة الأسئلة الأن
اااااا
شو شعوركم تجاه بطلتنا ارايلا؟؟؟ القوية ☝️😭
أحسس لقاءها بـ ايدن كان مميز و حلو
كيف حسيتوا ايدن؟
و ريوم الصغنوني 🥹🥹
والله هذا الـ ريوم رح يعمل اعمال ما حدا رح يتوقعها عشان يجمعهم سوااا
أحببتت كيف مسكهااا و قلها أحبكك يااا فراشات💗💗🥺
و موظفة الاستقبال المتعجرفة؟؟ بس بس بس محاميتنا قصفت جبهتها🤭🤭
الفصل عبارةعن 1373 كلمةةةة لو كان في تفاعل و حب للرواية طبعا بصير بطول الفصول...
روايتي هذهه فكرة كاملة من وحي خيالي و الرسالة لـ كانت بالمقدمة عبارة عن ون شوت و من خلاله استوحت فكرة الرواية
يا نيازكي مع الفصول القادمة رح نكتشف كل شخص فيهم شو عاش و كيف عاش
احبكم أشوفكم بالفصل القادم إن شاء الله
أرجو إن أعجبكم الفصل التصويت و التعليق لأى إلى ما تتوقعونه للفصول القادمة