" ليس كل شرًّ بلا سبب ، فبعضه يولد من الحاجة أو الخوف ، كظلٍ يتبع النور رغم أنفه "
~ قبل خمس سنوات _ واشنطن _ منتصف الليل ~
في منتصف الليل حول فيلا ذلك المسؤول ، كانت تقف تلك المختلة خارجاً ، ليست قريبة و لابعيدة بل بموقع استراتيجي كافي ليجعلها تسترق النظر لما يحدث بالداخل
و أبتسامه خبيثه تُزين ثغرها وعينيها تنبض بالجنون
إن رأيتها .. فستهرب
لأنها تبدو .. كمريض هارب من مصحة عقلية ، لا يمكنك أن ترى شيئاً منها فهي كظل أسود .. تُخفي هيئتها و وجهها
- ستبدأ الحفلة ... ثلاثة ... إثنان ... واحد ! Voilà
تنتظر رؤية لوحتها الفنية مُتقنه الصنع بشدة ، و سرعان ما نبست بثلاثة
بدأ المنزل بالإحتراق و اللهيب الأزرق اللامع ينتهشه من أسفله لأعلاه، في منظر آسر وخلاب ، مخيف وخطير
عينيها مترقبتان ، بإنتظار رؤيه من بداخل المنزل وماهي إلا دقائق معدوده حتى رأتهم يركضون هرباً... و خوفاً ..
خارج المنزل ويصرخون .. منهم من ينظر إلى المنزل بعدم تصديق ومنهم من يتأكد من سلامة أفراد المنزل .. و ذلك اللعين الذي كانت بإنتظار رؤيته ، من صنعت اللوحة لأجله ، يصرخ و هو ينظر إلى أملاكه تتحول إلى رماد أمام عينيه ..
- إنه عمل الشبح ، لقد أتى ، أطفئوا منزلي
ماذا تفعلوا ... أطفئوا منزلي !! أملاكي !! لا .. لقد ذهبت
ضااع ، كل شيء ... ضاع
في هذه اللحظة ، لا يوجد من هو أكثر إثاره للشفقه منه
اتسعت ابتسامتها لهذا المشهد ، مختلة ..مجرمة .. أياً كان هذا .. فهي كذلك
سرعان ما ابتعدت بخطوات متثاقله وهي تلعب بشعرها الذي يصل إلى كتفها ، سمعت صوت قرقرة بطنها
- قد أنهيت مهمتي ، و عملت بجد أستحق وجبه كبيرة !
ما قطع عليها سعادتها كان ذلك الإتصال ، وهو يقول :
- عودي للمنزل ، لا تذهبي لأي مكان !
- لكن...
- لا أعذار ، أنا بإنتظارك
- حسناً ، يالك من مفسد للمتعة ، هل هناك طعام إنني جائعة
- لقد أعددت لك وجبتك المفضلة
- حقاً ؟ إنني قادمة
يا إلهي هذا يوم سعدي ، أعني سأعود لآكل ما أجده أمامي كوحشٍ جائع ، و ساتوقف عن قريب من صنع لوحاتي الإبداعيه الفنية .. تستحق ان تكون في المتحف
يناسبني هذا ، لكنني لم افكر ماذا سأعمل عندما اتوقف ؟ ما الذي سيسليني ؟
هل سأظل أعمل في ذاك المكان .. لا إنه مُمل .. التفكير متعب .. وإن تعبت .. سأمرض وإن مرضت فسأموت
لا أريد تخيل هذا ! ربما قد يصيبني طائر حظ .. و أصبح ثرية و اتقاعد
عندما افكر بالأمر ، فقد أمضيت وقتاً طويلاً في صنع هذه اللوحات ، أتمنى أن يكون هذا مُرضي لهم ولو قليلاً
بذلت جهدي ... أعدكم أن اجعلهم يُعانون ضعف ما فعلوه بكم و بي !
سأحرص على أن نسترد حقنا .. لن أدع كل من له يد بالأمر أن يفلت أعدكم ...
اخرجت شريحة الهاتف ، قامت بتحطيمها ثم القتها برفقة الهاتف كمن يتخلص من نفاية و توجهت نحو المنزل
في هذا الحي القديم البسيط ، إنه المكان الذي اعيش فيه برفقه العجوز البائس " إدوين " عجوزي الوسيم ، والذي يرافقني منذ أصبحت في الثالثة عشر ربيعاً ، لست أنا من يفترض أن يقول ربيعاً ... فنحن لم نرى الربيع أبداً
لم يسمع سوى صوت فتحها للباب ، وهي تتبع رائحة الطعام
- عجوزي .. لقد عدت ، يالهذه الرائحة الجميلة إنك بالفعل الأفضل !
يقف ذلك المُسن في المطبخ ، وهو يُعد طاولة الطعام اصبح ظهره منحنياً كأن اثقال الأيام انحنت فوقه ، و يكتسي رأسه الشيب الأبيض .. عينيه زيتونيه وعلى الرغم من أنه قد أصبح كبيراً لكنه وسيم لهذا أقول له عجوزي الوسيم
- لما تقفين كالتمثال هكذا .. أذهبي و استحمي هيا ، سيبرد الطعام
- حسناً ، لا تتذمر أيها العجوز سأذهب .. ولكن قبل ذلك
أبتسمت بخبث واقتربت من الطاولة ومددت يدها لتأخذ من الفطائر الموضوعه والمُزينه بشكلٍ ساحر لكن ما أوقفها كانت ضربه العصا بخفه على يدها
- توقفي أيتها الشقيه ، و اذهبي لغسل يديك اولاً
تباً ياله من عجوز يقظ ، إن الفطائر لامعه بشكل مثير
لن أتذوقكِ الآن يا عزيزتي أنتظريني ..
دخلت إلى غرفتها ، و ألقت حقيبتها بإهمال على الكرسي
وتوجهت إلى الحمام ، تنظر إلى المرآه بإبتسامه صغيره وهي تقول بنبره متعجبه ساخره :
- من هذه الفتاة المثيرة على المرآه؟
اوه تباً ياللمثيرة ... إنها أنا
إن للرجال فوزاً آخر .. ليحظوا بجميلات كأمثالي !
هي ذو عينين واسعتين بلونهما الأزرق الداكن كالبحر تحمل أسرار وخفايا عميقه قد تجر من يعرفها إلى القاع ، ولها شعراً أحمر عنابي اللون يصل إلى كتفها
أستحمت و أرتدت ملابسها التي اكتساها الأسود الداكن ، و كانت تصفف شعرها المموج .. لم تكن تُحب العبث به بالحراره لذا تكتفي بتسريحة بالفرشاة ، وليست بذلك النشاط جميعنا نعلم أنه كان عذراً فقط
توجهت نحو طاولة الطعام ، وباشرت في الأكل ، ولكن ما جعل الأكل يقف في حلقها كان سؤال إدوين
- هل ستذهبين لزيارتهم غداً ؟ إنها ذكرى...
هي تعلم بالفعل ماهو الغد .. لكنها فقط ترفض الذهاب
- توقف ، لا تكمل ... لن أذهب قبل أن أنتهي من ما افعله !
- لكن لم تذهبي منذ ذلك اليوم !
- أيها العجوز البائس ، لا تحشر أنفك الوسيم في هذا
لن أذهب .. أنتهى
- حسناً لا تغضبي ، لكن إن غرقتِ بهذا اللهب فقد تحترقين في النهايه ... لا أقوى على خسارتك أنتِ تعلمين هذا
- إن احترقت ، فسأعود من جديد حتى إن كنت شبح
لن تتخلص مني بهذه السهوله أيها العجوز ، أنا آسفه لكنني حقاً ، لن أجرؤ على مقابلتهم مالم أنتهي
تنهد ذلك العجوز بخفه يعلم بالفعل كم رأسها يابس ، وأبتسم إبتسامه مطمئنه
- إذن لنذهب معاً عندما تنتهي ، تعلمين سأكون دوماً بإنتظارك ...
- اتفقنا إذن ، هل تود الشرب معي ؟
- لامانع بالقليل
حشرت يدها في يده و سارت برفقته نحو حديقتهم الصغيرة بالخارج
– عجوزي البائس ، الا تريد أن أبتاع لك عصاً سوداء لامعه ستحبها أعني لقد أصبحت كبيراً في السن
– يالها من دعابه خرقاء كصاحبتها ، لا زلت أملك قدمان
– لكن تاريخ صلاحيتهما أوشك على النفاذ
– روح دعابتك هي الأسوء ، فقدت صلاحيتها منذ وجودها
ضحك كلاهما بخفة ، و انقضت ليلتهما كالمعتاد
كانت هي تذهب للنوم بينما هو يخطط لما سيحضره لها في اليوم التالي ، ويرسمه ، ويعلقه على الثلاجة
في كل شروق للشمس ، يعيشان ببساطه ويقضيان يومهما في الإنشغال بالأعمال ، وفي الليل يختلف الأمر
تصبح هي اللهب ، او الشبح ، بينما هو الظل
لطالما سار الامر على هذا النحو ... هي اللهب و هو ظلها
ما تقوم بفعله الآن ببساطة، تشعل اللهب الأزرق ولكن مكان إشعاله هو ما يجعلها مختله
في الواقع ليس مكان ، إنما أماكن ، او بالأحرى منازل
المنازل الخاصة بمسؤولين رفيعين في أمريكا
ما السبب ؟ هذا ما يحتاج إلى إجابه
وهذا هو ما يجعلها مطلوبة لدى مكاتب التحقيق
فهي بمثابة تهديد للسياسيين
و يظن البعض أنه إغتيال للمسؤوليين وخطط من منظمة ما ، والبعض الآخر يظن أنها مجرد أسطورة أو إشاعات كاذبة .... وهذا ما يجعل الأمر أكثر إثارة
♧ بعد خمس سنوات _ميونخ _ السادسه مساءً ♧
كانت تمشي بخطوات متثاقله وكأنها لا تعلم إلى أين تقودها قدميها .
تمسك زجاجة نبيذ وتغطي شعرها الذي أصبح أطول بقبعه ، ترتدي معطف داكن يلائم حَزَنها و حبات الثلج تتساقط بغزاره تُغطي الأرض بكساءٍ أبيض ناصع يناقض سواد الليل ، ولفحه الهواء البارد تضرب وجنتيها مما يجعلهما يحمران على عكس شرارة النار التي تحرق فؤادها ..
توقفت أمام قبر ، اخرجت ورده زرقاء اللون وضعتها على قبره و امسكت بزجاجة النبيذ و ردفت منكسره وكأن ما دُفن هناك كان روحها
- أيها العجوز البائس ، ها أنت ، قد تركتني ...خلفك و غادرت ، تماماً كالجميع ...
فلتحتسي معي شراب وداعنا ، إن كان لنا حياة أخرى ولقاء ، فلتكون عجوزي الوسيم من جديد
بدأت بالشرب حتى أن النبيذ اختلط بدموعها التي كانت تسقط بغزاره .. وصوت شهقاتٍ خافت يكسر برودة الثلج
ألن تنهض الآن ؟! هل حقاً تركتني ، هل رحلت ؟
ألم تقل بأنك لا تقوى على خسارتي ، وانا ايضاً لا اقوى على خسارتك
من سيُعد لي الطعام ؟ من سيكون بإنتظاري عندما أعود للمنزل ؟ لقد غادرت مبكراً ... يا للحظ
لم تشعر سوى بدفئ وعندما رفعت رأسها للاعلى وجدت فتى يغطي وجهه بكمامه ، خلع معطفه ووضعه على أوديسا والتي كانت متعجبه من تصرفه ما خفف حده نظراتها تجاهه كان عندما نبس :
- يبدو أنك لم تكونِ تُريدين أن يراك احد ، أحاول مساعدتك فقط ..
- شكراً ، يمكنك أخذه الآن ،ستمرض إن بقيت دون معطف
مسحت عن وجنتيها المحمرتان دموعها ، و استجمعت شتاتها فهي فتاة تعلمت أن القوة والمضي قُدما أمر لا محال
الحزن ... ليس ضعف لكن البقاء بنفس اللحظات المؤلمه هو الضعف بذاته ...
عليك النهوض من الرُكام ، وتخطي الصعاب والمضي قُدماً و لا يقوم بهذا إلا قوي القلب
( الرُكام وليس الزكام ! )
- أنتِ ، لستِ من ألمانيا ، أليس كذلك ؟
- في الواقع لدي أصول ألمانيه ، لكنني من الولايات المتحده
- فهمت ، هل لديك قريب هنا ؟
- كان لدي ، لكنه رحل ، أتيت لزيارته
- أرى ذلك ، هل تسمحين لي بأن أخطفك ؟
- أسمح ؟ ماذا تعني ؟
- إن لم تمانعي فأنا أفضل من يعرف ميونخ لأخذك في جولة صغيرة ، لا أظن أن الشخص الذي أتيتِ لزيارته سيكون سعيداً إن رآك بهذا الحال ..
هو لم يكن سعيداً كثيراً في حياته على أي حال
أتمنى له الراحة ، فقد عاش حياةً بائسة
- أنت محق ، لكنني لم أعرف أسمك بعد ؟
- كايدن إغناز ، ماذا عنك ؟
- أوديسا فونيكس
- هل هذا لقبك ؟ إنه يليق بك
- نعم ، المعذره لكن ماذا تفعل هنا ؟
- إنني في زياره لوالدتي ، فهي الآخرى رحلت مبكراً
- هذا مؤسف ، أعتذر إن كنت قد أزعجتك
- لا عليك ، و الآن دعينا نذهب ، بالمناسبه سأذهب إلى واشنطن قريباً للعمل ، سيكون عليك أن تأخذيني في جولة لأماكن تروقك
نظرت له بإبتسامه ساخره ، وهي تنظر للجهه الأخرى
- حسناً ، لكن لتعلم أنا أعرف الاماكن الاخطر في أمريكا خاصه واشنطن ، بالإضافه لا احمل رقم هاتف ثابت
- هذا مرعب ، هل تعملين لمنظمه خطيره او شيء كهذا ؟
- ليس حقاً ، ولكنه خطير
ضحك ساخراً ، وهو يسير وهي تتبعه غير مصدقه حماقته
هل يسخر مني ؟ لو كان قبل خمس سنوات .. لم يكن ليسخر هكذا ، لا بأس ، فالشبح أصبحت من الماضي ، لقد أفتقدت تلك الأيام حقاً .. آه يا عجوزي الوسيم
- أنت إلى أين نذهب ؟
- إلى مكان ساحر ، اتبعيني فقط لا تخافي لن أخطفك
او ربما قد أفعل ..
– هذا مخيف ، لا تختطفني
– سأستأذن ، هل استطيع خطفك إذن ؟
– حسناً ... لا مانع ، لكنني سوء حظ جميل ، ها قد حذرتك
لا تقل إنني لم أفعل
– هاه ؟ حسناً ... يبدو أنني أُحب الحظ السيء !
و كنت بحاجة لمن يشاركني حظي الكارثي "
في قلب ميونخ
كانت الشوارع مُزينه بالاضواء الإحتفاليه مع الهندسه المعماريه الساحره للمدينة
تنبض بالحياه لوجود العديد من الناس و مختلف الاعمار
هناك كبار سن يلعبون الطاولة ... بينما أطفال يركضون ويلهون في المكان .. وثنائيات الحب ... ابتسمت وهي تشهد هذا المنظر ... بالإضافة للزرافه بجانبها وفي كل مكان ... الألمان عمالقة كأنهم جدران بشرية
- ساحر ، أليس كذلك ؟
- هذا ... ساحر حقاً ... إنها اللوحة الأكثر جمالاً
ساحر ... جداً... لطالما كنت اصنع اللهب .. لكن جمال هذه الاضواء مع ضوء القمر ... وهذه المباني ، و العديد من الناس وكأنها لوحة لهب.. مختلفه .. جديده ... آسره تسلب الأنفاس
- الطعام في هذا المكان لذيذ .. بالإضافة لن أشرب بمفردي
- فهمت ، هيا بنا إذن ، سأقول لك أنا احب الطعام كثيراً ، لذا سأتناول وجبة كبيرة ، ولم أعد أشرب كالسابق ، لكنني أوافق على إحتساء مشروب برفقتك !
- لا عليكِ ، فلتتناولي ما شئت من الطعام ، ما عليك سوى الإستمتاع
لم أعي أننا قد وصلنا إلا عندما شممت رائحة الطعام .. هذه الرائحة أعرفها جيداً ، إنها الوجبة التي كان يُعدها العجوز البائس لي
- أريده
- ماذا تريدين ؟
- رغيف اللحم بالإضافه إلى الدامبفنودلن
- بالطبع ، هيا بنا
بينما كنا بإنتظار الطلب ، كُنت شارده الذهن أسرح بذاكرتي إلى أيامي القديمة ، فبعد خمس سنوات في هذا العام تحديداً، غادر إدوين هذا العالم تاركاً إياي بمفردي .. مات بين يداي
لا أعلم إن كان ذلك اليوم كابوس أم حقيقة لكنه ..
كان يلفظ أنفاسه الأخيرة بين يداي
أصبحت وحيدة ... مجدداً
أوصى أن يدفن هنا ، في مسقط رأسه ، لذا أتيت إلى هنا لزيارته ، في بادئ أيامي لم أكن أطيق حتى العوده إلى المنزل ؛ لأنه لم يعد منزلي الذي اعتدت عليه
لا وجود لإدوين ، فقط أنا كالشبح الوحيد
- أوديسا ، تفضلي
- شكراً لك ، إنها الرائحة الأجمل بالتأكيد
عندما تناولت أول قضمه ، لم أشعر سوى بدمعه تهرب من عيني ..
أنا أوديسا الفتاة التي لا تُقهر ، ولا تبكي لمجرد أن طعام أعجبها ، ولكنني أصبحت ضعيفه ... هذا ما كان يُعده لي ذلك العجوز
اخفيت وجهي سريعاً ، لن يراني ضعيفة مجدداً ، أكملت تناول الطعام ، و ذهبنا إلى المتجر أحضرنا بعض المشروبات ، و شربنا سوياً ، و تحدثنا قليلاً
- ماهو أكثر ما تتمنينه ؟
- الإلتقاء بعائلتي مجدداً ، ماذا عنك ؟
- أن تعود لي والدتي ، لقد أصبحت حياتنا من بعدها مُظلمة لا نور فيها ، لكنني أعلم أن علينا الأستمرار في العيش حتى إن كان ذلك صعَب
- أنت محق ، أتعلم ماذا ... لنقطع وعد
- وعد ... ماذا ؟
- وعد بأن نستمر بالعيش بفخر ، وأن نتجاوز الصعاب
- حسناً ، هذا وعدنا
تشابك خنصرهما ، علامة على وعدٍ لا يُنكث
غير عالمان ما إن كانا سيلتقيان مجدداً .. أم ستفترق بهما سبل الحياة
–سأقول شيئاً ...
– أنا أسمعك ... هيا
– عندما أقف بجانبك أشعر وكأنني في ظل عملاق ودود
سيُضاف هذا رسمياً إلى قائمتي المهمه
– و ماهو ؟
– الزواج برجلٍ ألماني .. لا أريد لأطفالي ان يواجهوا مصير الأقزام
ضحك كلاهما بخفه ، نظر إليها بتأمل وابتسم ، شعرها الذي تكتسيه الحمرة بدا كوهجٍ صغير يشتعل وسط بياض الثلج ، هي بسيطة الملامح ، مع ذلك بدت كلوحةٍ أُخرجت
بعناية ، لوحة لا تُرى مرتين ، تحت هذا الثلج كل شيء باهت ... إلا هي
كم هي غريبة ، وكأنها لا تنتمي لهذا العالم
كل شيء فيها هادئ ، ومع ذلك تُحدث داخلي ضجيجاً
هدوءها يُربكني ... هل هي جميلة حقاً ، أم أنني فقدت
اتزاني ؟
في هذه اللحظة ، لم يكن الثلج ما جمد أنفاسي ، بل حضورها الذي سكنني وتملكني تماماً
إن كانت قدري ... فسنلتقي مجدداً
فقد قرأت أسطوره صينيه ذات مره ، تروي عن مُسن يعتبر مسؤولاً عن تحديد مصائر الناس وربطهم ببعضهم البعض ، يقال أنه يحمل في حقيبته خيوطاً حمراء غير مرئية ، يربط بها بين الأشخاص الذين مقدر لهم أن يلتقوا و يتقاطع مصيرهم
بعد تلك الليلة اجتمعا مجدداً لثلاثة أيام .. في كل يوم كان يأخذها لمكان جميل في ميونخ ، قبل عودتها
و بعدها .. غادرت وعادت إلى منزلها ، لا تعلم ما هي اللعبة التي تنتظرها ! او هل سيجمعهم لقاءً آخر أم لا
◇ بداية السنة _ واشنطن _ الثانية عشرة ظُهراً ◇
يالهذا الملل ، كل ما أفعله هو العمل كالحمقاء هُنا، لقد قضيت أيام لا تُنسى بألمانيا .. برفقه ذاك الوسيم
أعمل الآن كنادلة في أحد المقاهي المعروفة .. هذا مُمل
و أولئك الحمقى المتعجرفين كيف يأتون إلى هنا لإغاضتي كل يوم ! كم أود إشعال النار بهم !!
أعني قد أتى أحدهم ليطلب قهوة بالحليب وطلب مني أن لا أضع لها الحليب ، لذا ببساطة شرحت له بلطف ليس من صفاتي أنه يعني قهوة فقط
ولكنه ظل يصر أنه يريد قهوة بالحليب دون حليب !
و لم يكفي أنني تحملت البليد صاحب قهوة الحليب دون حليب
بل أتاني الآخر ليطلب قهوة مثلجة ساخنة !
ما هذه العقول ؟ ياللحظ ... هذا ما كان ينقصني فعلاً !
أود أن أستقيل ! أرجوكم فلينقذني أحدكم قبل أن أُجن!
البحث عن عمل آخر سيأخذ وقتاً وجهداً ، و هذا متعب و إن تعبت فلن أعمل و إن لم أعمل فلن آكل و إن حدث هذا فسأموت مُبكراً
ولكن .. لو كنت أملك المال لضربته بهذا الإبريق لأرى ما في رأسه من هراء !
كنت أحدث إحدى الفتيات التي تعمل معي ، ارسلتها لتحل محلي و تتعامل مع ذلك الغبي والبليد بجانبه ..
و حللت محلها لأُسلم الطلب
- سأخذ هذه القهوه إلى ذلك الرجل ، بالتوفيق لك مع ذاك الغبي و المغفل بجانبه
ذلك الرجل ، أعني من سأسلم له الطلب
تعابيره متجهمه ، و النظرات القاسيه تعلو ملامحه
يبدو مخيف وغاضب ... علي الحذر منه
إن كان هناك تجسيد لكلمة مخيف .. فسيكون هو بالطبع
يحمل هاتفه و ينظر بتركيز شديد وشرارة تنطلق إلى الهاتف و عندما أقتربت لأضع طلبه ... ضرب بيده على الطاولة مما أفزعني و كدت أوقع الطلب و شعرت بقلبي يقفز إلى الخارج .. أقسم بذلك ... ردف غاضباً
- سأمسك بك أيها الشبح اللعين ... هل عُدت لتتحدى الشُرطه !!
بلعت ريقي بخوف ، ونظرت إليه بتعجب .. هل قال لتوه أن الشبح عاد ؟!
لكنني بالفعل توقفت .. ماذا يحدث بحق الجحيم ؟!
وضعت طلبه و سألته بهدوء ليس وكأنني سأموت الآن
- المعذره سيدي ، هل قلت لتوك أن الشبح قد عاد ؟
هل أنا عُدت دون أن ادري ؟ هاه .. ماذا يحدث
- نعم ، ذلك اللعين قد عاد أنظري إلى هنا إنهُ يسبب حرائق مجدداً ... وهذه المره ليست منازل المسؤولين فقط ! بل أصبح دنيئاً يحرق منازل المدنيين !!
تباً لك ، كيف تجرؤ على قول دنيء لي ؟!! أنا لم احرق منازل المدنيين ... هل هناك حثاله يقلدني !
- هل أنت متأكد بأنه الشبح ؟
- ماهذا السؤال الأهوج ؟ بالطبع إنه هو ، ليس هنالك وغداً آخر غيره
أنا لست وغد .. وهناك أوغاد .. أنت مثال حي ...
إنهم لا يعلمون أنني أنثى حتى ! يالهم من أغبياء
- عليك الحذر يا آنسه ، فقد يقتحم منزلك ويحرقه
النار لعبتي أنا ... أنا من يحرق ولست من يُحرق
- سأفعل ، شكراً لك ... هل أنت شرطي ؟ أعذرني على السؤال .. لكن يبدو من ملامحك بالإضافة إلى ذلك الدفتر هناك
- نعم ، إن لديكِ قوة ملاحظة ... أنا عازم على الإمساك بالوغد المدعو بالشبح
إذا أردتِ المساعدة يوماً .. فسأكون بالخدمة
لن تستطيع إمساكِ أنسى الأمر ، و أنت مخيف !
بالإضافه إلى أنكم حمقى لا تعلمون ماهي هوية الشبح حتى لن يحدث إلا بأحلامكم ... ومساعدتك أنت ؟
هذا جنون ...
- بالتوفيق ، سأذهب
أشعر بأن علي الإمساك بالصعلوك الذي يقلدني .. وتلقينه درساً لن ينساه ابداً ... لفعل هذا سأحتاج إلى كوني اللهب الأزرق الشبح
لن يكون الأمر سهلاً ... سأفعلها على أي حال لا يوجد خيار آخر !
عند أنتهاء عملي المُمل ... عُدت إلى منزلي ، لا زلت أعيش في ذلك الحي ولن أغادر هذا المنزل مهما كان
أعدت لي وجبة سريعة التحضير ، و استحممت و تناولت طعامي وانا اتابع اخبار الصعلوك
تباً لهم !! كيف يجرؤون على القول بأنه الشبح ؟! إن اللهب ضعيف جداً مقارنة بلوحاتي ولمساتي الإبداعية
إنهم بالتأكيد عُميان
هذا يعني بأنه صعلوك ينتحل هويتي و يعمل بدناءة و هو غير محترف لا يعرف معنى اللهب !! إلى أي مدى سيصبح الأمر سيئاً ، يا إلهي احفظ لي عقلي فقد أقتله
لحسن الحظ ، في هذا المنزل أملك ثلاث غرف سرية أسفل المنزل ، غرفة التحضير وهي التي أُعد بها الوان لوحاتي ، غرفة التخطيط وهي الغرفة التي أقوم برسم الخطط فيها ، والغرفة الأخيرة هي غرفة العنقاء حيث يوجد بالجدار لوحة كبيرة مرسومة
للعنقاء اللهب الأزرق
ما يوجد بهذه الغرفة ... لن يعرفه أحد
في الواقع كان إدوين هو من يساعدني ولكن .. لا بأس
سأفعلها بنفسي
لنبدأ التخطيط الخريطة أولاً ، بعدها نحدد المواقع التي أستهدفت .. والآن لنرى بتمعن
من الحرائق التي افتعلها الصعلوك عند رؤيه المواقع لأول مره ستشعر وكأنها عشوائيه
ولكن ... عند رؤيتها بتمعن ستُدرك الموقع التالي على الفور
كل ما علي فعله الآن هو أن أبدا بتحضير مستلزماتي المهمه .. وسأكون على أستعداد
مالم أضعه بالحسبان كان وجود ذلك ... الوغد
أو علي أن أقول .. اكثر من وغد ؟
♤ ذات اليوم _ واشنطن دي سي _ الثامنة مساءً♤
كنت عازمة على الإمساك به قبل أن يفعل أي أحد آخر ، سأجعله يندم على محاولته إنتحال هويتي !
و أثناء تسللي إلى الموقع ... شممت رائحة مادة كبريتيه بالإضافة إلى الوقود !
هل هذا ما يستخدمة للحريق ؟!! هل هو غبي !
بل مبتدأ لعين ... ينتحل هوية أسطورة مثلي
لقد رأيته ذلك الصعلوك ... وقبل أن أقترب حتى منه بدأ بإشعال النار و قفز إلى الخارج ... كان يمكنه إشعال النار وهو بالخارج لما هو غبي هكذا !!
لقد بدأت بالركض للخارج ... و بدأ الناس في ذلك المبنى بالهرب أيضاً و عند خروجي رأيت أمراه قد عادت لتوها من عملها ... كانت تبكي وتصرخ لأن طفلها بالداخل
لست أحاول أن أبدو كبطلة أو شيء قبيح كهذا ... لكنني لن أدع ذلك الطفل يموت ... بسبب مختل غبي عديم الكفاءه ... سألت والدة الطفل عن شقتهم .. ماذا ؟! سأنقذ الطفل هل هناك من يعترض ؟ ... لا اظن ذلك
من حسن حظي أنني كنت أرتدي معطفاً ثقيلاً وغطاءً
لوجهي ... ومن سوء حظي فقد وصلت الشرطة بالإضافه إلى الإطفاء
عدت للداخل مسرعه متجاهله من بالخارج ... كُنت اصعد بسرعة ، و كان باب الشقة عالقاً حاولت مراراً .. إلى أن فُتح و أخيراً
حملت ذلك الطفل الصغير و وضعت منشفه مبلله على وجهه وعلى وجهي الدخان يدخل في رئتاي و ينتشر بشكلٍ باهت وسيء ... كنت أبحث عن النافذه يوجد خارج النافذة سلالم للهروب تؤدي إلى طريق خارج البناية
وعندما وجدتها ... أخرجته أولاً ... بدأ ذلك الصغير بالنزول من على السلالم و تنفست بارتياح .. ولكنني كنت منغمسه في شتم ذلك السافل الهارب
و ربما قد أكون .. تحدثت بصوت مسموع وانا العن ذلك الصعلوك
- ستندم أيها الوغد اللعين على أنتحالك لهويتي وتلويث سمعة اللهب الأزرق
- اللهب الأزرق ؟ هل تعني الشبح ؟
- اللعنه ...
هذا الإطفائي اللعين قد سمعني ... علي النفاذ بجلدي
كُنت سأركض ولكن هذا اليوم يزداد سوءً فقد وقعت على السلالم إلى أن وصلت للأرض و شعرت بالألم برأسي بشده ...
وما قابلني كان وجهه ذلك الوغد متجهم الوجهه وهو ينظر إلي بتعجب ... وأفراد من عصابته يرافقونه
[ هل تقول عن أفراد الشرطة عصابة ؟! ]
و آخر ما رأيته كان السواد ....
إن كان هنالك سؤال أود طرحه .. هو
لماذا حظي سيء ؟ جدياً .. هذا ما كان ينقصني !!
•
•
•
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
معلومات من حول العالم _ ميونخ :
ميونخ واحده من أهم المدن الألمانية و أكثرها جمالاً وثقافةً ، وهي عاصمة ولاية بافاريا في جنوب ألمانيا
وتُعرف بثقافتها الغنية وتقاليدها البافارية القوية
بالإضافة إلى الهندسة المعمارية الجميلة
فهناك العديد من الأنشطة و الأماكن لزيارتها
أراكم في الفصل القادم ... وداعاً 🍂
رافليسيا