" أحياناً ، يربّي فينا الألم نضجاً لا تمنحه السنين "
●
.•
°
لم أشعر سوى بجسدي يتحرك من تلقاء نفسه نحو ذلك المصنع .
كُنت اخشى كثيراً أن يصيب ماكسيم أي مكروه !سأصبح حينها شيطان الموت حقاً ، لا أريد لأحدهم أن يتأذى بسببي مجدداً ..
لا أدري كيف بدأ الأمر لكن كلاهما كان يحتل حياتي و منزلي ببطء وقبل أن أدرك حتى ، غديا مهمين لدرجة تخيفني .
أقترابهما مني ليس جيداً .. قد يمنحني وجودهما الدفء الذي غاب عني ، لكنه دفء قاتل فكل من يخطو نحوي ، يمضي بعد ذلك نحو نهايته ، ربما أنا ظلّ للموت.
عند وصولي للمصنع ، لم أفهم في البداية ما كُنت أنظر إليه . الدم هناك ، بلونه الفاقع وسط العتمة يسيل ببطء. كم اكره ذلك اللون و تلك الرائحة. شعرت برغبة في التقيؤ ، لكنني تماسكت قليلاً .
ما أراه :خنزيران ، ظلام ، كايدن ، دماء ، جسد ملقى .
ما أسمعه : صوت ألم ، صوت تنفسي ، صرخة كايدن ، وحركة ظل .
ما المسه : الجدار ، ردائي ، شعري .
شيئان اشمهما : رائحة الدماء ، البارود .
شيئاً اتذوقه : اخرجت علكة وبدأت بمضغها .
ما أفعله الآن ليس جنوناً ! بل هذه طريقتي في الهدوء
تُدعى بطريقة العودة للواقع : خمسة اشياء تراها ، أربعه تسمعها ، ثلاثة تلمسها ، اثنان تشمهما ، واحد تتذوقه .
ما جعلني أشعر بالفزع كان ماكسيم الذي يضغط على بطنه بيده وينظر إلى زواية الظل الواقف، إذاً هناك من تبعنا عليهم اللعنة !
اقترب كايدن من ماكسيم بخوف واضح فهو يرى دمائه كنهر حوله ، بدأ بالضغط برفق على مكان الطلقه وهو يصرخ بأسم ماكسيم " أنت ، أنظر إلي لا تغلق عينيك."
دون وعي اقتربت من جسدة الملقى على الأرض، الذي
قد طُمس جزءً منه بالتراب ، لم أمد يدي للتأكد من نبضه لم أرغب بذلك ؛ أكتفيت من الخسارة دوماً .
أتخذت قراراً لا رجعه فيه ، التقطت سلاح ماكسيم من الأرض ، لم أقل كلمة بل اطلقت على ذلك الظل أمامي دون تردد ، ولم أسمع سوى صوت جسده يسقط ، أعلم بالفعل أنني قتلته ولكنني لست نادمة على الإطلاق .
تعالت أصوات الدهشه من كل مكان حولي ، هل ظن أحدهم لوهلة أنني لن أفعلها ؟! عشت حياتي مع إدوين
هل كان سيتركني دون تعليم ؟! ذلك الإدوين لم يهتم بأي شيء في هذه الحياة غير أن أتعلم ما يحميني ، لانه يعلم بأنه سيرحل في يوماً ما ، تاركاً إياي بمفردي ...
خضتُ تدريبات صارمة طوال السنوات التي عشتها برفقته ،هو كان عائلتي الوحيدة و أنا كُنت آخر ما يملكه.
اما الجرذان الآخران، الذي طغى عليهما الشحوب فالدور الآن من نصيبهما . ضحكت ضحكة حادة قليلة الصوت ، ابتسامة لا تنم عن فرح بل عن الجنون الذي يتبعه .
" ستندم ، أنت وقطيع الخنازير على العبث معي أعدك "
لم يعد الأمر مجرد رغبة في الإنتقام ! بل رغبة استعادة ما سُلب مني ، رغبة في معرفة الحقيقة الكاملة مهما كانت موجعة . هذه مجرد البداية لحسابٍ قاسٍ سيطال كل من جرأ على العبث معنا ، كل من خطى على رمادنا.
" إن نسيتم أنتم ما فعلتموه بنا ، فرمادنا لم ينسى . "
جلست قبال مايلز والذي كان يرتعش خوفاً ، تنفست ببطئ " كايدن ، أذهب الآن عليك أن تُسعف ماكسيم إن فقد الكثير من الدماء فقد .. نفقده ، أذهب الآن !"
" لا أستطيع ترككِ بمفردك ! لا أستطيع ! "
" عليك الذهاب الآن فوضعه خطير! سأكون بخير أذهب"
تردد لبعض الوقت ، ولكن حاله ماكسيم تفاقمت ، لذا اضطرر إلى اتخاذ قرار بالمغادرة فوراً . حمله بسرعه و شرع في الابتعاد ، بينما ظلت عيناها تتبعهما إلى أن اختفيا من مرمى نظرها. اقتربت من مايلز وهي تضع السلاح على جبينه :
" لن أعيد ما سأقوله لذا استمع جيداً . إغضابي لن يكون في صالحك بتاتاً . كل سؤال سأطرحه عليك ستجيبه دون تفكير و دون اعذار او توقف هل فهمت ؟! "
اكتفى بإيماءة مرتجفة ، والخوف بادٍ على وجهه ، ابتلع ريقه ببطء ، سألت بصوتٍ منخفض ، تتفحص ملامحه
" أين أماكن المختبرات الذي تم نقل الاطفال إليها ؟! "
تجمّد في مكانه ، حدّق بها كأنه لم يسمع جيداً. كان السؤال كصفعة ، لكن وقعها تضاعف لأنها خرجت من فمها هي بالذات . ارتجفت نظراته وتشنّجت ملامحه .
"لا أستط..يع..الإ..جا..به "
أبتسمت بحده ، أطلقت على فخذه " لم يكن هذا ضمن القواعد ، إن خالفت قواعدي مجدداً فستكون في رأسك"
دوّى صراخه في المكان ، حاداً و مفاجئاً، أمسك بفخذه بقوة ، والعرق يتصبّب من جبينه ، يتلوّى من الألم .
" هل هو مؤلم ؟ إذاً أنت أيضاً تتألم ،تماماً كما كُنا نحن.
أتساءل ، ما مقدار الألم إذا احرقتك وانت حي ؟
أتعلم؟ ثمة سرّ صغير سأبوح لك به ...
أنا أحب أن أجيب تساؤلاتي بالتجربة. أخبرني ، هل أجربها عليك ؟ ما رأيك ؟ "
نظراته كانت مفزوعه ، وهو يزحف إلى الوراء ، تاركاً أثر
دمائه على الأرض ،لم يكن يتصور أن أحد أولئك الأطفال سيكون سبب نهايته " أغفري لي ، أرجوكِ لا تقتليني ! "
" ربما سأفعل إن لم تتبع قواعدي ، أيها الوغد السافل "
" سأجيب عن كل ما تريدينه ، أرجوكِ ! أمنحيني فرصه"
" أماكن المختبرات ؟ أين هي ؟! "
تنهد بإستسلام ، وصوته يرتجف وهو يجيب عن أسئلتها
" تم نقلها جميعاً إلى مُختبر واحد ، في منطقه المالك
( Ruby Mine Town)
هي المنطقة المملوكة للسيد المالك ، لا يعرف الكثير عنه
ولكنها منطقة من مدن الأشباح ، دخولها مهمه مستحيله"
" لم أطلب رأيك ! هل المزعوم بأنه المالك هو ذاته سيد الدار؟ .. او بالأحرى مكان العينات البشرية .. أي نحن "
" نعم ، نحن لم نكن سوى مستثمرين في أعماله، العمل بجانبه ليس حظ يملكه الجميع ، أنتم أحد مشاريعه "
ركلته بقوة ، وضغطت برجلها على مكان الرصاصة ، رمقته بإزدراء "لم أطلب رأيك أيها السافل ، هل تفهم !"
جلست بهدوء وهي تنظر إليه ، تنفست ثم أكملت كلامها
" من أمر بإحراق ذلك الدار ؟ و قتل كل من هناك ؟ "
" السيد المالك ، أنا نفذت الأمر فقط ...لا أكثر ولا أقل"
" طبعاً ... أنتم لا تُعدون سوى قطع خنازير في لعبةٍ دنيئة يلعبها هو. سؤالي الأخير هل شعرت بالذنب يوماً؟ ولو لمرةٍ واحدة ؟ "
خَفض رأسه بتردّد ، و كلماته عجزت عن الخروج ، نظرت إليه ببرود ، أبتسمت بخفة ساخرة وهي تقول :
" لم أتوقع منك أن تقول نعم . فمن أحرقهم أحياء في ذلك اليوم ، يستحيل أن يشعر بالذنب.
كإتفاقنا المسبق ، لن أقتلك الآن، ولكن قد أفعل إن ظهرت أمامي، فلتثق تماماً أن أرواحهم ستطاردك إلى الجحيم."
تراجعت كتفاه للخلف ، أنزل رأسه للأسفل ، متجنباً نظراتها له؛ كل شيء حولهما كان ساكناً عدا صوت انفاسه المضطربه.ابتسمت بخفّه ، أدارت ظهرها، غادرت دون ان تلتفت. وقع الإجابات كان ثقيلاً عليها مهما تظاهرت بالقوه.
تباً، كيف سأغادر الآن؟ لقد نسيت تماماً أمر السيارة.
ماهذا ؟ أليست تلك سيارات ؟ ماذا تفعل هنا ؟ لا يعقل
هل هم هُنا من أجله؟
تسللّت للخلف حتى وجدت موقعاً آمناً يتيح لي رؤية ما يجري داخل المصنع دون أن يُكشف أمري .
ينتابني الفضول لمعرفة من هؤلاء ؟ ماذا يفعلون هنا ؟
لكنني فوجئت حين رأيت عدداً منهم يدخل المصنع، و كلٌّ منهم يحمل سلاحاً بيده ، ما الذي ينوون فعله ؟! توقفت عن التفكير عندما سمعت تلك الكلمات ، و كأنها سكين اخترقني :
"بناءً على أوامر السيد المالك ، تُلغى صلاحية عضويتك. ونظراً لانكشاف هويتك ، سيتم تنظيف الفوضى ، نُقدّر مساهمتك السابقة في أعمال ومشاريع سيد الظل.
صامت - 7-العضو المميز ( المُطَهَّر) باسم سيّد الظل التطهير يبدأ."
دوّى صوت إطلاق النار مرتين متتاليتين ، وقفتُ أنظر بذهول، توقف الوقت لبرهة، هل سمعته حقاً يقول :
《السيد المالك》 هل أعدمهما بتلك السهولة ؟!
هؤلاء الاوغاد هم المفتاح لإيجاد المصنع. سمعت في داخلي عقلي يصرخ: لا وقت للوقوف، ما رأيته للتو يغير كل شيء. أستجمعت أنفاسي ، سأذهب لا محاله للموقع .
يجب أن أصل إلى كايدن الآن ؛ ليأتي ويأخذني. أريد الإطمئنان على ماكسيم ثم أغادر ، لا وقت لأضيعه.
حفظت رقم لوحة إحدى السيارات التي ظننت أنها لقائدهم. ذاكرتي سريعة في الحفظ ، لكنني أنسى ما لا يجذبني. بدأوا بالمغادرة ، فتسللتُ إلى داخل المصنع.
ثلاث جثث ملقاة هناك . التقطت هاتف مايلز لكنه كان مقفلاً ببصمته ؛ أمسكت بيده فَفُتح الهاتف.
وقبل أن أفعل أي شيء ، رفع مايلز يده المليئة بدمائه إلى وجهي، نظر إلي وهو يحتضر ، كان يهمس وعيناه مليئة بالدموع :
"أنا آسف ... عزيزتي ... لم أستطع أن أُنقذك ...وامتلئت روحي بالخطايا..لن ألتقي بك حتى بعد موتي اغفري لي"
شعرت بقلبي ينقبض ، ما الذي يقوله ؟! هل يظنني شخص آخر ؟ عندها رأيت عيناه تُغمضان للأبد ...
أدخلت رقم كايدن الذي كُنت قد حفظته أكثر من اسمي
سمعته لمرة واحدة فقط يقوله ، ومُنذ ذلك الحين وهو محفوظ ومنقوش في عقلي.
انتابني شعور بالأمان والدفء ، غمر قلبي عند سماع صوته ، و ابتسامة لا إراديه ارتسمت على وجهي .
- " مرحباً ؟ "
-"كايدن ،هذه أنا ..أوديسا، هل يُمكنك المجيء لأخذي؟"
سمعت صوته على الفور ، كان خائف و غاضب و متعجل:
-"أوديسا ، هل أنتِ بخير؟ أنا قادم على الفور، ابقي في مكانك، لم أرغب بتركك ، اللعنه على هذا الحظ وعليهم!"
كان صوتها هادئاً ،لكنه غريب و استطاع كايدن الشعور بهذا، وهي تقول له : " لا تُغلق الهاتف ... ابقى معي."
توقف للحظة عن الكلام، و ارتسمت على وجهه علامة القلق. شعور غريب انتابه، هناك أمرٌ ليس صحيحاً.
-" أوديسا؟ أنا هنا .. أسمعك، لا تقلقي. الهاتف لن يُغلق."
كان يتحدث معها، يطمئنها على وضع ماكسيم. إلا أنه عند وصوله وجدها جالسة على الأرض بجانب جثة مايلز
الهاتف بيدها ، و وجهها بلا تعبير ، ملطخ بالدماء.
توقف كايدن، ينظر للمكان من حوله ، بـدهشه و فزع، عندما غادر المكان كان مايلز و حارسه بخير ، لكن وجهها الخالي من التعبير ، الملطخ بالدماء ، جعله يتساءل :
هل أُصيبت ؟ ما الذي حدث ؟! كل تلك الأسئلة تأكله.
ما يراه الآن جعله يُصاب بصدمة عميقة، و عجز عقله عن الاستيعاب.
لم يكن الأمر مجرد جثث و دمـاء ، بل بحالـه أوديسـا نفسها؛ الجلوس بلا حراك ،و دون أي رد فعل جعلته يشعر بالرعب والخوف عليها. بخطـواتٍ سريعه اقترب منها عانقـها بقوة ، يهمس بصـوتٍ منخـفضٍ يمـلؤه القلـق :
" أوديسـا .. آسـف .. أنا آسـف .. هل أنتِ بخير ؟! ماذا حدث ؟ هل هذه دماؤك ؟ هل أُصبتِ بأي مكان ؟ أوديسا
هل أنتِ بخي ... "
لكنـها أجابت بهدوء ، بنبرة بـاردة رغم كل ما حـولها :
" كايدن .. تمالك نفسك ، أنا بخير. هذه دماء مايلز، لست أنا من قتـلهم ..."
" يا إلهي ... أوديسا ، الحمد للرب أنكِ بخيـر ! كدت أفقد عقلي ... لم أكن لأحتـمل فقدانـك ، إيـاكِ أن تفعلي شيئاً كهذا مجدداً ... لن أتحـمل."
كان قلـبها يرفرف بسعادة خفـية، شـعور بالارتياح لأنه جـاء ليخرجها من المكان، لكنه لم يظهر على وجهها ولا في صوتها. لم ترغب بأن ينغمس في مخاطرها أو يتورط أكثر في عالمها المظلم ، خاصـة بعد أن أصبحت تملك معلومات هامة وخطيرة عن 《سيـد الظـل 》فتمسكت بالهدوء والصمت، تاركة شعورها الداخلي مخبوءًا خلف حواجـز البـرود.
إن علم سيد الظـل او بالأحرى ويليام عن أنها بخير ، بل أنها حتـى تمتلك أشخاصاً تعتز بهم فسيجعلها تدفنهم ،و ربـما قد يقتلها قبل ذلـك.
ابتعدت عنه بهدوء، و نهضت ببطء، تُلقي نظرة على المكان الذي شهد كل شيء و ستدفن فيه الحقيقة . ثم غادرت برفقه كايدن المكان بأكمله، كانت تحمل هاتف مايلز، مسحت كل الآثار ، ثم رمته بعيداً.
و بينما كانا في السيارة، والصمت سيد الموقف، نطقت أخيراً ، بصوتٍ باهتٍ خالٍ من أي شعور :
"كايدن ...أريد الذهاب إلى المستشفى، ثم إلى منزلي. "
أوما برأسه، بينما كان يسترق النظرات إليها بين حينٍ وآخر طوال الطريق، صمتها وهدوئها الغير اعتيادي كان قاتلاً له.
في المستشفى، كان ماكسيم يرقد تحت العناية المركزة بعد عملية إزاله الرصاصة. كانت عائلته متواجدة هُناك ؛
والدته السيدة ديانا ، و والده السيد كايل، وشقيقه الأكبر موريس ، و شقيقته الصغرى مارلين .
كانت هذه أول مرة ترى فيها عائلة ماكسيم وجهاً لوجه ،
بعد أن كانت تعرفهم فقط من قصصه و أبتسامته حين يتحدث عنهم.
في ردهة المستشفى، ساد الصمت عدا صوت أجهزه المراقبة خلف الزجاج.
السيدة ديانا كانت تقف قرب الباب، يديها ترتجفان وهي تهمس بصلواتٍ متقطعة، وكايل يقف إلى جانبها، ملامحه جامدة لكن عينيه تشيان بخوفٍ عميقٍ يحاول إخفاءه.
أما مارلين، شقيقته الصغرى، فكانت تجلس على الكرسي تجهش بالبكاء، وجهها مبلل بالدموع، و تغطيه بيديها.
إلى جوارها كان موريس، متصلّب الملامح، يضغط على فكّيه في صمتٍ مشحون، الغضب والحزن يتصارعان داخله.
على الرغم من تهوره و كونه يُلقب بـ مجنون التحقيق ، كانت عائلته تقف إلى جانبه دائماً. وتوبخه والدته في كل مرة تراه خارجاً إلى عمله، خوفاً وقلقاً عليه ، بينما لا تتوقف مارلين عن إزعاجه بمقالبها السخيفه.
اما والده فكان دوماً يقول له:
" إذا تعبتَ يا ماكسيم ، فتذكّر أن فخري بك لا يتغيّر
وإن خذلك العالم ، فتذكر أنني أؤمن بك... دائماً."
موريس و ماكسيم كالتوأم، يفكران بالطريقة ذاتها ، حتى طريقة سيرهما كانت متطابقة ، و أسرارهما تُدفن بينهما لا يفهم أحد في هذا العالم موريس كما يفعل ماكسيم.
وقفت أوديسا على بعد خطوات، تنظر إليهم جميعاً، تشعر بشيءٍ يعتصر قلبها ببطء.
كل هذا الألم... كان سببه العالم الذي تنتمي إليه، القرارات التي اتخذتها، والكذب الذي عاشته.
كانت تتمنى لو أن نظراتهم لا تمر عبرها وكأنها الهواء، لو أنها تملك الحق في الحزن مثلهم، لكن الذنب كان ثقيلاً لدرجة أنه خنق كل شعورٍ آخر.
رفعت عينيها نحو الزجاج الفاصل لغرفة العناية، هناك يرقد ماكسيم متصلًا بأنابيب وأجهزة، وجهه شاحبٌ وهادئ عكس طبيعته الحيويه.
عندها فقط شعرت أن ما تبقى من شجاعتها بدأ يتهاوى
تقدم نحوها السيد كايل ، والذي كان أول من تحدث إليها
نظر إلى أبنه، ثم قال بهدوء و ثقة :
" أنتِ الآنسه أوديسا، أليس كذلك؟ "
أومأت بخفة، و عيناها للأسفل، لا تزال آثار الدماء على وجهها و ملابسها ويديها واضحة. اقتربت السيدة ديانا عانقتها و هي لا تزال تبكي ،ثم تحدث السيد كايل بنبره هادئة مهدئة :
" تذكري يا صغيرتي ، ماكسيم لا يزال بيننا... ولن نفقده"
اغرورقت عيناها بالدموع ، تمالكت نفسها، ثم همست :
" أنا آسفة... إنهُ خطئي... لو لم يرافقني ، لما تأذى. "
ردّت السيدة ديانا بحنو، و وضعت يدها على كتفها :
" لا بأس ، صغيرتي... المهم أنكِ بخير. أنتِ عزيزة على ماكسيم أيضاً علينا. هل أُصبتِ ؟ هل هذه دماؤك ؟ "
أجابت أوديسا بصوت خافت :
" أنا بخير ...عن إذنكم، سأغادر. و إن كان هناك أي خبر، فأرجو إعلامي ، سأعود مجدداً "
اقتربت من الزجاج الفاصل ، تمتمت ببعض الكلمات وهي تنظر لـ ماكسيم ثم غادرت. تبعها كايدن، وضع يده برفق على كتفها ،و نظر إليها بعينان لامعة حزينة ، ردف بهدوء:
" سأوصلك إلى المنزل ،أعلم أنكِ متعبة من كل ما حدث"
أجابت بنبرة باردة ، دون أن تنظر له ، بينما تأخذ المفتاح من يده: "لا داعي ، أستطيع الذهاب بمفردي."
قبل أن تستدير لتُكمل طريقها ، أمسك كايدن بيدها ، نظر إليها بِـ إصرار ثم نبس:
" لا، لن أسمح لكِ بالذهاب بمفردك. ولا حتى خطوة واحدة، إما أن أوصلك أو ستبقين معي هُنا. "
" كايدن، أنا لست طفلة ! أستطيع الذهاب بمفردي. "
" لن أدعكِ تذهبين بمفردك ، لا تحاولي عبثاً. "
رفعت اصبعها نحوه بتهديد " ستوصلني فقط. "
ثم رفعت حاجبها "و الآن إن سمحت لي باستعادة يدي"
" اوه .. المعذرة ... لم اعنـي أنـ "
" لا داعي للاعتذار ... لا أريد البقاء هنا كثيراً. "
في السيارة ، كان الصمت يعم المكان . دون أي مقدمات مدّ كايدن يده إلى جيب معطفه، أخرج كيس حلوى صغير ، ثم قدمه إليها بخفةٍ قائلاً بنبرة دافئة :
" تفضلي ، كُنت أنوي إعطاءك هذا صباح اليوم ، لكنني نسيت."
ترددت للحظة قبل أن تأخذه، نظرت إليه بصمتٍ، فـ تابع
حديثه وهو يشيح بنظره للطريق أمامه:
"لا أعلم ما الذي حدث هناك ، لكن هل يمكنكِ أن تُخبريني؟ لا أستطيع الجلوس مكتوف اليدين وانتِ بهذه الحاله ، أوديسا."
تنفست بعمق، أمالت رأسها نحو النافذة، تتأمل السواد الذي يخفي الطريق ، ارتسمت على شفتيها ابتسامة حزينة، ثم همست بصوتٍ مبحوح وهي تنظر إليه:
" كايدن، أود الإحتفاظ بهذا الأمر لنفسي . أتدري ماهو شعور الدفء ؟ إنه ما أشعر به في كل مرةً أكون بجانبكما ..."
صمتت للحظة، ثم تابعت بعينين غارقتين في الألم:
" لكن أتدري ما معنى كونك نذير سوء ؟ ظلاًّ للموت ؟ كل من يقترب مني يتأذى، يموت ... هذا ما أنا عليه، و السماح لنفسي بالعيش حياة عادية كان خطأ مُنذ البداية"
ارتفع صوته، وقد بدا عليه الغضب الممزوج بالذهول:
" ماذا تهذين؟ هل جُننتِ ؟! أتظنين أن وجودك بيننا خطأ
لا تسمحي بماذا .. العيش حياة عادية؟! هذا هراء ، لا تقولي هذا ثانية ! لماذا تفكري بهذه الطريقة الحمقاء؟!"
أشاحت بوجهها عنه، و قالت بصوتٍ مرتجف لكنه حاسم:
" هذا ما كُنت أتغاضى عنه ...لكن إلى متى ؟ إلى أن أجد أحدكما قتيلاً ؟! لن اسمح بذلك ، لن أدعهم يعبثون معي سأريهم ما معنى أن تنهض من رمادك!. "
" ماذا تعنين بهذا ؟ من يعبث معك ؟ ماذا يحدث لك ؟ "
توقفت السيارة أمام منزلها ، نظرت إليه بصمتٍ لبرهة ثم همست بصوتٍ خافتٍ متعب :
" لا عليك، كل شيء سيكون بخير فقط إن ابتعدتما عني.
أنا ساجلب لكما الحزن فقط لذا...وداعاً ، كُن بخير... "
ظنت أنهُ سيُغادر، و يتركها لكنه كـايـدن، لا شيء يوقفه خاصةً إن كان الأمر يتعلق بـِ آسره قلبه كُله، كماله،اكتماله
『لهـا مكانه خاصه بروحـي، و قُربي لا تـليق بغيـرهـا.』
تبعها بعينيه وهي تسير بخطواتٍ بطيئة نحو باب المنزل،
ثم ما لبث أن ترجل من السيارة وجلس على عتبة بابها، رفع رأسه نحو القمر وقال بنبرةٍ حازمة :
" سأبقى هُنا للحراسه، لذا فلتنامي مطمئنه .. لن يزعجك أحد . ولا تحاولي الرفض لأنني اتخذت قراري بالفعل ."
توقفت بخطواتها عند الباب ، أغمضت عينيها لثوانٍ طويلة. لم تلتفت ،لكنها شعرت بوجوده خلفها، بالأمان الذي تخافه. همست بصوتٍ مبحوح بالكاد يُسمع :
"
كايـدن ... لماذا تُصرّ على البقاء؟ لمَ تُعذّب نفسك؟"
أجابها دون أن يرفع عينيه عن القمر ، عينيه الزرقاوان التي يغطي الظلال جزءً منها ،و طوله الجذاب الذي يبرز هويته الألمانية :
" لأنكِ اختياري ، لأنكِ أنتِ ، هيا اذهبِ للنوم يا أرنوبة."
أنا كاذب، أنتِ فوضاي الجميلة أودي، اختيار قلبي وعقلي
لكنني لا أجرؤ على البوح بما يثقلني، أخشى رفضكِ لي كثيراً ، او ابتعادك عني ، و رسم حواجز تقتلني ...
لا أريد أن تكوني لأحد آخر غيري، اكره التفكير في هذا.
التفتت إليه أخيراً ، كانت عيناها غارقتين بالدموع ، لكن ملامحها صلبة ، تخشى الانهيار أمامه.
اقتربت خطوة منه ، ثم قالت بنبره مهتزه :
"ستندم ، يوماً ما ستندم على معرفتي ... حين تُدرك كم الالم الذي جلبته لك."
ابتسم بخفه ، اقترب منها ، تلاقت عينيهما لثوانٍ طويلة
نظراته نحوها لامعه مليئة بالحُب والحزن ، و نظراتها نحوه مليئة بالحزن و اليأس ، عينيها كعـيون الارانب .
لطالما تأملها كايـدن وكأنها لـوحة ثمينة لا تُرسم مرتين .
" سأندم فقط إن تركتك وحدك الآن، أدخلي للداخل هنا الجو بارد ، هل أنتِ جائعة؟ أستطيع طهو كل ما تفضليه"
صمتت ، ادارت وجهها ببطء ،و دخلت المنزل تاركة الباب
موارباً خلفها: " هل ستدخل ؟ أم أنك تراجعت ولن تُعد لي الطعام ؟ "
ابتسم بارتياح ، تنفس بهدوء ، ثم تبعها إلى المنزل وهو يقول: " أنا قادم ، أغتسلي اولاً ، عندما تنتهي سيكون الطعام جاهزاً. "
سنجابِ الصغير قفز إلي يعانقني بحرارة ، كدت انسى امره ، لطيفاً للغاية للحد الذي يجعلني أتمنى تناوله.
" توفي صغيري ، اشتقت إلي .. وانا ايضاً ، اممم ماذا فعلت؟ يا للأسف، أنهُ خطأي أنك بقيت وحيداً أنا آسفه.
نعم نعم أعلم ... هل تنعتني بالحمقاء ؟ لماذا؟ هل تخاف من ماذا ؟ حسناً ، لن أدعك بمفردك مجدداً أعدك. "
كانت تتحدث مع السنجاب ، تحت انظار ذلك الواقف....
في مشهداً لطيفاً و حيوي ، المشهد المعتاد لأوديسا التي نعرفها ، أرنوبتنا النشيطة ، اللطيفه ، والقوية.
لا أعلم لمَ ولكنني في كل مرةً أراها لا أستطيع إبعـاد نظري عنها ، لم أشبع من النظر لها ، لتلك الدرجة أنا هائم.
أنا كايـدن ذلك الذي لم يكن يهتم بالنساء ، اُصبح مجنوناً
لِعنقائي المشتعلة ، أرنوبتي المتمردة ، فتاتي الباكية ، من سيصدقني إن قلت هذا؟! لكنني بالتأكيد مجنونٌ سعيد.
حياتي كـ كايـدن لم تكن مثيرة للاهتمام لذلك الحد ،كُنت أعيش كأي ألماني ؛ هدوءٌ شديد، و تنظيم ،حياتي كانت مرتبة و منظمة جداً إلى حد الملل.
لكن مُنذ يوم لقائي بها أصبحت أعيش في فوضى، فوضى جميلة للغاية. لم أكن أتصور يوماً أن تُقلب حياتي رأساً على عقب بسبب شجاعة وجنون و قوة فتاة.
على الرغم من أنها تدفعنا بعيداً عنها ، إلا أنني لا أستطيع الإبتعاد ... الإبتعاد عنها بالنسبة لي أشبه بالإنتحار! فأنا أفضل الموت بالقرب منها على الإبتعاد.
_____________ صباح اليوم التالي ______________
استيقظت اليوم باكراً ، لدي مهمة للقيام بها ، لسوء الحظ ولحسنه فـأن كايدن نائم على الأريكة في غرفة الجلوس
إن أصر على أمراً ما فلا يمكن لأحد إيقافه. أتمنى أن تسامحني لكنني مضطره لفعل هذا.
حضرت أشيائي الهامة ، و أنتهيت من الأستعدادات تبقى فقط آخر خطوة ، ذهبت إلى المطبخ و حضرت وجبة إفطار رائعة ، تبقى فقط أن أوقظ الثعلب النائم ...
اقتربت بخفة وهي تمشي على أطراف أصابعها. كانت تنوي فقط إيقاظه... لكن ما إن رأت كايدن نائماً حتى تجمّدت في مكانها.
ملامحه الهادئة كانت تُربكها دائماً؛ رموشه الطويلة، أنفاسه المنتظمة، وشعره الفوضوي الذي بدا وكأنه وُجد ليُلامس أصابعها.
' لماذا تبدو جميلاً حتى في أسوأ أوضاعك؟ حتى نومك وسيم... حتى فوضاك مرتّبة. يا إلهي، كيف يستطيع أحد أن يكون بهذا الشكل؟! '
انحنت قليلاً تراقب ارتجاف جفونه الخفيف، ابتسامة صغيرة زحفت على شفتيها دون قصد.
' عظيم... الآن حتى طريقة تنفسك تفتنني. لو يعلم أنكِ تجعلينني أبدو حمقاء بهذا الشكل ، كايدن... ليتك فقط تعرف. '
مدّت يدها لتلمس كتفه كي توقظه، لكنها توقفت في منتصف الطريق، ابتلعت ريقها بخفوت.
' مستحيل... كيف كنت أُجادله قبل ساعات؟ وأنا الآن أكاد أذوب لمجرد أني أراه نائماً... لا بأس، فقط دقيقة أخرى... دقيقة واحدة فقط. '
وقفت هادئة، تنظر إليه و الزمن توقّف عندها، ثم تنفست بعمق وهمست :
' لم أقصد التحديق... لكن الأمر يخرج عن إرادتي.
هذا الوجه خُلق ليُربكني كلما اقتربتُ منه ، يا لجماله...'
ثم لامست كتفه أخيراً برفق شديد:
" كايـدن ، كايـدن ... استيقظ ، هيا ايها الثعلب."
فتح عينيه المثقلتين بالنوم، وبدأ ينهض بتكاسل...
ارتبكت لثانية، وأزاحت نظراتها عنه بسرعة، ظنت انها ضُبطت متلبسه ، ثم ابتعدت خطوة قصيرة وهي تُخفي توترها.
تنحنحت بخفوت، محاولةً استعادة توازنها:
"أ... أعتذر، لم أقصد إيقاظك بهذه الطريقة... كل مافي الأمر أنني أردت أن نتناول الطعام سوياً."
رفعت يدها لتعدل خصلة من شعرها بلا وعي، تتظاهر بالانشغال كي لا يلاحظ اضطرابها، بينما قلبها لا يزال يردد ما لم تجرؤ على قوله قبل ثوانٍ.
فتح كايدن عينيه تماماً، رمش ببطء يستوعب ما حوله، ثم نظر إليها... مباشرة إليها.
لم يُفوّت ارتباكها، ولا الطريقة التي تراجعت بها، ولا نبرة صوتها المرتبكة قليلاً.
مال برأسه بخفّة، نصف ابتسامة كسولة ترتسم على شفتيه:
"أوديسا... هل كنتِ تقفين هناك منذ وقت؟"
لم تجبه، اكتفت بأن شدّت قبضتها بتوتر وهي تتجنب النظر إليه.
ابتسامته اتسعت قليلاً، وصوته أصبح أدفأ:
"كنتِ تراقبينني... أوليس كذلك؟ "
شهقت بخفة، نظرت إليه بصدمه ، ثم أسرعت تقول:
"لا! فقط... أردتُ أن أوقظك، هذا كل شيء."
نهض تماماً هذه المرة، ووقف أمامها، قريباً بما يكفي ليُربك أنفاسها، دون أن يلمسها.
قال بنبرة هادئة، منخفضة، لا تقصد الإحراج بل الحقيقة:
"لا بأس... لو فعلتِ.
فلو كنتُ مكانك، لكنتُ أنا أيضاً سأراقبك."
ارتجف قلبها للحظة، ثم أشاحت بوجهها محمرة الخدين:
"اخرس... واذهب واغتسل فقط."
ضحك بخفوت، ضحكة قصيرة دافئة كسرت ما بقي من صمت الصباح. ضربته على كتفه وهي تدفعه للذهاب
' اللعنه على فعلك أوديسا... كيف كُشف أمرك بهذه السرعه؟! تباً تباً... ليتني أصبحت جزره على حماقتي '
أثناء تناولهما الطعام... نهضت أوديسا بهدوء، أحضرت كوبين من القهوة، وضعت لكايدن كوبه أمامه وأمسكت كوبها.
جلست مرة أخرى، أخذت رشفة صغيرة من قهوتها، بينما عينيها لا تفارقانه لحظة واحدة.
كل لحظة كانت تحسبها، متأهبة لأي تحرك مفاجئ.
لا شيء يجب أن يخرج عن سيطرتها، لا يجب أن يتأذى.
كانت القهوة مجرد غطاء، بينما عقلها يركّز بالكامل على مراقبته.
شعر بدوخة مفاجئة، رأسه يثقّل، عينيه تدوران قليلاً ،
حاول التمسك بشيء، لكن العالم بدأ يضباب أمامه، وبدأ كل شيء يختفي تدريجيًا.
كيف أجرؤ أن أراه هكذا؟ كل هذا بسبب قراراتي... كل هذا بسبب تسرّعي.
لكن لن أسمح لأي شيء أن يقترب منهما بعد الآن، لن أترك أحدهما يتأذى مجددًا، مهما كان الثمن.
أعد نفسي... سأحميهما ، حتى لو كلفني ذلك كل شيء.
و بطريقةٍ ما ... أستطعت أن أحمله إلى الأريكة . بل بالأحرى سحبته سحباً ، وبالكاد أستطاع جسده أن يتحمل الحركة . سامحني كل ما افعله الآن لحمايتكما.
انحنيت نحو توفي ، ذلك الكائن الصغير الذي يثق بي .
لقد أصبح جزءً مني ، أحبه كثيراً بالإضافة إلى أنه سريع التعلم ، لطيف للغاية للحد الذي يجعلني أتمنى أكله.
" سنجوبي يا سنجوب متسنجب سنجاب ، ابقَ معه ، احمه إلى أن أعود ، إن أستيقظ أرجوك اسحبه إلى هُنا هذه الرسالة مهمة. هل فهمت سنجوبي؟"
قبلت صغيري وعانقته ، حملت حقيبتي و مفتاح السيارة.
و تنفست آخر نفسٍ قبل القرار الجحيمي...
حان الوقت لكشف الحقائق مهما كلفني الأمر... لا عودة.
_______________ بعد ساعتين _______________
استيقظ يشعر بالألم في رأسه ، وما هي إلا عدة دقائق حتى عاد وعيه بالكامل. تساءل كيف خُدع و خدر هكذا؟
شعوره ممزوج بين الغضب و القلق؛ غاضباً من خداعها له و قلقاً على سلامتها.
أمسك توفي بأصبعه وبدأ يجره إلى مكان ما ... في
البداية لم يفهم الأمر ، لكنه تبع إحساسه الذي لم يخيب ظنه يوماً.
وجد رسالتها ملقاة أمامه، لم يفتح كايدن رسالتها، إذ جاءه اتصال مفاجئ من موريس:
"كايدن، تعال إلى المستشفى فورًا... تم نقل ماكسيم إلى الغرفة العادية. حالته مستقرة الآن، لكن الأفضل أن تراه بنفسك ، لقد طلب حضورك أنت و أوديسا."
تردد للحظة، ثم أخذ نفسًا عميقًا، وعينيه تتجه نحو الرسالة التي لم يفتحها بعد ، فهو لا يعلم حتى إلى أين ذهبت .
" أنا قادم على الفور... علي الحديث معه ، فالأمر مهم. "
_____________ قبل نصف ساعة_______________
بعد ساعات من المراقبة الدقيقة في العناية المركزة، بدأ وعي ماكسيم يعود تدريجيًا.
فتحت عينيه ببطء، و الجو بدا ضبابيًا من حوله، أصوات الأجهزة تنبض في أذنه ، ورائحة المطهرات تملأ المكان.
حرك أصابعه بحذر ، شعر بثقل جسده و كل جزء منه يحتاج إلى استعادة قوته.
اقتربت الممرضة بهدوء، ابتسمت له مطمئنة، بينما كانت الأجهزة تراقب ضغط دمه وتنفسه.
تم نقله إلى الغرفة العادية، حيث الضوء أكثر نعومة، والأصوات أقل حدة.
جلس على السرير قليلاً، يستعيد توازنه، وعيناه تبحثان عن وجوه مألوفة حوله، محاول استيعاب ما حدث.
في الخارج، تنتظر عائلته لحظة دخوله الغرفة، ليجدوه حيًّا، و يعود الأمان لهم تدريجيًا.
عند دخول ماكسيم الغرفة العادية، تجمد قلبه للحظة وهو يرى وجوههم أمامه.
ابتسمت والدته، السيدة ديانا، ودموعها تلمع في عينيها، واحتضنته برفق ، لا تريد تركه أبدًا، بينما همست بحنان:
"الحمد لله أنك بخير يا صغيري، لقد مات قلبي أكثر من مرة بإنتظار رؤيتك بخير..."
أمامه، والده كايل، واقف بنظرة مزيج من الفخر و الراحه ويده تمتد ليلمس كتفه برقة:
"لقد قلت لك دائمًا، فخري بك لا يتغير مهما حدث..."
شقيقته مارلين، الصغرى، لم تستطع كبح دموعها، وعانقته بحرارة، بينما موريس يقف بجانبه، يبتسم ابتسامة خفيفة، لكن قلقه كان واضحاً جدًا.
موريس كان ذا شعر كستنائي، وعينين عسليّتين فاتحتين، طويل القامة، عريض المنكبين، ويتمتع بجسدٍ رياضي صلب اكتسبه من سنوات التدريب المتواصل.
هو بطل ملاكمة معترف به في الساحة الأوروبية؛
فاز ببطولة أوروبا مرّتين، ودافع عن لقبه مرة واحدة بنجاح.
حصل على جائزة "ملاكم العام" في الاتحاد الأوروبي للملاكمة بعد سلسلة انتصارات متتالية أثبت فيها قوته وانضباطه.
وقبل دخوله عالم الاحتراف، أحرز الذهبية في بطولة الهواة في واشنطن، وكانت تلك نقطة التحوّل الرئيسية في مسيرته. ومنذ ذلك الوقت، توالت إنجازاته وارتفع تصنيفه حتى أصبح من أبرز ملاكمي وزنه على مستوى القارة.
موريس، إلى جانب كونه ملاكمًا محترفًا، كان لاعب شطرنج مهووسًا.
يمتلك مجموعة كاملة من الرقع والقطع، ويقضي ساعات طويلة في اللعب حتى عندما لا يجد منافسًا أمامه.
كان يجلس أمام اللوح ويحرك القطع بنفسه، يدرس الخطط، ويجرّب الاحتمالات، كأنه يخوض مباراة رسمية.
الشطرنج بالنسبة له لم يكن مجرد هواية… كان وسيلته لترتيب أفكاره والسيطرة على فوضى يومه.
كان يجمع بين جسد رياضي مدرّب يعرف كيف يتحمل الضربات، و عقل استراتيجي يعرف كيف يتوقع الخطوات قبل وقوعها.
هذه الثنائية، القوة والذكاء، كانت ما تجعله مختلفًا:
ملاكم يعتمد على عضلاته في الحلبة… وذهن لاعب شطرنج لا يهدأ خارجها. جسد قوي ، عقل حاد مثالي .
أما مارلين، فهي لا تقل موهبةً عن أي فرد في عائلتها.
ورغم شخصيتها اللطيفة والأنثوية، إلا أنها كانت واحدة من أبرز متسابقي الدراجات النارية على مستوى أوروبا؛ سرعة، دقة، وثبات لا يشبه مظهرها الهادئ على الإطلاق.
إلى جانب ذلك، كان لجمالها حضور خاص؛ فهي تعمل كعارضة أزياء مستقلة، بملامح جذابة وشعر بني متوسط الطول، وعينين زرقاوين تلمعان بالحيوية، وابتسامة قادرة على تخفيف حدة أي توتر.
ورغم اختلافهم، كانت بينهم رابطة لا تُفكّ. لا أحد يفهمهم مثل بعضهم، ولا أحد يقترب منهم دون أن يشعر بثقل حضورهم.
الاقتراب من أحدهم تجربة… والوقوع في حبهم مخاطرة.
آل هارينغتون استثنائيين بجيناتهم ، متناقضين لهم قوة تُسحر وتربك، تجذب وتخيف، تترك أثراً لا يمكن نسيانه.
«إن مرضت بحب أحداً منهم ...فلا يوجد لمرضك علاج»
لم يمضِ سوى ربع ساعة، حين دخل كايدن المستعجل إلى الغرفة. وعندما رأى ماكسيم في حالة جيدة، زفر بارتياح، وسلم على عائلته بسرعة. خرج السيد والسيدة هارينغتون لمتابعة الطبيب، بينما جلس كايدن مع موريس ومارلين بالقرب من ماكسيم.
تحدث كايدن بقلق:
"لم أجدها… أوديسا. وضعت لي المنوم في المشروب وغادرت. عندما أوصلتها الليلة الماضية إلى المنزل كانت تتحدث بكلمات غير مفهومة… كل ما استطعت فهمه منها أنّ هناك من يتبعها، وأنّها اكتشفت شيئًا ما… لا أعلم إلى أين ذهبت بمفردها! "
خاف ماكسيم عليها، ونظر إلى كايدن بعينين متسعتين مليئتين بالقلق:
"كايدن… هل وضعت أداة التتبع التي أعطيتك إياها؟ لأنها ستكشف لنا بسهولة موقعها… تبًا لكل هذا، علينا الوصول إليها سريعًا!"
تنهد كايدن، وجهه متوتر قلق ، نبرته منخفضه :
"لم أستطع وضعها… لم تأتني الفرصة. لكن هناك ما يقلقني… هناك أمر ما ليس صحيحًا… لا أشعر أن ما سيحدث سيكون جيدًا."
نظرات موريس ومارلين كانت متسائلة. قطعت مارلين الصمت، وسألت بارتباك:
" ماذا يحدث؟ ماذا حدث لأودي؟ "
تنفّس ماكسيم بقلة حيلة، مرّ يده على جبينه ثم قال بصوت منخفض وحاسم:
"اسمعاني جيدًا… ما سأقوله يجب أن يبقى بيننا. أخبرتكما لأننا نحتاج مساعدتكما، وليس لأن الوضع بسيط.
أنا لا أستطيع الخروج والبحث بنفسي، لكنكما… أنتما ستقومان بما كنت سأفعله لو كنت واقفاً على قدمي."
نظر إليهما بجدية أثقلت الجو كله :
"إياكما أن تتعرضا للأذى. ساعدا كايدن، وابقيا معًا… أما أنا فسأحاول الوصول لموقعها من هنا."
وبعد أن أنهى ماكسيم سرد القصة، بدأ الجميع بجمع أشيائهم للانطلاق مع كايدن. وعندما أوشك كايدن على فتح الباب، دخلت امرأة من الباب برفقة ثلاثة رجال ضخام القامة، جميعهم يرتدون بذلات سوداء، وعينها محمية بنظارات شمسية، شعرها مربوط على شكل كعكة، وملامحها صارمة وجادة.
"محقق الشرطة ماكسيم هارينغتون، والإطفائي كايدن إغناز، عليكم التعاون معنا للإمساك بالمجرم الدولي «الشبح» الذي تورط في اغتيال أحد أعضاء الكونغرس الأمريكي خلال مهمة دولية حساسة. نحن من مكتب التحقيقات الفيدرالي FBI."
ساد الصمت للحظة، ثقيلًا كأنه سقط على صدورهم دفعة واحدة.
مجرد ذكر الـFBI، واتهام «الشبح» بالاغتيال، جعل الهواء في الغرفة يضيق.
تبادلت العائلة النظرات…
موريس شدّ على قبضة يده بلا وعي، مارلين ابتلعت ريقها بعسر،وماكسيم شعر ببرودة حادة تسري في ظهره.
اما كايدن وقف ينظر لها بعدم استيعاب، لم يكن أيٌّ منهم مستعدًا لهذا.
القلق ضرب قلوبهم بقوة… ليس خوفًا من المكتب الفيدرالي نفسه، بل من حقيقة أن «الشبح» التي يبحثون عنها الآن—والتي يحمّلونها جريمة لم ترتكبها—
قد تكون في هذه اللحظة وحدها، مطاردة، بلا حماية ، لا يعرفون حتى موقعها…وهم عاجزون عن قول كلمة واحدة تكشفها او تكشف هويتها.
لم يعلم الـFBI شيئًا عن هويتها، لكن ذلك الجهل جعل الأمر أخطر.
فكل خطوة تخطوها أوديسا الآن، وكل طريق تسلكه،
قد يضعها مباشرة في فوهة بندقية لا تميّز بين مذنبة وبريئة.
الخطر لم يعد مجرد مهمة… أصبح سباقًا مع الزمن،
سباقًا لإنقاذها قبل أن يصبح اسم «الشبح» مرادفًا لدم لم تُرقه…
شدّ موريس قبضتيه، ونظر إلى مارلين وكايدن اللذين استلما الرسالة مباشرةً، قبل أن يشرعوا بالتحرك نحو عملاء الـFBI بغضب و النية كانت ضربهم.
لكن صوت ماكسيم أوقفهم، ثابتًا وهادئًا رغم التوتر:
"ما الذي تريدونه منا بالضبط؟ ما شأننا بالشبح؟"
توقفت الحركات للحظة، بينما أعين الجميع تتجه نحو القائدّة، منتظرين الرد، والقلق يكتنف الجو.
قالت العميلة بهدوء وحزم:
"لقد رصدنا وجودكما في المكان الذي حدثت فيه جريمة الاغتيال، لذلك نعلم أنكما كنتم برفقة الشبح. لا تحاولا الإنكار."
نظر كايدن إليها مباشرة وقال بغضب:
"ما الذي يجعلكم تعتقدون أنه الشبح؟! لا يوجد دليل على أنه الشبح !."
ردفت العميلة بهدوء:
"الجثث كانت خارج المصنع، والمكان محترق تمامًا بذات الطريقة التي نفذها الشبح. هذا وحده دليل كافٍ ، و سنعلم إن كان المفتعل هو الشبح منكما."
زفر كايدن ببطء، كان يحاول السيطرة على غضبه قبل أن يتحدث، ثم قال بنبرة ثابتة:
"لن نفصح عن شيء… لا أثق بكم.
لكن إن كنتم حقًا تريدون الإمساك بالجاني الحقيقي
— ليس مجرد مطاردة ظل— فسنخبركم بما نعرفه."
ساد صمت قصير في الغرفة، تبادلت خلاله عميلة الـFBI نظرة سريعة مع رجاليها، ثم تقدّمت خطوة، مائلة رأسها بخفة وهي تحدّق في كايدن بتركيز.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة قصيرة، غير معروفة النية:
"لهجتك الإنجليزية ثقيلة وجذّابة، أيها الألماني الوسيم."
__________ بالقرب من موقع المختبر __________
أنا… أوديسا.
الفتاة التي خدرت كايدن وغادرت، وتركت خلفي كل ما يربطني بالأمان.
وصلت إلى هذا المكان منذ ساعة كاملة… ساعة كنت أراقب فيها كل شيء بصمت.
المكان هادئ بطريقة لا تُطمئن… هدوء يشبه السكون الذي يسبق الكارثة.
لا يسمع فيه سوى صوت الحديد وهو يرتفع لينزل، يفتح ويُغلق، ليُفسح الطريق لسيارات تعبر البوابة الرئيسية.
كانت تلك السيارات تدخل ثم تغادر واحدة تلو الأخرى… حتى أدركت أن الوقت قد حان.
إن كان هناك مدخل يمكن أن يتسرب عبره الشبح… فهو المدخل الخلفي.
من الخارج، يبدو المكان مهجورًا، ميتًا… لكنني أعلم أن الحقيقة كلها تحت الأرض.
هناك… في الأعماق، تحدث الأشياء التي لا يجب أن تُرى.
من الخارج تبدو المنطقة مجرد أحياء مهجورة:
— شوارع متشققة
— بيوت بلا نوافذ
— أعمدة إنارة مطفأة منذ سنوات
لكن أسفل هذا الخراب كله… النظام مخفي بإحكام.
قابلت عجوزًا يعيش في هذا الحي منذ أكثر من ثلاثين سنة، يرفض مغادرته مهما ساءت حالته. ملامحه تحمل تعب المكان، لكنه ما زال يرفض أن يترك بيته. كان يجلس أمام باب منزله المائل يحتسي شاياً أسود.
سألته عن المبنى الذي عليه الشعار الممسوح وحولُه كاميرات صدئة. … عن المداخل… عن الطرق التي لا يعرفها سوى من عاش هنا طويلًا. تنهد وقال:
" ليس كل شيء صدئ هنا… بعض الأشياء صدئة من فوق فقط، لكنها تخفي ما لا يخطر على عقل أحد."
وضعتُ يدي على فمي للحذر، ثم قلت: "وصلت الرسالة، وأنا هنا لأكشف ما يخفونه هُنا. هل يمكنني البقاء في منزلك إلى قرب حلول الليل؟ لم يتبق الكثير لغروب الشمس."
ابتسم بخفة، وأجاب: "بالطبع، لكن احذري… الأرضية ليست مستقرة دائمًا، وبعض الزوايا قد تنهار إذا لم تتحركي بحذر. يبدو أن لديكِ قصة طويلة ..."
" نعم ، قصة طويلة غير مفهومة... هل تريد سماعها؟ "
أومأ برأسه ، و نهض إلى الداخل. بعد لحظات عاد وهو يحمل كأس شاي ناوله لأوديسا بأبتسامة مريحة ملامحه تلك هادئه ،كل خط مرسوماً على وجهه كان دلالة لعمره.
بعد ساعة من تبادل الأحاديث، بدأت الشمس بالغروب. وضعت كأس الشاي برفق جانبها، ونهضت وهي تبتسم وتقول له:
"لتصلي كثيرًا لي… أتمنى أن أنجح."
ابتسم لها بخفة، لكنه لم يقل شيئًا، فقط أومأ برأسه. كانت ملامحه تحمل مزيجًا من القلق والترقب.
أخذت نفسًا عميقًا، وضعت حقيبتها على الكتف، وأمعنت النظر نحو المدخل الخلفي للمبنى، حيث الهواء البارد يحمل رائحة الصدأ والرطوبة.
تمنيت لوهلة لو أن كايدن وماكسيم بجانبي. هل أصبحت أعتمد عليهما؟ ربما ....
تسللت للخلف ، وما ساعدني على الدخول كان ظلام الاجواء ، دخلت من الباب الخلفي بحذر، المكان مظلم وهادئ لدرجة مخيفة. كل زاوية هنا مليئة بالحطام والآلات المتهالكة، الأرضية تصدر صريرًا مع كل خطوة أخطوها.
تقدمت خطوة خطوة، ثم لمحت الباب الأسود في نهاية الممر. كان يبدو غامضًا، شيئًا ما يخفيه عن الأنظار.دفعت الباب ببطء، وانفتح أمامي ممر ضيق، وعلى جانبيه أبواب عدة، كلها مغطاة بالغبار.
أمعنت النظر في كل الأبواب، حتى وجدت واحدًا عليه آثار الاستخدام أكثر من غيره. اقتربت منه، أمسكت المقبض، ودفعته ببطء. الغرفة التي خلفه كانت فارغة، أرضيتها صلبة لكن باردة، والجدران عارية بلا نافذة، لا شيء يلفت الانتباه… إلا صوت صرير خفيف تحت قدمي.
توقفت، انحنيت لأتفحص الأرضية، وكانت هناك فجوة صغيرة مخفية. قلبت يدي على الجدار والجوار، حتى وجدت مفتاحًا معدنيًا صغيرًا مدفونًا بشكل شبه مخفي في الأرضية. رفعت نفسي ببطء، ومعه انفتحت الأرضية ببطء لتكشف عن باب سرداب يقود للأسفل.
وقفت للحظة، أتنفس بعمق، أعلم أن ما سأجده هناك لن يكون بسيطًا، لكن عليّ أن أواصل. كل خطوة الآن قد تقربني أكثر من الحقيقة التي أبحث عنها. هل أنا خائفه؟
نعم، لن أكذب. خائفة للحد الذي أتمنى فيه العودة للمنزل
العودة للأمان و الدفء. لكن الاستسلام الآن سيكون خسارة لي، وأنا لا أحب الخسارة. كل نار أشعلتها لن تُطفأ إلا عند كشف الحقيقة التي حاول الجميع إخفاءها.
لكن .....
عند وصولي للأسفل ... كان المنظر مرعباً !!
"لا ... هذا لا يمكن أن يكون حقيقياً !! "
•
•
•
•
« معلومات عامة »
هناك نوع من الأشجار يقتل نفسه: شجرة تسمى “شجرة الصليب” في بعض الغابات تفرز مواد كيميائية في الأرض تمنع نمو النباتات الأخرى لتأمين مساحتها.
•
•
الفراشات تتذوق بأقدامها:
تستخدم مستقبلات حاسة التذوق في أرجلها لاختيار أوراق النباتات لوضع بيضها.
•
•
الأخطبوط قادر على حل المتاهات:
وأيضًا يمكنه تذكر الحلول لفترات قصيرة، مما يجعله واحدًا من أذكى اللافقاريات.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته 🦋
كيف حالكم جميعاً؟
أتمنى أن تكونوا بأفضل أوقاتكم 🍂
« موريس يذوبب + مارليـن رائعة للغاية »
ما رأيكم بهما ؟
وماهو النص الأكثر تأثيراً لكم ؟
رافليسيا