"يُمدَح القمر على ضوءٍ ليس له، وتُنسى الشمس التي احترقت لأجله"
هكذا هي الحكاية دوماً .. يُمجد من يلمع
و يُنسى من أحترق ليمنحه الوهج
- اليوم الثالث يناير _ واشنطن _ مركز الإطفاء -
يستلقي في غرفة واسعه بها العديد من الكراسي و تلفاز كبير ، بالإضافة لألعاب الطاولة
يضع القبعه على رأسه ، و تبرز خصلات ذهبيه من أسفل القبعه ، و عينيه الزرقاء الداكنه ، تجولان في المكان ... هذا هو المكان الذي يعمل به
كانت محطة الإطفاء تحتوي على دور أرضي يوجد به المركبات وهو يشبهه مرأب السيارات ، بالإضافه إلى الرفوف والخزائن للمعدات الثقيلة
و يوجد أيضاً غرف التدريب والتجهيز لأن الإطفائيين يحتاجون للياقة العالية ، بالإضافه لغرف الإستراحة
و المكان الأكثر لذه في العالم ... المطبخ وغرف الطعام ، وغرف نوم بأسرة مشتركة للنوبات المسائيه
وغرف الإتصال والإدارة للمحطة
وأكثر ما يميز الإطفائيين العامود المعدني ... لا يتواجد في جميع محطات الإطفاء ولكن كان يتواجد بالمحطة التي يعمل بها كايدن ، لماذا أخبركم بهذه التفاصيل ؟
لأننا سنحتاجها فيما بعد
أكاد لا أصدق ما حدث في ليلة الأمس ! هل أهلوس ؟
عشت ليلة مليئة بالأحداث ، وكأنني في فلم ما ...
في الواقع إنني أنتظر أن يأتي أحد ليُخبرني أن كاميرا خفيه كانت تصورني ..
برنامج تجربة إجتماعيه او شيء كهذا ... لكن يبدو أن الأمر حقيقي
على كلاً ... يبدو أنني لن أعود للمنزل إلا الليل ، سيكون يومي طويل
ادخل يديه في جيبه ولكنه تذكر ، لقد تحطم هاتفه .. او بالاحرى لقد أصبح أشلاء ، سيكون عليه شراء آخر
هذا ثمن الوقوع مع تلك الارنوبة البرية
حسناً .. لا يهم ... ساشتري آخر ولكن علي التحدث إلى تلك الارنوبة المخادعة و الثور ذو العضلات
أريد معرفة ماهي خطوتنا القادمة ؟
ما قطع حبل أفكاري كان تلك اليد التي وضعت على كتفي ، يا إلهي هل هو هذا الأحمق مجدداً ؟؟
كان شاب قوي البنيه وطويل ، لطيف الملامح بإبتسامه مشرقة ، شعرة كستنائي وعينيه خضراء عسلية و يتميز بوجود علامه على عنقة على شكل قلب ، جلس بجانب كايدن و تحدث بصوت هادئ وعميق
- ها أنت ذا ، ماذا يلعب بعقلك الآن؟ أعلم أنك تفكر بأمر ما
هذا ليس من عادتك ... يبدو أن الأمر جذبك بشدة للدرجة التي يجعل بها كايدن يفكر ..
كايدن الشاب الكسول .. يفكر ، هل هذه نكته ؟
أزاح كايدن يد ذلك الشاب عن كتفه ، نهض من مكانه و أزال القبعة التي كانت تخفي ملامح وجهه و نظر إليه بطرف عينه وأبتسم بخبث و أجابه
- أندريه ، إنك لئيم توقف عن حشري من عنقي .. هذا ليس جيداً وجود شخص يعرفني تمام المعرفة مثلك
ولكنك محق ... هناك ما استحوذ على عقلي بشده لدرجة أنني أفكر به
صدق أو لا تصدق ... كايدن يفكر !
ارتسمت على شفتيه إبتسامة مائلة ، كأنها خُطت بخبث وفي عينيه بريق تسائل و فضول ، لم يكن أندريه من النوع الذي قد يقتحم خصوصيتك أو يصبح ودود وعفوي تجاهك ... ليس كذلك إلا إن كنت كايدن
.. كايدن خاصتنا ..
- ما الأمر أخبرني .. أنت تجعلني أشعر بالفضول بشده تجاه ما جذبك ! هل يعقل أن تكون امرأة ؟
إذا كنت كايدن الذي أعرفه ..فيستحيل أن تكون امرأة
لا أعلم ما الذي قد ينال أهتمامك !
رمقه بنظرة ممتزجه بعدم التصديق و الريبة ، بينما ارتسمت على ثغره ابتسامة مبعثرة بين السخرية
واللا تصديق .. هل يعقل ذلك .. كيف يجرؤ ؟!
- أندريه ... ماذا تخالني ؟! ... إنني رجل أيضاً
أوليس من المفترض أن تغويني امرأة ما ...ما المشكلة لو اغوتني إحداهن !
زفر بخيبة و أبتسم مجدداً و عاد ليتمدّد ..
" الأمر أنك محق ... ليست إحداهن * هي ليست إحداهن*
ولا أستطيع البوح به الآن ولكن .. سأخبرك به عندما يحين الوقت "
زفر أندريه براحة شديدة .. و خفت حده ملامحه وكأنه وضع حملاً كان يثقله
- لقد كادت أن تصيبني نوبة قلبية ... ارتحت الآن ، كدت أُقسم أن هنالك روح شريرة قد تلبستك ولكنني الآن مطمئن .. هذا هو كايدن الذي أعرفه ! "
رمق كايدن أندريه بنظره جعلته يبتلع ريقه .. و يتمنى بشدة لو أن الأرض تنشق وتبلعه على أن يرى تلك النظرة
- أندريه أغرب عن وجهي ، لا تدعني ارتب ملامح وجهك
صدق أو لا تصدق ، لكنني أشعر أنني على وشك ترتيبها الآن ! "
- أوو اهدأ يا صاح ، لا تغضب الغضب لا يليق بك
- أندريه ... هل تخليت عن حياتك ؟
- حسناً ، سأهرب أقصد سأذهب أراك لاحقاً
- يا للاحمق ... سحقاً لقد قطع حبل أفكاري
ما إن غادر أندريه حتى أنقضت على الآخر الأفكار ، تلتهم عقله و تأبى أن تهدأ .. مفتعله ضجيج يشغله
ويستحوذ على تفكيره .. الرجل الذي لا يحب التفكير
يفكر !
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
منذ ذلك اليوم مر على لقاء ثلاثتهم شهران و يومان
كل واحد منهم إنشغل بأموره الخاصة ، ولكنهم خصصوا أوقات للقاء و كعاده قد اكتسبوها مُنذ لقائهم الأول ، لا تخلوا اجتماعاتهم من الطعام
و لقاء تلو الآخر ... جعلهم مقربين أكثر من بعضهم البعض ، هذا لا يعني انهم ودودين كثيراً .. يتقاتلوا من الحين للآخر كفعل اعتيادي
وأصبح أكثر مكان آمن لتجمعهم هو منزل أوديسا
كما تقول هي .. عُش العنقاء
والتي كانت ترفض شراء هاتف .. لمعتقدها بأنه مترصد
( لديها وجهه نظر )
يستحيل أن تبتاع مترصد لنفسها .. وتضعه في حقيبتها بيديها .. هي ليست مجنونة لهذه الدرجة هذا ما كانت
تعتقده
أمر الهاتف مهم ستعلمون لما بعد قليل .. فهذه أوديسا
أعني ستسبب مشكلة او اثنتين كل أسبوعين
هذا إنخفاض واضح على مدى الأسابيع الماضية
هل تصبح أكثر نضجاً ؟ ربما ..
ولكن على كل حال فهي لا تهتم لأن كايدن و ماكسيم موجودان لتحمل المسؤوليه .. هي تقوم بالكوارث
هما يتحملان العواقب ... الحياة أخذ وعطاء
سيكون علي أن أُصحح لها مفهوم الأخذ والعطاء لاحقاً
فمثلاً في إحدى المرات بينما كانت تتمشى قرب المدرسة
وجدت مجموعة من المراهقين الحمقى يحيطون بطالب
حركاتهم كانت فظة وساخرة ، ضحكات خافتة ، أيدي تتجمع حول الضحية
أقتربت منهم .. فتوقفوا عما يفعلونه و توجهت أعينهم نحوها بترقبٍ خافت ، خشية أن تقوم بشيء ما للدفاع عن الفتى ، ولكنها رمقتهم بنظرات إزدراء و ابتعدت للمغادرة بهدوء ، لكن قال أحدهم ساخراً
( شعرها كالمشعوذات القبيحات )
توقف الزمن للحظة ، و ارتسمت على شفتيها أبتسامة خافتة ... لم تكن أبتسامة رضا .. بل أبتسامة شيطانية
استدارت ببطء ، لتمنحهم فرصة أخيرة للتراجع ، ثم تجوّلت عيناها بين الوجوه المرتبكة ، وكل من تلاقت معه نظراتها خفّض رأسه سريعًا ، اخترق صوتها الصمت القاتل
"من الذي قال ذلك ؟ أعيدها الآن .. وانا أنظر في عينيك"
أبتلع أحدهم ريقه .. وتراجع الآخر للخلف ، حتى الهواء بدا وكأنه تلاشى ، رفعت ذقنها و أكملت كلامها بهدوء مخيف
" ما الخطب ؟ هل أكل الذئب ألسنتكم ؟
كنت أظن أن من يتجرأ على السخرية ، يمتلك ما يكفي من الجرأه للمواجهه ، أوليس كذلك ؟ "
توقفت أمام مجموعة الحمقى ، نظرتها تفتّش عن الذنب والخوف في عيونهم ، حتى اصطادت نظرة واحدة مرتبكة ، فابتسمت بخبث
" آه .. وجدتك "
اقتربت أكثر ، و همست بالقرب منه كتحذير و تهديد
" في المره القادمة ، حين تسخر مني .. تأكد أني لا أقف خلفك ، و إن عدت لمنزلك اليوم حي فلتصلي كثيراً "
ابتعدت عنه بخفه ، و حدقت بذلك الفتى المضروب قليلاً
" أنت .. هل أنت أحمق ؟ لماذا تسمح لهم بتجاوز الحدود؟ إنك مثير للشفقة .. تستحق ما يفعلونه بك "
رمقتهم مجدداً ، و وجهت حديثها لهم ظاهرياً ولكنه يحوي رسائل لزعيمهم
" و أنتم .. تدعون القوة و ما أنتم إلا مجرد حثالة !
إن رأيتكم مجدداً ، فستندمون على اليوم الذي قابلتموني به ، هيا إلى صفوفكم ، لا يجب عليكم الهروب في هذا السن "
بدأو جميعاً بالإنصراف ، وجوههم شاحبه و نظراتهم متوترة تبحث عن مخرج من الموقف
لكن ماهي إلا ثوانٍ حتى سمعت وقع أقدامٍ خلفها ، تركض ... وتقترب
استدارت بحدة لتراهم يركضون نحوها مذعورين ، تتعثر خطواتهم ، وصوت أنفاسهم يتلاحق كمن يهرب من نهايةٍ مميتة
كانت على وشك أن ترفع يدها لتصدّهم ، ظنّت أنهم عادوا للحماقة ، ولكنها فهمت لما يهربون ، وهذا ما جعل يدها تتوقف في الهواء
من الطرف الآخر للطريق ، مجموعة طلاب من مدرسةٍ أخرى ، تقترب بخطى ثقيلة ، يحمل بعضهم عِصيًّا ، و أحزمة ملتفة حول أيديهم .. وأعينهم تشتعل بحقدٍ خالص ، والضوضاء من حولهم تتحول إلى موجةٍ من الصراخ والشتائم
رمقتها المجموعة الاولى بخوفٍ واضح ، و صرخ أحدهم
" ابتعدي ! إنهم لا يرحمون أحداً ! "
لم تتحرك ، بل وقفت بثبات ، والريح ترفع أطراف شعرها
تقدّم أول المهاجمين وهو يلوّح بعصاه، لكن عينيها فقط جعلته يتردّد لحظة .. أوقفته بإشاره من يدها ، نظر إليها الجميع بتعجب قالت بهدوءٍ لا يناسب اللحظة
"يا لهم من حمقى... يهربون من ضعفهم ليقعوا في فوضى أكبر "
ثم التفتت نحو المجموعة الفارة وأضافت ببرودٍ و سخرية
"أنتم السبب، والنتيجة تلحق بكم الآن"
سارت بخطواتٍ بطيئة إلى الجانب، لا تنوي التدخل
وقبل أن تبدأ الفوضى بلحظة، ابتسمت تلك الابتسامة ذاتها - التي لا تُبشّر بالخير
وقفت هي في المنتصف تمامًا ، بين المهاجمين والمطاردين، والهواء حولها مشبعٌ بالترقّب
تقدم أحدهم وهو يصرخ
" اذهبي من هنا يا فتاة "
لكنها لم تتحرك
بل رفعت يدها ببطء ، فخفتت الأصوات تدريجيًا
ردفت بصوتٍ منخفض
" كفى "
توقفت الخطوات، تبادلوا النظرات، لم يعرفوا لمَ أصابهم هذا التجمّد الغريب ، فقط شعروا أن شيئًا في أعماقهم يأمرهم بعدم التقدّم أكثر
خطت خطوةً للأمام، حتى باتت قريبة من أحد المهاجمين
نظرت إلى العصا التي في يده ، ثم رفعت بصرها إلى وجهه
"هذا ما أنتم عليه... قطيعٌ يلهث خلف دماءٍ فاسدة ؟
خاب ظني ... توقعت شيئًا أكثر إثارة..."
خفضت يدها ببطء ، وعيناها تلمعان بخبثٍ متعمّد
"حسنًا إذًا... اقتلوا بعضكم لعلّي أرى شيئًا يستحق النظر هذه المرة "
تراجعت بخطوتين، وأسندت ظهرها إلى الجدار القريب، تراقب
تبادل الطرفان النظرات، التوت الأعصاب، ثم فجأة انفجرت الفوضى مجددًا - صراخ ، ارتطام، تراب يتطاير، أصوات أجسادٍ تتصادم بلا رحمة
تراقب المشهد بهدوءٍ غريب ، و في زوايا فمها ظلّت تلك الابتسامة .. مزيجٌ من الملل ، والمتعة، والاحتقار
وسط فوضى الأقدام والشتائم وصوت الحديد حين يلتقي باللحم
لكن عينيها لم تتابعا المهاجمين ... بل توقفتا على ذلك الفتى الضعيف، الذي كان قبل دقائق يطأطئ رأسه ينتظر الصفعة التالية
كان يقف في الخلف، يتنفس بسرعة، عيونه تتقافز بين الخوف والغضب ، إلى أن وصلت كلماتها إليه - كلماتها الباردة التي اخترقت الجموع
" الضعفاء دائمًا يحتاجون من يقودهم حتى إلى الهاوية "
عبثت بعقله الكلمات ، شدّ قبضته على حقيبته، ثم ألقاها أرضًا
وقف بخطوةٍ مترددة أولاً ... ثم اندفع ، كمن قرر أن يختار الهاوية بنفسه ... لا أن يتبع القطيع
رمقته بابتسامةٍ صغيرة، تلك الابتسامة التي لا تحمل إعجابًا او شفقة - بل فضولًا قاتلًا
" هكذا إذًا يبدو أن الكلمة أقوى من السلاح أحيانًا "
بدأ يقاتل لم يكن قويًا، ولا ماهرًا،
لكنه كان يقاتل بغضبٍ لم يره أحدٌ فيه من قبل، وكأن كل إذلالٍ قديم انفجر دفعةً واحدة.
لكماتُه عشوائية، حركته فوضوية، لكنه لم يتراجع
وهذا ما جعل الجميع يتوقف لحظة، يرمقونه بدهشة
مرّت بالقرب منه، نظراتهم التقت لثانيةٍ واحدة فقط
قالت بصوتٍ خافتٍ لا يسمعه سواه
"هكذا يكون الغضب حين يولد من الألم "
لم تكن هي إلا الشرارة التي أشعلت النار ... ابتسمت بخفه لرؤيته يقاتل ، جميع من احتقره منذ لحظات أصبح الآن يحترمه
يقاتل بجانبهم على الرغم من أنهم ، لم يكونوا إلا اوغاد
أبلغ أحد الماره الشرطة عما يحدث ، لذا عند اقتراب الشرطة توقفوا عن القتال و بدأو بالفرار ، وهي بدورها اختفت عن الأنظار
في ذلك اليوم ، أصبح حديث رجال الشرطة عن المرأه الحمراء المجنونة برفقة عصابات طلاب المدرسة
و كيف أنها اختفت دون أثر ...
لم يسأل ماكسيم كثيراً عن الأمر ، ببساطة لأنه كان يعلم أنها هي ، لذا صحح الوضع بين الطلاب و اغلقوا هذا الأمر بتعهد ينص على عدم الاقتراب من مدارس بعضهم البعض ، لا شجارات او معارك أخرى نهائياً
ذات اليوم ، خارج مركز الشرطة ، كان يقف وحيداً تحت ضوء الغروب ، ملامحه منهكة لكن في عينيه شيء مختلف ... ثبات وقوة لم يعرفها من قبل
تقدمت مجموعة الحمقى نحو ذلك الفتى ، نطق زعيمهم وصوته يحمل ثقل الاعتراف
" أعتذر لك بالنيابة عني وعنهم ، كنا اوغادًا لا أكثر
لم يكن الأمر عادلاً فأنت واحد ... بينما نحن مجموعة"
أدخل يديه في جيبيه و أكمل حديثه
" لقد رأينا مدى قوتك ، و على الرغم من أننا اوغاد
إلا أنك ساعدتنا على تجاوز هذا الأمر "
تنهد بعمق ، نظر إلى مركز الشرطة ، وأبتسم بسخرية
" علي الاعتراف أن كلام تلك الحمراء صحيح
وقد أثر بي كنا ندعي القوة ، لكننا حمقى ، لذا أريد أن اصبح أقوى بطريقة عادلة ، لا قتال او شجار بيننا مجدداً ، اتفقنا ؟ "
ساد الصمت للحظة، لا يُسمع سوى ضجيج السيارات أمام مركز الشرطة
الفتى بقي صامتًا، ينظر إليهم واحدًا واحدًا ، نظرةً لم يعرفوها من قبل .... لم تعد نظرة الخوف، بل نظرة شخصٍ رأى نفسه أخيرًا في مرآة الألم ، نظرة صادقة وقوية
قال بصوتٍ مسموع ، كلماته خرجت واضحة و صريحه
"أعتذاركم... لن يُغير ما فعلتم "
اندهشوا ، وتجنّبوا النظر إليه ، تابع بحدةٍ هادئة
" أنتم سخرتم، أهنتم، وضربتم، فقط لأنني كنت أضعف
والآن تعتذرون لأنكم رأيتموني أقف مرة؟ "
تقدّم خطوة، صوته ازداد ثباتًا ، رمق زعيمهم بعزم وقوة
" أنا لا أسامح بسهولة الجروح لا تختفي بالاعتذار... لكنها تُعلِّم "
توقف لحظة، نظر إلى السماء يستعيد شيئًا ما في ذاكرته ، تلك النظرة الباردة للفتاة ذات الشعر الأحمر ، وكلماتها التي اخترقت قلبه دون شفقة ، ابتسم بخفوت، و همس في سره
تلك الحمراء... لم تكن تنوي إنقاذي، لكنها أيقظتني
لقد رمتني في النار، لأكتشف أنني لا أحترق
ثم أعاد نظره إلى المجموعة أمامه، وقال بصوتٍ أكثر هدوءًا
"سأصبح أقوى... لكن ليس لأنتقم ، سأقاتلكم يومًا، نعم... ولكن حينها سيكون قتالًا حقيقيًا، بين أقوياء لا بين جلادٍ وضحية "
تبادلوا النظرات في صمت ، لم يعرفوا إن كانت كلماته تهديدًا أم وعدًا
لكنه ابتسم هذه المرة، ابتسامة صغيرة
" وحين يحدث ذلك ، ربما يمكننا أن نكون أصدقاء
فحتى الحديد لا يصبح صلبًا إلا بعد أن يُطرق بالنار"
ثم استدار، وغادر بخطواتٍ ثابتة
تركهم خلفه ينظرون إليه بذهول ، الفتى الذي كانوا يسخرون منه، صار الآن شخصاً مختلفًا...
طائر تعلم كيف يولد من رماده، تمامًا كما فعلت تلك الحمراء التي غيّرت مصيره
غيرت مصيره .. دون أن تدري
~ اليوم الثالث من مارس _ واشنطن _ في المقهى ~
كعادتها ، كانت تحضر إحدى الطلبات و هي تتذمر من عملها المُمل ، ترتدي المريلة والقبعه الخاصة بمكان عملها
كان شعرها على شكل ذنب الحصان ، و تضع مرطب زهري اللون على شفتيها لا شيء آخر ، مما يمنحها شكل فتاة لطيفة المظهر ولكن ... المظاهر خادعة .. من قال هذا فقد أحسن القول
أثناء تحضيرها للطلب ، قام رجل غريب بمضايقتها بطرق قذره
" أنتِ .. هل تأتين برفقتي .. سأمنحك ليلة لا تنسى ! "
ولكنها ظلت تنظر إليه بإزدراء فقط وكأنه مجرد حشره قذره ...
عندها أُحمر وجه ذلك الرجل بغضب فتجاهُلها يعني أنها داست على كبريائه الزائف ، لذا صرخ بامتعاض
" أنتِ .. أيتها اللعينه .. كيف تجرؤين على تجاهلي ؟!
لستِ سوى .. "
رمقته بنظره حاده .. و بصوتٍ منخفضٍ قطعت كلامه
" أيها اللعين ، أغلق فمك ذات الرائحة المتعفنه ، هل تستحم حتى ؟! إنك تفسد الهواء هنا كخنزير وغد "
عندما رأى مالك المقهى ، قال لأحد العاملين بجانبه
- أتصل للإسعاف
عندها اقترب سريعاً ، و دون مقدمات رفع يده ليصفعها أمام الجميع .. لكنها أمسكت يده ، وباليد الأخرى أمسكت إبريق الحليب ... كخط دفاع أولي
من أمسك إبريق الحليب ، كانت أوديسا !
هذا يعني بأن كارثة ستحل بنا ، هل هذا جديد ؟ لا
عندما رأى مالك المقهى هذا ... تحدث بهدوء وكأنه قد اعتاد هذا الأمر ، لذات العامل الذي يقف بجانبه
- فلتنسى الإسعاف ... أحضر قسيساً
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
في مركز الشرطة
كانت الأصفاد على يديها وهي تجلس بهدوء و برود أمام الشرطي ..
والذي أبتلع ريقه ، كيف لفتاة بمظهر لطيف أن تفعل ذلك ؟! لن يصدق أحد الأمر !
و بعد ربع ساعة من الهدوء والصمت الذي كانت عليه
دخل المركز غير مصدق ، وهو يسأل أفراد الشرطة عن مكانها ، عندما رأها كانت تضع قدم فوق قدم و ترمق المكان حولها ببرود
و ماهي إلا ثواني حتى دخل الآخر و كان مذهولاً أيضاً مما يشاهده ، وما زاد الأمر خراباً وغرابة كان عندما سألت الشرطي أمامها
- هل سأمضي الليلة هنا ؟ هل السجن بارد ؟ هل سأكمل حياتي في السجن؟ هل يوجد به طعام ؟
- آ..آنستي .. ما الذي تقولينه ؟
أصبحت ملامحها جاده وحاده ، يا لسرعه تغير مزاجها ! إنه أسرع من الإنترنت !
- إنني أتحدث اللغة ذاتها التي تتحدثها ... ما الذي لم تفهمه في السؤال ؟ ما نوع الأطعمه المقدمه ؟
- هل تسألين حقاً ؟؟! هل أنتِ بخير ؟
وما قاطع حديثهما هو صوت نداء غليظ و مندهش .. ليس كثيراً ، فقد اعتاد أن تقوم بجلب المشاكل ولكن هذه المره الاولئ التي تذهب لمركز الشرطة
- أوديسا ؟ ما الذي تفعلينه هنا ؟!
- أوه .. إنه أنت أيها المحقق ، وأنت ماذا تفعل هنا ؟
- أليس هذا واضحاً ؟ هذا مكان عملي
- لا أتحدث معك أيها المحقق ، إنني أتحدث مع الثعلب خلفك !
- إنها تقصدني
- نعم ، إنني أقصده ... على كلاً ماذا كنت أقول ؟
وقف الشرطي و قام بتحية المحقق ، و ردف و هو مذهول :
- سيدي ، هل تعرفها ؟
- أه ..هذا ..
رد كايدن بإبتسامه مصطنعه وهو يضع يده على كتف ماكسيم و يجره إليه :
- نعم ... نعم .. كلانا نعرفها .. إننا ... شيء ... ماذا يسمى ؟ ... أصدقاء ... نعم
كان ماكسيم يهز رأسه مؤكد لكلام كايدن ولكن ما جعلهم يُصابون بصدمة كان عندما تحدثت الجالسة وهي تنظر لكلاهما بإزدراء :
- من أنتما ؟ هذه أول مره نلتقي ..
- ماذا تعنين ؟
- اووه ... تمهلي .. إنه محق .. ماذا يحدث ؟
نظرت إليهما بعدم تصديق ..
- إنها مزحة ، الا تفهمان ؟
نظر كلاهما للآخر
و زفرا بإرتياح عندما سمعاها تقول
- يا إلهي .. لقد قرأت هذه المزحة في إحدى الكتب و أردت تجربتها ... إنها جيدة لقد رأيت الدهشه تعلوكما لوهلة .. كنت أظن انها شائعة
* إن كنت مكانهما لقلت لها بأن روح دعابتها منتهي الصلاحية *
حدق كايدن بها بعينٍ مستنكره وهو يسير بإتجاهها
- أنا ظننت لوهلة أنني مجنون ؛ أو انني لم اسمع جيداً
ما هذا المزاح ؟ مزحه سيئه ، هل هناك أحد يمزح بهذه الطريقه !
- يا لبلاهتك ، هل صدقتما هذا ؟
هذا يعني أنني ممثلة رائعة ، يبدو أن لدي مهارة تمثيل
- دعك من مزاحها الأهوج ، وتمثيلها الركيك
ما الذي تفعلينه هنا ؟ لماذا الأصفاد في يديك ؟
هل تطور الوضع الآن ... يبدو أننا سنأتي إلى هنا كثيراً
- يالك من محقق مفسد للمتعة ، حسناً
لأرد على سؤالك بإختصار
هناك وغداً كان بحاجة للتربية لذا قمت بالواجب ، ارسلته للمستشفى ، لا داعي للشكر ...
وكيف تجرؤ على وصف تمثيلي بالركيك ؟!
ردف ماكسيم و آثار الصدمه تعتلي ملامحه ، هل هي جادة بما تقوله ؟
- كايدن ، دعها تجلس هناك و عُد ، سأرى ما الأمر
يا إلهي ... إن ارتكبت سوء لأحد و أرسلت تلك المجنونه لي للتكفير عن ذنبي ... فقد أعلنت توبتي
أقترب ماكسيم للشرطي أكثر و همس متسائلاً عما حدث
- أيها الشرطي ما الذي حدث ؟
- سيدي ، هذه الفتاة اللطيفة أرسلت رجلاً للمستشفى !
- ما السبب ؟ لن تفعل شيئاً دون سبب !
- يبدو أنه كان يضايقها ، ولكنها كانت تتجاهله لذا حاول الهجوم عليها وعندئدٍ قامت بفعلتها
- بماذا ضربته ؟
- إبريق الحليب ، لقد كادت أن تقتله من الجيد أنهُ حي
لو لم يصل الإسعاف سريعاً ... لأحضرنا قساً
سيدي أود سؤالك .. هل هي بخير ... أعني عقلياً ؟
- أود أن أقول نعم ، لكنني سأرتكب ذنباً عظيماً إن كذبت بأمر كهذا ، إنه أمر حياة أو موت
نظر كلاهما إليها بعدم تصديق ، بينما كانت هي تجلس بعيدةً عنهم و تتحدث مع رجال الشرطة وكأنها فتاة مختلفة ، تبتسم بهدوء و تتحدث بلطف
وجَّه كايدن حديثه وهو ينظر لماكسيم ، بقلة حيلة
- هل تصدق هذا ؟إنني اتسائل عن المصيبة القادمة ؟!
و لكنها ايضاً ... لم تخطئ إحقاقاً للحق !
- نعم ، لقد لقنته درساً قاسياً و مؤلماً يستحق ذلك ..
هل أخذتم شهادتها بالإضافه إلى من كانوا بالمقهى ؟
- نعم
- إذن فلتحرر قيود يديها ، سنأخذها الآن
وما فعلته كان للدفاع عن النفس ، ولم يموت ذلك الوغد او يصاب بخطر ، لذا ليست بحاجة للبقاء هنا
التقرير الخاص بهذه الحادثة فليغلق كدفاع مشروع عن النفس
سأخبر رئيس الشرطة بنفسي فيما بعد بشأن هذا
حمل الشرطي المفاتيح و اتّجه نحوها ، بينما التف ماكسيم لكايدن يخطط لما سيفعلانه ...
- لقد أحسنت صنعاً ، سأعلمها كيف تدافع عن نفسها دون الحاجة لإستخدام ... إبريق حليب وما شابه
- ماذا ستفعل ؟ ماذا ستفعل ؟؟
أسمعني ، أنا من سادربها ... إنني أقوى منك
- إنك تحلم ، أنا أقوى منك بأضعاف ، على كلاً
عليها أن تستقيل من وظيفتها ، سأجد لها عملاً آخر آمن
- لا أحبذ فكرة عملها هناك ولكن علينا التحدث معها بالأمر ... أعني علينا أخذ رأيها بعين الاعتبار
- رأسها يابس لن تفهم بالكلام ، ولن توافق
- أنت محق ، إنها ... عنيدة .. ماذا سنفعل إذن ؟
- دع الأمر لي ، إن كانت هي أوديسا فأنا ماكسيم
- هذه النظرات والإبتسامه الشيطانية لا تُريحني البته
أعرف بماذا تفكر ..
- دعك مني ، فلنأخذها ونذهب ، لقد أستطعت الكشف عن معلومات هامة في قضيتنا علينا الذهاب
- حسناً ، هيا بنا إذن
أُفرج عنها ، و قرروا التوجه إلى منزل أوديسا و في السيارة كانت أوديسا تجلس بالخلف
ومن يقود كان كايدن ، ويجلس بجانبه ماكسيم والذي يحاول أن يتصنع تعبيراً غاضباً ، بينما كانت هي تلعب بشعرها بطريقة عابثه و عينيها تنظران لما خارج السيارة
تحمحم ماكسيم قبل أن يتحدث معها ، ثم بدأ كلامه
- أوديسا ، هل تعلمين ماهو خطأك اليوم ؟!
- ماهذا السؤال ؟ أنا لم أُخطئ ... هل سقطت حجره على رأسك أيها المحقق ؟
- دعكِ من هذا الهراء وأجيبي !
- كايدن ، هل تسمع هذا الهراء الذي أسمعه الآن !
القى كايدن نظرة خاطفة على ماكسيم ، والذي كان يبدو عليه الوقوع في مأزق ، فهو كان يحاول توبيخها لسلامتها وأبتسم الثعلب إبتسامة جانبية و تحدث
- " أيتها الأرنوبه البرية ، لقد أرتكبتي خطأ ... لم تخبرينا فور حدوث الأمر ، كان يجب عليكِ الإتصال بنا و إخبارنا
أن تبلغينا أنتِ بمصيبتك أفضل من أن يُخيفنا قسم الشرطة "
رفعت أوديسا رأسها ببطئ وكأن ما سمعته الآن صعقها ، لم تكن تتوقع أن هذا ما يقصدانه ، فهي كانت تظن أنها أخطأت حقاً ، لا تعلم هل هما جادان فيما يقولانه ... لكن ما قاله كايدن جعلها تعيد التفكير في الأمر ، نظرت لكليهما بتردد و ردفت :
- ولما سأتصل بكما ؟ هل هذا خطأ حقاً ؟!
من رد عليها هذه المره كان ماكسيم و الذي أبتسم و هو يرفع شعره الأسود الداكن الذي يصل إلى عنقه عن وجهه ، كان لديه ندبه على خده والتي تضيف إليه طابع رجولي بالإضافه إلى لحيته الخفيفه والمرتبه وعينيه الرماديتان ، ضم يديه إلى صدره و أجابها :
- نعم ، هذا خطأ كما سمعتي ... إن وقعتِ في مشكلة ما او حاول أحدهم التعرض لك ، فلتتصلي بنا قبل أن تُرسليه للمستشفى ! تعلمين سنكون دوماً هنا لأجلك ...
هل ظن أحدكم أنها قد تأثرت بما سمعته ؟
بحقكم إنها فقط ... لا تصدق أنهما ينسيان كثيراً !
- هل أنتما مصابان بالزهايمر او شيء ما ؟
ليس لدي هاتف ! ولا أحبذ فكرة وجود مترصد بحقيبتي
كيف سأتصل بكما ؟ هل لدي قرون إستشعار أو شيء كهذا ؟
رد كايدن والذي كان يبتسم بسخرية على ما يحدث :
- سأبتاع لكِ هاتف كالذي مع جدتي ، فلا أظن بأن هناك من قد يراقبه بالإضافه إلى أنه قديم الطراز ، ما رأيك؟
- الا يتعقبونه حقاً ؟ ماذا تظن أيها المحقق ؟
- برأيي أنها فكرة مناسبة ، وكهدية سأشتري ملصقات لتزيينه
- هل تأخذان كلامي على محمل الجدية ؟
- نعم ، إنها فكرة رائعة ، ما رأيك أيتها الشبح ؟
- نعم ، أوافق لكن بشرط أن لا يكون مترصد
وهل قلت ملصقات ؟ أُحبها كثيراً ، حسناً موافقه
إياك أن تنسى الملصقاات أيها الضخم ذو العضلات
أريدها أن تكون ملونة بأشكال حلويات وطعام
* حتى في هذا الجو تفكر ببطنها ، يالها من مشفوحة *
- حسناً اتفقنا ، سأحاول العثور على ملصقات كهذه
بالمناسبة ... لقد عثرت على معلومات هامة
علينا وضع خطة اليوم !
- ماذا تعني أيها المحقق ؟
- ستعرفين عندما نصل إلى المنزل ...
في الطريق ، قام كايدن بتشغيل أغنية Let it be
التي يحبها ثلاثتهم .. وهو أمر مشترك بينهم بالإضافة لحبهم للطعام
و إحدى عادتهم هي غنائها سوياً ، و ماكسيم هو المغني الرئيسي لكونه يحمل صوتاً دافئاً وعميقاً
عندما بدأت الاغنيه صَدحَ صوت ماكسيم العميق
تبعه صوت أوديسا و كايدن كأصوات خلفيه
في مزيج مذهل بين العمق و النقاء و النعومة
* في الواقع لا أعلم لما أصبح هذان الأثنان موظفين في وظائف كهذه ، إن دخلا عالم الموسيقى فسيتألقان
و سيحظيان بمعجبين بعضهم مهووس .
ربما قد أقنعهم بالأمر ، هذا يعتمد على الضغط الذي سأمارسه عليهما ، ربما أعمل معهما و استقيل من ذلك المقهى المثير للغثيان ... سأصبح مديره اعمالهما *
لم تكن ضحكتها كما تظنّون ، لم تكن خفيفة كما تبدو
بل هي أشبه بصوتٍ يائسٍ يحاول أن يُغرق صدى خوفه
تمازح الجميع بسخرية لاذعة ، تضحك لكنها فقط تحاول أن تثبت للعالم أن لا شيء قادر على كسرها .
لكنها وحدها تعرف أن القلق يسكُنها كظلًّ لا يزول يتربص بها في كل لحظة صمت ، ويهمس في رأسها بكل ما تخشاه .. وفي الليل يعود ماضيها ليجلس قبالتها بلا إذن ، يذكرها بكل ما حاولت نسيانه .
ومع ذلك ... تنهض في الصباح وكأن شيئاً لم يحدث ، و تُلقي نكتة سخيفة على أول من تراه ، وكأنها لا تعرف سوى أن تُكمل الطريق ، حتى و إن كانت على حافة الانهيار
لذلك أنا وماكسيم نغني معها ... لأنه إن أصبح الصمت سائداً فالصمت الذي سيحل عليها سيكون أشبه بالعذاب
لم تكن امرأه خبيثه تصعب قرائتها ، ولم تكن سهلة و مفهومة
هي بين الوضوح و اللاوضوح .. تارة تبدو ككتاب مفتوح و تارة تعجز عن قراءة ما يدور في رأسها
قوية ؟ نعم ، هي كذلك، و لكن من يعرفها بحق فهو يعلم أن القوة عندها ليست غياب للضعف ، بل فن إخفائه
ليست خارقه .. هي فقط تتعلم المقاومة رغم كل شيء
مذهلة ... ساحرة ...لم يكن الرصاص هو السلاح الوحيد
القادر على إسقاطك ، فأمام عينيها قد هُزمت
عند وصولهم إلى المنزل ، دخل الجميع و أخرجت مفتاح باب المنزل والذي كان يحمل تعليقة لطيفة على شكل أرنب أغلقت الباب جيداً ... وكعادتها أسدلت الستائر ، وبصوت آمر مدت يدها
- كلاكما ... الهواتف "
دون أن يجادلان مدّا هواتفهما إليها من غير حولٍ ولا قوة ، يتذمّران في سرّهما كالأطفال المدللين ، لقد حاولا من قبل أن يجادلاها ولكن الأمر أستمر لساعة ثقيلة ، ولم يحصلا على هاتفهما ، إذ إنتزعتهما منهما بالقوة
لذا ... كلاهما يعلم نهاية الجدال .. فلا فائدة
و لأن ماكسيم يعلم أنّها ذات رأسٍ يابس ، فقد أحضر معه خريطةً يدوية ، طرح الخريطة على الطاولة ومدّها حتى انبسطت أمامهم ، تفرّدت دوائر حمراء على مواقع معينة ، أثارت الفضول في نفوس الواقفين فارتسمت على وجوههم الدهشة ، كانت هي أوّل من سأل :
- ما كل هذا ؟ ماذا تعني هذه الدوائر أيها المحقق؟ "
- إنها مواقع ... مهمة لنا "
- مواقع ماذا أيها الثور ؟ "
- أسمع أيها الثعلب أنت والشبح جيداً ، هذه مواقع شركات ضخمه .. من ضمن المستثمرين فيها مسؤولين رفيعين تحت أسماء وهمية ، مما عرفته فإحدى هذه المواقع تحوي معلومات المختبرات .. البشرية
إن أستطعنا إيجادها .. فربما .. بإمكاننا ... "
- إيجاد .. أشقائي .. هل هذا ما تعنيه ؟؟ "
- نعم ، لذا أود منكما التفكير بخطة تجعلنا نحصل على هذه المعلومات "
اهتزت من داخلها لما سقط على مسامعها ، انتابها شعور غريب إمتزج بين الخوف و السعادة ، وقفت هناك تنظر للخريطة بتمعن وكأن الوقت توقف بالنسبة لها للحظة قصيرة ، سعادتها كان تقتضي على إيجاد أشقائها أحياء أما خوفها فكان أن تجدهم بحالة سيئه ... وكانت تخشى كثيراً أن يلومها أحدهم ، فهي طوال هذه السنوات كانت تلوم نفسها دوماً على ما حدث لهم
لاحظ كلاهما شرودها و قلقها ، فهي عندما تقلق تقضم أصابعها دون وعي حتى تنزف .. و كأنها غاصت في أعماق أفكارها بعيداً عن الواقع
ما أخرجها من حالتها كان عندما أمسك كايدن بيدها و جذبها برفق لتجلس على الأريكة
جلس أمامها على الأرض ليكون في مستوى رؤيتها ، تحدث وهو يثبت نظره في عينيها :
- ما بك ؟ أخبرينا ... هناك ما يقلقك، أليس كذلك ؟ "
سقطت دمعة من إحدى عينيها ، وانزلقت على وجنتها بهدوء ، ارتعشت شفتيها قبل أن تنطق ، وتحدثت بصوت كاد أن يكون همساً مسموعاً :
- "ماذا لو لم يكونوا بخير ؟ ماذا لو كرهوني ؟ ماذا إن لاموني على ما حدث ؟ ماذا إن لم يكونوا .. احياء ؟!!
لقد سئمت العيش ... سئمت حقاً ، خسارة من أحب بإستمرار ، ماذا لو لم يعد في داخلي طاقة للمقاومة أكثر ؟
هل سأستسلم ؟! "
كلاهما كان يعلم ، أوديسا لم تحب أن يُرى جانبها الضعيف من قبل أحد ، لكن دمعتها التي لم تُمح كانت الدليل على داخلها المضطرب فيها ، رغم اهتزاز داخلها فقد بقيت مسيطرة على نفسها ، تحاول أن تمنع الإنكسار من التسلل إلى وجهها
لكن ضعفها أمامهما في هذه اللحظة لم يخفهِ أي شيء ؛ نبرتها ، عاداتها عندما تقلق ، ارتعاشها ، كانت تقول لهما أكثر مما يمكن للكلمات قوله
أقترب ماكسيم ، و وضع يده على ظهرها برفق ، يواسيها بصمته ، بينما أخرج كايدن قطعة حلوى من جيبه كأنه يواسي طفلة ، و قدمها لها بإبتسامة هادئة ...
تلك الإبتسامة التي تجعلك تشعر أن العالم ، رغم فوضاه ،
بخير ، وتابع ماكسيم بحركاته المطمئنة ، مهدئاً إياها بكلماته
- سنكون هنا دوماً ، بجانبك ... فلا تظني يوماً أنكِ وحيدة لم يكن خطأك ، هل تفهمين ؟ كنتِ طفلة مثلهم تماماً .. الخطأ كان خطأ أولئك الخنازير السمينة ، و إن سقطتي يوماً فسنقف بجانبك ، حتى تستعيدي قوتك ... لذا ، دعي الأمر لنا الآن "
ابتسمت بخفة ، فوصفهم بالخنازير السمينة كان لائقاً جداً أمسكت الحلوى و وضعتها بجيبها ، ثم نظرت إلى كليهما و نهضت
- نعم ، سمعت أيها المحقق ، توقفا عن معاملتي كطفلة مدللة ، هيا فلنذهب لنتناول الطعام .. أشعر بالجوع قد آكل أحدكما ! "
أبتسم كلاهما بخفّة ، كانا يعلمان أنها تحاول إخفاء حزنها وتغيير الموضوع ، فقررا أن يواكبانها ، دون أن يثقلوا عليها، فهي بالفعل لا ينقصها الهم
وبينما كانوا منهمكين في تناول الطعام، صدح صوت رنين هاتف أحدهم ، و كان هاتف كايدن
- عذراً ، سأعود بعد لحظة
- أذهب ،و عُد سريعاً ، لا تُطل وإلا فقد تلتهم أودي طعامك
ها قد حذرتك "
توقفت الآخرى عن تناول طعامها و رمقته بامتعاض
- ماذاا ؟! لما تتهمني وأنا لم أفعل شيئاً ؟ هذا ظلم ! "
ضحك بخفه ، و مرر لها بعضاً من طعامه كتعويض ، لكنه دُهش عندما سمعها تقول
- دعك من هذا ، سأشكوك للرب ...تقديمك للطعام قد يخفف الحكم ، لكنه لن يمحو التهمه ، لذلك سأقبل طعامك بكل سرور "
استغرق كايدن وقت ليُنهي المكالمة ، عندما عاد بدا مختلفاً ... حزنه ، و دهشته كانتا ترتسمان على ملامحه بوضوح ، بدا أن ثقل العالم حل على كتفيه
كلانا لاحظنا التغيير ؛ تبادلنا النظرات في قلق ، لم ينطق أحد ، كنا فقط نحاول قراءة ما لم يقله
لكنني على يقين أن ما سيقوله الآن ... لن يكون جيداً
ياللحظ فعلاً ..
°
°
°
•
▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎
معلومات عشوائيه :
يرقص النحل ليخبر بقية النحل عن موقع الطعام ويُعرف هذا بأسم ( رقصة الأهتزاز ).
القطط لا تستطيع تذوق الطعام الحُلو ، لأن مستقبلات السكر لديها غير فعالة .
كيف حالكم جميعاً ؟
اتمنى أن تكونوا بأحسن حال ، أعلم أنني قد تأخرت في نشر هذا الفصل
لكن ... جدياً لقد طال الأمر في التعديل و الإضافة وهذا ما جعلني أتاخر عن النشر
♡
رافليسيا