اتجهتُ شطرَ مضجَعي، ووخزُ الضميرِ ينهشُ فؤادي. يدي...ما الذي فعلتُه بها؟ أكنتُ كالمخبولِ الأعمىٰ لا أبصرُ شيئًا! أيُّ جرمٍ جنته جوارحي حتىٰ أحرقها، وإلىٰ متىٰ وما زلتُ أتشبثُ بهذا الذنبِ الثقيل الذي يطوّق عنقي!
حدّقتُ في يدي شاردًا حتىٰ غاب الإحساس بها، ثم عاد الألم يستحوذني كالسبُعِ يفترس جسدي. تعالت صرخاتي المكبوتة، تتردّد بين الجدران، تنطق بوجعٍ ورثاء: «يا حسرتىٰ علىٰ ما فرّطتُ في جَنبِ اللّٰهِ».
أسفرت الشمسُ وانقشع المطر، وما زلتُ أصيحُ حتى وهن الجسد وغلبني الوسن، بعد ليلةٍ من سهادٍ لاشىٰ الكرىٰ. في ذنبٍ يخمدُ شهوةً للحظات، ويُضرمُ فتيلَ حسرتي لدهور!
وحين نهضتُ من رُقادي، حاولتُ تضميد حُروق يدي، وتناسي الأمر. لكن هيهات! فالوَسوسةُ نزلت بي نزولَ السيفِ، لا ترحم ولا ترفق.
بدأ يومي بضنكٍ وكرب، كغصّةٍ في صدري وقلبٍ مكدود بالهمّ والوَجد. آن وقت الظهر، والخمول قد اجتاح بدني، وقلبي أثقل من أن ينهض، فكيف لربّي أن يقبل صلاتي وأنا أجيئه مذنبًا عاصيًا؟
تدافعت الأفكار إلىٰ ذهني المُنهك، فقارعتُ استرسالها، ونهضتُ أتوضأ. صلّيت وأنا مُشتت، وكأن صلاتي جائرة ضيزىٰ لا طمأنينة فيها ولا خشوع! مالي ضللتُ الطريق وأغضبتُ المولىٰ جلّ سلطانه؟
من أنا لأَنال رضاه، وأنا ضعيف أمام ملذّات الدنيا وشهواتها؟ ما جنيتُ من الطاعة ما يشفع لي، ولا من العمل ما يستجلب رحمته. ضعتُ، ولا أرىٰ لي نجاة، وقد سيّرت نفسي إلىٰ الحيْن والخسران.
وبينما كنتُ غارقًا في لجّة أفكاري، طُرق الباب طرقًا وئيدًا، ثم ولج أخي الغرفة. فانتزعني من شرود وساوسي، وقال بهدوءٍ وبيديه المصحف: «يوسُف...اختبرني في سورةِ النساء.»
جلس قريبًا مني، وما إن ذكرتُ له الآية حتىٰ شرع يتلو بصوت رخيم: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ ۚ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا...
إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا...إِن يَدْعُونَ مِن...»
توقّف برهةً، وأطرق رأسه كمن استدرك خطأه. التفت إليّ ينتظر تصحيحًا أو إيماءةً منّي، لكنني ظللتُ أحدّق في الفراغ، لا أرىٰ ولا أسمع إلا صخب ذنبي. فأعاد الآية كما ينبغي: «وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا...انساب لساني، لمَ لمْ تُنبهني؟»
خفضتُ بصري صامتًا، والشرود يغلّفني، فما نطقت بحرف. فأغلق المصحف وهو يرمقني بنظرة عتابٍ: «يوسف...ما بالك هذه الآيام؟ أين ذهنك؟»
انتبهتُ إليه، وآثرتُ السكوت، فتركني لحالي وهو يهزّ رأسه متنهّدًا، ثم مضىٰ، تاركًا إياي شاردًا هائمًا...
_______________________
المُتشابهاتُ بين الآيتين الكريمتين (٤٨، ١١٦):
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا﴾
[سورة النساء: ٤٨].
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾
[سورة النساء: ١١٦].
____________________
عدد الكلمات: ٣٨٠ كلمة.