٦

٦

10 0

نهضتُ من سباتٍ عميقٍ أثقله البكاءُ، وأثخنته لواعج التعبِ. فلم يكن رُقادي راحةً ولا سلوانًا، بل كان نومًا أفدحه العناء.

وما إن أفقتُ، حتىٰ شعرتُ كأنني خرجتُ من صراعٍ طويل، لا يختلف عن ليلٍ مقفرٍ تاهت فيه أنفاسي بين كابوسٍ وآخر.

شعرتُ بصداعٍ يعتصرُ رأسي، وصدىٰ ارتطامِ الشاب لا يزال يحفرُ في قلبي حفرةً مخيفة. رفعتُ بصري إلىٰ النافذة؛ فإذا بتوقّف الغدق والودق، وإذا بالليلِ قد اكفهرّ، يزاحمه أنفاسُ السَّحر.

خرجتُ من غرفتي، فإذا بي أسمعُ صوتَ أخي، يرتلُ ما راجع من سورةِ النساء، فتسلّل صوتُه إلىٰ مُهجتي وأثّر في أعماقي. دنوتُ وجلستُ، فلما شعر بوجودي رفع نظرَه إليّ وقالَ بنبرةٍ يغلُبها التعجبُ والحُنُوُّ: «استيقظتَ! عساكَ بخيرٍ.»

أومأتُ إليه بهدوءٍ وابتسامةٍ خافتة: «نعم.»

قلتُ فتبسمَ، وحين نهضتُ؛ لأغادر، أغمضَ عيْنيه ورتلَ، بصوتٍ عذبٍ شجيّ: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا...يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ۚ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾

وقفتُ عند البابِ هَنيهةً أتفكرُ في الآياتِ، ثم التفتُ خلفي ببطءٍ، وإذا بعينيه تتقابلَ مع عيْنيّ، وابتسامةٌ أضاءت محيّاه، وكأنما تعمد الآياتِ حقًا.

وقفَ، ودنا منّي، وأنا كالمشلولِ، تائه وسطَ أفكاري ولُبّي المرهق. غشيتني صدمةٌ غامرة، حتىٰ خُيِّل إليّ أنّ الأرضَ تدورُ بي، وأنّي لا أسمعُ إلا رجعَ الآياتِ يطرقُ رأسي طرقًا. سادني شرودٌ طويل، وعجزَ لساني عن النطقِ، فبقيت صامتًا هائمًا.

مضىٰ أخي عنّي في سكونٍ، تاركًا إيّاي غارقًا في دوّامة نفسي. ظللت واقفًا عند البابِ زمنًا، والندمُ يجلدني، والآيات ما زالت تتردّد في مسامعي!

ثم -وقد لاحَ صدري بما حمل- انسحبتُ فتوضأتُ، فلم أجد بُدًّا إلا أن أنتصب إلىٰ صلاتي. وقفتُ في المحرابِ، أستحضرُ نيّة التوبةِ الخالصةِ، مُستشعرًا أنّي أقف بين يدي الواحد القهّار.

رفعتُ يديّ وكبّرتُ، فما إن بدأتُ أقرأ الفاتحةَ حتىٰ أهْنَفتُ، وارتجف كياني. تقاطرت دُموعي مِدْرارًا، وصوتُ شهقاتي يملأ جنباتِ الليلِ الساكنِ.

وحين خررتُ ساجدًا، تدفّق بكائي إلحافًا، أُطلقُ المواجدَ التي أثقلت كاهلي، وأُناجي: «يا ألله، أنت الموْئلُ والملجأ، ها أنا أعودُ إليك مغبونًا ببّانًا، فلا تتركني سُدًى وأنت أرحمُ الراحمين.»

قمتُ أواصلُ صلاتي، وكل آيةٍ أقرؤها تزيدُ قلبي انكسارًا، وصوتي يتقطع بين شهقةٍ وعبرةٍ، حتىٰ إذا سجدتُ ثانيةً انفجرتُ بالدعاءِ: «اللهُم تقبّلني حنيفًا منيبًا، واغفر ما أسلفتُ من ذنب، وقرّبني من رحمتك، وارحمني من سوطِك.»

طالَ سجودي الأخير، وقد غلبني البكاءُ والعويل، حتىٰ حسبتُ أنّ قلبي سينخلعُ من شدةِ الندمِ والخشية.

وحين سلّمتُ نهضتُ فأصلي الوترَ، وما زالت دموعي تنثالُ علىٰ وجهي كالغيثِ، حتىٰ سجدتُ السجدةَ الثانية: «اللهم طهّر قلبي من دنسِ المعاصي، واغفر لي وِزْري، فما أفدحه حوبًا علىٰ فؤادي. اللهُم ارحمني من أُوارِ النارِ وصَلائها، وارزقني مُرافقةَ خيرِ الأنامِ، واجعلني في ظلّ عرشك يوم لا ظلّ إلا ظلّك.»

سلّمتُ، وأخذتُ ألتقط أنفاسي بين شهقاتٍ متقطّعة، ولكنّي شعرتُ أن السكينة تغمرني، وكأن الملائكة تحفّني.

مددتُ يدي إلىٰ المصحفِ، وبدأت أتلو آياتِه بصوتٍ خافتٍ متردّد، فمضىٰ الليلُ وأنا بين تلاوةٍ ودموعٍ، وسكن قلبي شيء من الطمأنينة.

وإذا بأذانِ الفجر يرتفعُ، صوته يملأ الأفق كالبشارةِ، فشعرتُ أنه الجوابُ المنتظرُ، وأن رحماتِ اللهِ قد سبقتني قبل أن أنهض إلىٰ صلاتي.

دخل أخي عليّ وهو متوضئ، فقالَ بابتسامةٍ: «حيّاك الله يا يوسُف...هلمّ بنا إلىٰ صلاةِ الفجر.»

ابتسمتُ إليه ثم ذهبنا إلىٰ المسجدِ، وبعد أن فرغنا، جلستُ أقرأ أذكارَ الصباحِ، فيصبح قلبي في قرارٍ مكين، لا يمسه من سوءٍ.

وحين انبلجَ نورُ الصبحِ، شعرتُ بأن قلبي قد غُسل من أدرانِه، وطُهِّرَ من أوْزارِه...

وكلما هَمَّت نفسي أن تسوّل لي الذنب، شهرت في وجهها سيف الآية، أُردّد قوله تعالىٰ علىٰ لسانِ يوسُف عليه السلام، بيقين لا يتزعزع: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ۖ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾.

عندها انكسرَ سلطانَ الهوىٰ، وانطفأت نارُ الشهوةِ: «اللهم قد رجعت إليك بقلبٍ مُنيب...فاقبلني بقبولٍ حسن.»

_____________________

تمت بفضلِ اللّهِ.

عدد الكلمات: ٥٧٥ كلمة.

عدد الكلمات جُلّها: ٢٣٤٠ كلمة.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أوّاب

المؤلف Mai Meliha
2026/01/29 مكتملة
قائمة الفصول (6)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة