بعد غبّ، ها أنا ذا، وقد غلبتني شهوتي، وارتكبتُ الوزرَ ذاته بعد صراعٍ مرير. استدرجتني لذّات الدُنيا الفانية، فغفلتُ عن جنة الخلد الباقية.
ولم أجد ما أزجر به نفسي إلا أن أهيّئ قِدرًا علىٰ النار، أملؤُه ماءً يغلي؛ ليكون تذكرةً بالحميمِ وأهوال الجحيم.
جلستُ في غرفتي أراقب تصاعد البخار، ودموعي أسيرة المآقي، حتىٰ طغى الجَوىٰ علىٰ فؤادي. مددتُ يدي نحو الإناء أتهيّأ لسكبه علىٰ جسدي، وإذا بخطًى تقترب من مثواي، وصوتٌ جهوري يرنّ: «يوسُف! بقي قليلٌ علىٰ صلاةِ...العشاء!»
نبسَ بنتَ شفتِه بصوتٍ مُنكسرٍ -وهو يلمح الإناءَ بين يديّ- فاندفعَ نحْوي مذعورًا. خطفَ قطعةَ ثوبٍ عن الفراشِ، ولفّها حول كفّه، ثمّ أمسكَ بالقدْر المغليّ، وأبعده عنّي وهو يلهث. لكَزْني بقوةٍ صارخًا: «أجُننت!»
وضعت كفّي علىٰ صَدري، ثم أغلقتُ قبضتي، والعارُ يطوّقني، فإذا به يهمس: «آسِف.»
جذبني إلىٰ صدرِه بعناقٍ متين، كأنما يخشىٰ أن أفلت. ثم غاصت أصابعُه في شعري، وأخرىٰ رَبَتَتْ علىٰ ظهري. وهو يهمسُ بحُنُوّ: «ماذا أصابك يا يوسُف؟ ألم أقل إن جسدَك أمانةٌ؟»
جُمّدت عيْنايَ، ثم انفجرت دِموعي دفّاقة، وفؤادي والِهٌ مُثخنٌ بالجُروحِ. خيّم الصمتُ إلا من شهقاتي المتهالكة. فأرخىٰ العِناق، ونظر في عينيّ وأنا مطأطئ الرأس.
رفع ذقني برفق؛ فتتلاقىٰ عيناي بعينيه وهو يقول: «هل أُمرت بهذا؟ الله يقول ادعوني أستجب لكم، فمالك قانطًا يائسًا وهو أرحمُ الراحمين؟»
انهارت دموعي بين ذراعيه، وتحوّل صمتي إلىٰ نشيجٍ متقطع، بينما هو ربّت عليّ وتمتم قائلًا: «لا جُناح عليك، كلنا نأثم ونتوب...استبشر خيرًا وهيّئ نفسك؛ لنكون في الصفوف الأولى.»
____________________
عدد الكلمات: ٢٣٠ كلمة.