٤

٤

10 0

تبسملتُ وتعوّذتُ، ثم دخلتُ الحمامَ، وأنا أحمل في نفسي أثقالَ الذنوبِ. نزعتُ ثيابي كأنني أنزع معها خطايايَ. ثم بدأ الماءُ ينسابُ علىٰ جَسدي، فيغسل عني دنسَ المعاصي، ويطهّرُ قلبي من أدرانِ الماضي.

فرغتُ فتوضأتُ، فإذا بأخي يناديني للعَجَلة، فخرجتُ أتمتم: «اللهُم اجعلني من التوابين ومن المتطهرين.»

أخذنا خُطانا شطر المسجدِ. نلزم الصفَّ الأول كما اعتدنا. صلّينا ركعتيْن قبل الإقامةِ. ثم جلسَ بجانبِنا قريبٌ، وعلىٰ محيّاه ابتسامةٌ: «السلامُ عليكُم ورحمةُ اللّٰه وبركاتُه.»

أجبته شاردًا: «وعليكُمُ السلامُ.»

وفور تفلّتِ آخر حرفٍ من بين شفتيّ، رمقني أخي بنظرةٍ هادئة، فاستدركتُ وأكملتُ: «ورحمةُ اللّٰه وبركاتُه.»

ثم ردّ أخي السلامَ، فقالَ قريبُنا: «لا بأس يا أحمد...

فما زال صغيرًا يتعلم!»

فأجابه: «بل كبُر وبلغ! إنما هائمٌ بعض الشيء»

وربّت علىٰ ظهري هامسًا: «قم...استعذ باللّٰه، واقْدُدْ حبلَ الوساوس!»

أقيمت الصلاة، فوقفتُ بين الصفوف أتهيأ للمثول بين يدي الله. صدحَ الإمامُ: «اللّٰهُ أكْبَرُ...

اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ...صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ...آمين...

ثم تلا: «۞ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ...وَأَنِيبُوا إِلىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ...»

تزلزلَ قلبي. أحسستُ بالآياتِ تخترقُ سُوَيداءَ مُهجتي، وبصيصًا من الرجاءِ يتسللُ إليّ. قلت في نفسي: بأيّ آلاء ربّك تتمارىٰ؟ أليست رحمته قد وسعت كل شيءٍ، وهو الغفور الرحيم؟

سادَ المسجدَ صمتٌ مُهيب، لا يُسمع غير القرآن يُتلىٰ، وأنا مُنتصِبٌ وقد أوشكتِ الدموعُ أن تنهمرَ. غلبتني شهقاتي، وحين سجدتُ أفضتُ بالدُعاء مُلحًّا باكيًا: «اللهم اغفر لي خطاياي، اللهم ازرع في قلبي كراهية معصيتك وحب طاعتك.»

عقب السلام، قلنا أذكار الصلاة وخرجنا. مضينا إلىٰ المقبرة، حيث لحدِ والداي تحت الثرىٰ، ولم يبقَ لهما غير ذكريات طيّبة تسكن قلوبنا.

حرقةُ اللَّوعَة لامسَت شَغاف قلبي، وحُلكةُ الدُجىٰ طغىٰ علىٰ القبورِ، فما من ضوءٍ غير نورِ القمرِ وأسيادِ النجومِ.

وقفتُ عند قبريهما، وهمستُ: «السلامُ عليْكُما يا والدَيّ، غفرَ اللّٰه لكُما ورحمَكُما، وجعلَ الجنّة مثواكما.»

لبثنا صامتيْن إلىٰ قدرٍ قليلٍ، حتىٰ نطقَ أخي مع وضعِ يدِه علىٰ كتفي: «انظري يا أمّي...كيف كبُر ولدُكِ وأضحىٰ رجُلًا!»

ضربني علىٰ كتفي بخفةٍ، بينما ينظرُ إليّ بابتسامةٍ عريضة، فابتسمتُ بخفوتٍ، وأدركت أنه يلمّح لما اقترفتُه اليوم من خبول!

طأطأتُ رأسي حرجًا، فأبعد يدَه وقالَ بنبرةٍ أكثر جديّة: «انصعتَ للشيطانِ...وهو لا يريد لك إلا الهلاك.»

قال قبلما يرفع يدي؛ فيرىٰ ما أصابها من حروق، ثم أردفَ: «ركعتيْن توبةً، أوليست أحق مما جنيت! أما كانتا أولىٰ من غلي الماء...وتفتك بنفسك!»

رفع صوتَه عِتابًا في آخرِ كلماتِه، وكأنّه انفجرَ من خوفِه عليّ. نظرتُ إلىٰ عينيه بترددٍ، فرأيتُ الدِموعَ كيف تحبسُها جفونُه، فخرِسَ لِساني وصمت.

لم تكن سِوىٰ لحظاتٍ، حتىٰ سقطت دمعةٌ منه، فتشقَّ مجراها نحوَ وجنتيْه، وبصوتٍ مُستاء همسَ بعد هَنيهةٍ: «أجبْني.»

والآن أدركتُ كَظُمَ غيْظِه وحردَه. نطقتُ بصوتٍ مُتحشرج، وقلبي وجلٌ: «أعتذرُ...أخطأت!»

تنهد طويلًا، وزفر بحرقة، ثم همس متردّدًا: «واللّٰه... إنّي أخشىٰ عليك.»

____________________

عدد الكلمات: ٤٥٠ كلمة.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أوّاب

المؤلف Mai Meliha
2026/01/29 مكتملة
قائمة الفصول (6)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة