٥

٥

12 0

في غيهبِ الليلِ البهيم، تحت مُزن السماء وصوتِ الهَزيم، سِرنا، وقد ران علىٰ قلبي الوجومُ؛ بما أُلقيَ عليّ من أخي، إذ كان غضبانَ أسِفًا.

أمطرتِ السّماءُ وابِلًا من مطرٍ دَثيث، فتريثنا جانبًا. وعلىٰ حين غِرّة، ارتطم بي شابٌ يافع يترنحُ بثمولٍ. يهزج ويهذي بكلامٍ لا معنًى له، ورائحتُه ما هي إلا رائحةُ الخمرِ!

لحظاتٌ، وإذا به علىٰ قارعةِ الطريقِ السريعِ، فتقدمتُ خطوةً، والكلمةُ علىٰ طرفِ لساني لِأُنبّهه، ولكن هيهاتَ أن أدركَه، وقد باغته القدرُ؛ لقد دهسته السيارةُ في طرفةِ عينٍ، وآن أوان فَيْظِه.

انفرجت عيناي، ودقَّتْ في صدري ساعةُ الرعبِ؛ رأيت الموتَ يقتربُ كما لو أنه ظلٌّ يلتهمُني، وتلاشت كلُّ أعذارِ النفسِ، ماذا لو متُّ وأنا عاصٍ، أنّىٰ لي أن أقابل ربّي!

غرقتُ في لُجّة أفكاري، ووجهي مَخطوفٌ بالفزعِ، وكأنما أصابَه اللهف والأسىٰ. فمال قلبي؟ يخفقُ بشدةٍ من سَدَمٍ مُثقل بالندمِ: «اللهُم أحسن خاتِمتَنا.»

قال أخي، وصوتُه أعاد إليّ عقلي، فالتفتُ إليه وبدا علىٰ كليْنا الذّهول، نظرتُ إلىٰ ذراعي، كيف تقبضها يده المرتعشة، فلولا ستْرُ اللهِ ثم إمساكه بي لكنتُ في عدادِ الموتىٰ: «مرتين؟»

صوته قاسٍ من الخوفِ قبل أن يغدو غضبًا: «لو كنت مضيت خطوةً واحدةً لهلكت!...»

سكتَ قليًلا -وهو يتأمل عينيّ- وأنا لا أبادره إلا الصمت والفَرق. أردف بنبرةٍ حانية: «أصابك اللُغوبُ أليس كذلك؟ هيا لنعد.»

وحين وصلنا، خلعتُ معطفي المنضوخ، ودخلتُ مضجعي. تسطّحتُ علىٰ الفراشِ، ثم أغلقتُ عينيّ مُذعنًا للوسنِ، وما هي إلا ثوانٍ، حتىٰ دخل أخي مثوايَ.

نظرتُ إليه بعينين نصف مؤصدة، فوجدتُه يحملُ في يدِه الدواءَ. وفي عيْنيه رأيتُ لومًا ممزوجًا بأسًى، علىٰ فعلي وحالي.

جلسَ بالقُربِ منّي، ووضعَ يدَه علىٰ رأسي يمسُّ علىٰ شعري، فاستشعرتُ ذِمامًا افتقدتُه مُذ رحيلِ أمي.

أمسكَ يدي المصابة، ونظرَ إلىٰ الحروقِ التي تُغطّي كفّي. فتحَ عبوةَ المَرهَم، وبدأ يضعُ منها علىٰ يدي، فشعرتُ بحرقةٍ مؤلمةٍ، كادت أن تفوقَني ألمًا قمطَريرًا.

تأمّلَ ملامحي، وكأنه يقرأُ الألم الذي كتمتُه في صدري، فأردفَ بصوتٍ خافتٍ ممزوجًا بقهقةٍ: «وكأنّك طفلٌ.»

ابتسمَ، وحاولَ أن يُخفّفَ عنّي الألمَ بقولِه: «لا تقلق! سأكون بجانبك دائمًا لأعتني بك وأحميك، كما وعدتُ أمَّنا.»

حاول تشتيتي بكلامِه، وحين اقترب من ترطيبِ جُرحي البليغ، تشنّجَتْ ملامحي، وانكمشتُ علىٰ نفسي كأنّي أقاومُه، غيرَ أنّه لم يُبالِ، وواصلَ بصمتٍ.

تنفّستُ بعمقٍ، وحاولتُ التواري عن عينيه، ولكنّي لم أستطع، فقد كان الألمُ يُشعلُ في يدي نارًا، وكأني أحملُ جمرًا.

انبعثَ منّي أنينٌ مكتومٌ، وشددتُ علىٰ الفراشِ بيديَ الأخرىٰ، متحمّلًا لسعةَ الألمِ، فدفنتُ وجهي في الوسادةِ، حتىٰ لا يرىٰ دموعي التي خانتني.

غلبني الوجع فتمتمتُ رغمًا عنّي، بصوتٍ مبحوحٍ: «ويحك!...أرفق بي، قد أوجعتني!»

أبعد يدَه، ثم شفنَني بنظرةٍ هادئة، وقالَ: «حسنٌ! انتهيت.»

تناولَ قطعةً من الشاشِ الطبيّ، ولفَّ بها يدي، ثم أراحَني علىٰ الفراشِ، وأزاحَ عن جبيني خصلةً من شعري. نظرَ إلىٰ عينيّ الحمراوين، فكانتا تعكس وجعي الداخليّ ودموعي المكبلة.

بقينا صامتينِ للحظاتٍ، وفي نهاية الأمرِ، غطاني باللحافِ، ثم قبّلَ رأسي، وخرجَ دونَ أن ينطقَ بكلمةٍ. ظللتُ وحيدًا في الظلامِ، أراقبُ ضمّادَ يدي وكأنه يُلخّصُ كلَّ ما فعلتُه بنفسي.

_______________________

عدد الكلمات: ٤٦٠ كلمة.

بقيَ فصلٌ واحدٌ بإذنِ الرحمٰنِ.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أوّاب

المؤلف Mai Meliha
2026/01/29 مكتملة
قائمة الفصول (6)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة