بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيم
نَظَرتْ إلى مَن يُسمَّى زَوجَهَا بِعَينَيهَا الذَّابِلَتَينِ مِنْ كَثرةِ البُكَاءِ، وأَرْدَفَتْ بِصَوتِهَا الذي خَلاَ مِنَ المَشَاعِرِ اتِّجَاهَهُ مُنْذُ زَمَنٍ:
_أُريدُ الاِنفِصَالَ.
_وَلِمَاذَا هَذَا؟
أَرْدَفَ بَعْدَمَا أَلْقَى عَلَيْهَا نَظْرَةً عَابِرَةً سَريعةً وعَادَ إلى العَمَلِ عَلَى الأَوْرَاقِ التي بَيْنَ يَدَيْهِ بِدُونِ اهْتِمَامٍ حَقِيقِيٍّ لَهَا.
وَضَعَتْ أَمَامَهُ مِلَفًّا بِهِ وَرَقَةُ طَلاَقٍ مِنَ المَحْكَمَةِ مُوَقَّعَةٌ مِنْ قِبَلِهَا والأَوْرَاقُ التي وَصَلَتْهَا بِدَليلِ خِيَانَتِهِ اتِّجَاهَهَا. أَلْقَتْ نَظْرَةً أَخِيرَةً عَلَى وَرَقَةِ الطَّلاَقِ، ثُمَّ أَشَاحَتْ بِنَظَرِهَا سَريعًا قَبْلَ أَنْ تَرِقَّ إلَيْهِ، وسَحَبَتْ حَقِيبَةَ مَلاَبِسِهَا المُجَهَّزَةَ مُسْبَقًا بِجِوَارِهَا تُرِيدُ إِنْهَاءَ هَذِهِ المَهْزَلَةِ سَريعًا. وخَرَجَتْ مِنَ المَنْزِلِ بِخُطَى سَريعَةٍ مُرْتَعِشَةٍ، تَشْعُرُ بِثِقَلِ الخَطْوَةِ القَادِمَةِ، ودُونَ إِلْقَاءِ نَظْرَةٍ أُخْرَى إِلَيْهِ؛ لأنَّهَا تَعْرِفُ جَيِّدًا إِنْ فَعَلَتْ فَسَوْفَ تَضْعُفُ دُونَ شَكٍّ كَمَا كُلَّ مَرَّةٍ.
أَوْقَفَتْ سَيَّارَةَ أُجْرَةٍ، وأَعْطَتْهُ عُنْوَانَ مَنْزِلِهَا الخَاصِّ الذي بَقِيَتْ تَجْمَعُ فِي تَكَالِيفِهِ لِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ دُونَ عِلْمِ زَوْجِهَا، أَوْ بِالمَعْنَى الأَصَحِّ بِحُلُولِ الآنَ زَوْجِهَا السَّابِقِ وطَلِيقِهَا. بَقِيَتْ طَوَالَ الطَّرِيقِ تَائِهَةً فِي أَفْكَارِهَا، تَتَخَبَّطُ بَيْنَ شُعُورِ النَّدَمِ والأَنَانِيَّةِ الذي اجْتَاحَهَا؛ لأنَّهَا فَرَّقَتْ أَبًا عَنْ أَبْنَائِهِ التَّوْأَمِ دُونَ حَتَّى أَنْ يَعْلَمَ بِوُجُودِهِمْ، والارْتِيَاحِ أَنَّهَا لَنْ تَتَعَامَلَ مَعَهُ مُجَدَّدًا، وقَطَعَتِ التَّشَابُكَاتِ بَيْنَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ بِحَمْلِهَا وتَتَشَابَكَ الأُمُورُ أَكْثَرُ ويَصْعُبُ أَكْثَرُ عَلَيْهَا الرَّحِيلُ. وقَبْلَ أَنْ تَبْتَلِعَهَا دَوَّامَةُ الشُّرُودِ مَرَّةً أُخْرَى، أَيْقَظَهَا صَوْتُ السَّائِقِ بِأَنَّهَا وَصَلَتْ إلَى وُجْهَتِهَا. ابْتَسَمَتْ بِشُرُودٍ وشَكَرَتْهُ، ثُمَّ نَزَلَتْ تَعْلَمُ أَنَّ بِمُجَرَّدِ دُخُولِهَا لِهَذَا المَنْزِلِ يَعْنِي أَنَّهَا تَقْلِبُ حَيَاةَ أُسْرَةٍ كَامِلَةٍ رَأْسًا عَلَى عَقِبٍ، وتُقْحِمُ أَطْفَالًا صِغَارًا لَمْ يُولَدُوا بَعْدُ فِي مَشَاكِلِهَا الشَّخْصِيَّةِ. وفِي اللَّحْظَةِ التي أَقْفَلَتْ فِيهَا بَابَ مَنْزِلِهَا الجَدِيدِ عَلَيْهَا، اِنْهَارَتْ سَريعًا وسَمَحَتْ لِدُمُوعِهَا بِالِانْهِمَارِ عَلَى وَجْهِهَا، مُغَطِّيَةً مَلاَمِحَهَا التي لَمْ تُفَسِّرْ جَيِّدًا كُلَّ مَا دَاخِلَهَا، وَلَكِنَّهَا أَيْقَنَتْ بِدَاخِلِهَا أَنَّ هَذِهِ الخُطْوَةَ سَتُغَيِّرُ مَجْرَى حَيَاتِهَا تَمَامًا بِشَكْلٍ جَذْرِيٍّ، رُبَّمَا لِلْأَفْضَلِ أَوْ لِلْأَسْوَأِ، وَلَكِنَّ المُؤَكَّدَ أَنَّهَا لَنْ تَكُونَ سَهْلَةً أَلْبَتَّةَ.
ريماس سمير