الفصل الثالث/Chapter three

الفصل الثالث/Chapter three

9 0

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيم

بَقِيَتْ قُرَابَةَ النِّصْفِ السَّاعَةِ تَقِفُ أَمَامَ الـمِرْآةِ تُقَيِّمُ مَظْهَرَهَا لِأَوَّلِ يَوْمِ عَمَلٍ لَهَا. تُرِيدُ أَنْ تَظْهَرَ بِأَفْضَلِ مَظْهَرٍ مُتَنَاسِقٍ. بَعْدَمَا انْتَهَتْ، بَقِيَتْ تَذْهَبُ وَتَأْتِي فِي أَنْحَاءِ الْغُرْفَةِ، تَشْعُرُ بِشَيْءٍ نَاقِصٍ. ثُمَّ ضَرَبَتْ جَبْهَتَهَا بِخِفَّةٍ وَهِيَ تَتَذَكَّرُ أَنَّهَا نَسِيَتْ أَنْ تَطَّلِعَ عَلَى الْوَقْتِ، لِأَنَّهَا بَقِيَتْ تَتَجَهَّزُ بِهُدُوءٍ مُتَنَاسِيَةً الْوَقْتَ تَمَامًا.

أَلْقَتْ نَظْرَةً عَلَى هَاتِفِهَا وَأَدْرَكَتْ أَنَّهَا إِنْ لَمْ تَخْرُجِ الْآنَ سَتَتَأَخَّرُ عَلَى أَوَّلِ يَوْمِ عَمَلٍ لَهَا. سَحَبَتْ حَقِيبَتَهَا وَهَاتِفَهَا وَخَرَجَتْ مِنْ مَنْزِلِهَا سَرِيعًا. أَوْقَفَتْ سَيَّارَةَ أُجْرَةٍ وَأَعْطَتْهُ عُنْوَانَ الشَّرِكَةِ، وَبَقِيَتْ تُخَطِّطُ فِي دَاخِلِهَا كَيْفَ سَتَبْدَأُ يَوْمَهَا الْأَوَّلَ.

هَلْ لَرُبَّمَا تَتَعَرَّفُ عَلَى زُمَلَائِهَا وَتَبْنِي مَعَارِفَ لَهَا؟ أَمْ تَعْمَلُ بِهُدُوءٍ وَتَبْقَى وَحِيدَةً بَعِيدَةً عَنِ الْآخَرِينَ وَعَنِ الْمَشَاكِلِ؟

بَقِيَتْ تُفَكِّرُ حَتَّى قَطَعَ حَبْلَ أَفْكَارِهَا السَّائِقُ بِإِخْبَارِهَا أَنَّهَا وَصَلَتْ لِوَجْهَتِهَا. حَاسَبَتْهُ سَرِيعًا وَتَوَجَّهَتْ لِلشَّرِكَةِ بِابْتِسَامَةٍ مُتَحَمِّسَةٍ عَلَى ثَغْرِهَا. وَهِيَ ذَاهِبَةٌ إِلَى مَكْتَبِهَا، وَجَدَتِ ابْنَ الْمُدِيرِ السَّيِّدَ أَلِكْس فِي طَرِيقِهَا، أَلْقَتْ عَلَيْهِ السَّلَامَ بِتَهْذِيبٍ ثُمَّ تَوَجَّهَتْ لِمَكْتَبِ الْمُدِيرِ لِيُعْلِمَهَا مَا يَجِبُ أَنْ تَفْعَلَهُ.

ــــــــــــــــــــــــــ

بَقِيَتْ تَعْمَلُ لِوَقْتٍ مُتَأَخِّرٍ حَتَّى غَلَبَهَا التَّعَبُ وَالْإِرْهَاقُ. بَقِيَتْ مُتَّكِئَةً عَلَى كُرْسِيِّهَا وَهِيَ لَا تَقْوَى عَلَى الْوُقُوفِ. تَمْتَمَتْ لِنَفْسِهَا بِحَسْرَةٍ:

"لَمْ أَكُنْ أَدْرِي أَنَّ عَمَلَ السِّكْرِتِيرَةِ مُرْهِقٌ لِهَذَا الْحَدِّ."

تَنَهَّدَتْ بِضِيقٍ، ثُمَّ حَنَّ صَوْتُهَا فِي النِّهَايَةِ وَوَضَعَتْ يَدَهَا عَلَى مَعِدَتِهَا وَهِيَ تُمَتْمِتُ بِهُدُوءٍ:

"كُلُّهُ لِأَجْلِكُمْ يَا أَحِبَّائِي. أَتَمَنَّى أَنْ أَصْبَحَ أُمًّا صَالِحَةً لَكُمْ وَأُشْعِرَكُمْ دَوْمًا بِالْحُبِّ وَالْأَمَانِ."

وَقَفَتْ بِتَرَنُّحٍ وَبَقِيَتْ مُسْتَنِدَةً عَلَى طَاوِلَةِ الْمَكْتَبِ قَلِيلًا، حَتَّى سَمِعَتْ صَوْتَ أَلِكْس خَلْفَهَا يَسْأَلُهَا إِنْ كَانَتْ تَحْتَاجُ الْمُسَاعَدَةَ. الْتَفَتَتْ لَهُ وَضَحِكَتْ بِخِفَّةٍ ثُمَّ قَالَتْ:

_حَسَنًا، لَنْ أَرْفُضَ لُطْفَكَ هَذَا، فَأَنَا لَا قُوَّةَ لَدَيَّ حَالِيًا عَلَى الِاعْتِرَاضِ.

ابْتَسَمَ لَهَا الْآخَرُ وَقَادَهَا لِحَيْثُ سَيَّارَتُهُ لِيُوصِلَهَا لِمَنْزِلِهَا. بَقِيَا طَوَالَ الطَّرِيقِ صَامِتَيْنِ، وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا صَمْتًا مُحْرِجًا، بَلْ كَانَ صَمْتًا مُرِيحًا لَمْ يُزْعِجْ أَحَدَهُمَا.

وَصَلَتْ أَخِيرًا لِوَجْهَتِهَا فَشَكَرَتْهُ.

أَجَابَهَا مُبْتَسِمًا:

_لَا شُكْرَ عَلَى وَاجِبٍ، مَدَامْ إِزَابِيلَا.

_لَا، حَقًّا شُكْرًا لَكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ.

ثُمَّ لَوَّحَتْ لَهُ بِخِفَّةٍ وَهِيَ تَدْخُلُ لِمَنْزِلِهَا. ذَهَبَتْ لِغُرْفَتِهَا مُسْرِعَةً، وَهِيَ تَنْتَظِرُ اللَّحْظَةَ الَّتِي سَتَرْمِي فِيهَا هُمُومَ الْيَوْمِ خَلْفَهَا وَتَذْهَبُ لِلنَّوْمِ.

غَيَّرَتْ مَلَابِسَهَا سَرِيعًا وَقَذَفَتْ بِنَفْسِهَا عَلَى سَرِيرٍ تَشْعُرُ بِدِفْئِهِ، وَكَمِ انْتَظَرَتْ هَذِهِ اللَّحْظَةَ بَعْدَ يَوْمِ عَمَلٍ طَوِيلٍ وَمُرْهِقٍ!

نَامَتْ سَرِيعًا دُونَ مَجْهُودٍ وَرَمَتْ بِكُلِّ شَيْءٍ آخَرَ وَرَائِهَا لِتَسْتَعِدَّ لِيَوْمٍ آخَرَ بَعْدَمَا تَسْتَعِيدُ طَاقَتَهَا الَّتِي سُحِبَتْ مِنْهَا.

ــــــــــــــــــــــ

استَيْقَظَتْ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ صَبَاحًا تَشْعُرُ بِوَجَعٍ شَدِيدٍ فِي مَعِدَتِهَا، حَتَّى أَصْبَحَ التَّنَفُّسُ صَعْبًا لِلْغَايَةِ. حَاوَلَتِ الْوُقُوفَ وَاسْتَنَدَتْ عَلَى الْحَائِطِ، وَلَكِنَّهَا لَمْ تَقْوِ عَلَى التَّوَازُنِ وَسَقَطَتْ عَلَى الْأَرْضِ، تُحَاوِلُ الْتِقَاطَ أَنْفَاسِهَا. بَقِيَتْ عَلَى الْأَرْضِ حَتَّى غَلَبَهَا التَّعَبُ وَأُغْمِيَ عَلَيْهَا.

بَقِيَتْ مُمَدَّدَةً عَلَى الْأَرْضِ حَتَّى حَلَّ الصَّبَاحُ، وَاسْتَيْقَظَتْ عَلَى شُعُورٍ بِأَنَّ جَسَدَهَا كُلَّهُ يُؤْلِمُهَا. لَمْ تَقْوِ عَلَى الْوُقُوفِ، فَاسْتَلْقَتْ عَلَى ظَهْرِهَا، وَلِوَهْلَةٍ شَعَرَتْ بِالْوَحْدَةِ الَّتِي تَعِيشُ فِيهَا. بَقِيَتْ تُفَكِّرُ حَتَّى امْتَلَأَتْ عَيْنَاهَا بِالدُّمُوعِ، حَتَّى فَاضَتْ وَلَمْ تَقْوِ عَلَى حَبْسِهَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَتَمَنَّتْ فِي دَاخِلِهَا أَنْ يُصْبِحَ أَطْفَالُهَا هُمْ وَنِيسَهَا وَيَمْلَأُونَ عَلَيْهَا حَيَاتَهَا، وَأَنْ لَا تَشْعُرَ بِالْعَجْزِ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ مُجَدَّدًا.

----------------------

ركن نقاش الفصل الثالث:

ما هو السر وراء جملة إيزابيلا "أتمنى أن أصبح أماً صالحة لكم" وهي تضع يدها على معدتها؟ هل تعتقدون أنها تخفي سراً كبيراً من الماضي، أم هو مجرد حلم بالأمومة يراودها في لحظات ضعفها؟

هل كان تدخل أليكس وتوصيله لإيزابيلا مجرد شهامة عابرة من ابن مدير الشركة، أم أن اهتمامه بها سيأخذ منحنى آخر في الفصول القادمة؟

استيقظت إيزابيلا في الفجر وهي تعاني من ألم شديد وضيق تنفس أدى لسقوطها وفقدانها للوعي... من تتوقعون سيجدها في هذه الحالة الصعبة؟ أم أنها أصبحت منسية للجميع؟

هل ستقرر إيزابيلا الاستمرار في هذه الوظيفة المرهقة التي استنزفت طاقتها منذ اليوم الأول، أم أن حالتها الصحية ستكون العائق الأكبر أمامها؟

ما هو أكثر مشهد أثار تعاطفكم مع إيزابيلا في هذا الفصل؟ شاركوني توقعاتكم لما سيحدث لها عند حلول الصباح.

بانتظار قراءة تحليلاتكم وتوقعاتكم في التعليقات.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

سوء فهم/Misunderstanding

المؤلف ريماس سمير
2026/01/30 مستمرة
قائمة الفصول (13)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة