مَدِيْنَةٌ تَرَىٰ أَكْثَرَ مِمَاْ يَجِبْ

مَدِيْنَةٌ تَرَىٰ أَكْثَرَ مِمَاْ يَجِبْ

13 0

مدينة صامتة، ممدودة تحت ضوء بارد يشبه ضوء الفجر… لكن بلا شمس.

المباني تصطفّ على جانبي الشارع مثل كتل زجاج عملاقة، واجهاتها ملساء تمامًا، تعكس كل شيء إلا الحياة. لا شقوق، لا غبار، لا صدأ. كل سطح يلمع ببرودة، كأنه لا ينتمي لهذا العالم. النوافذ ليست نوافذ فعلًا، بل مرايا عمودية، ترى فيها الشارع مكررًا إلى ما لا نهاية.

الشارع نفسه يبدو كأنه مصقول حديثًا؛ أرضيته رمادية فضية، تعكس أقدام المارّة لكن بحدة غير طبيعية. انعكاسات الناس أطول قليلًا من أجسادهم، وكأنها تحاول الإفلات من أقدامهم.

في بعض البقع، ترى الانعكاس أوضح من الأصل.

السماء…

هي أكثر ما يربكك في الصورة.

ليست زرقاء، ولا ملبدة بالغيوم.

هي صفحة مرآة ضخمة، مقلوبة، تعكس المدينة نفسها. ترى المباني فوقك كما هي تحتك، لكن مشوّهة قليلًا، وكأن السماء لا تنقل الصورة بدقة، بل تفسّرها بطريقتها الخاصة. في مكان ما، بالكاد يُرى، شق رفيع أسود يخترق هذا السطح اللامع… كجرح لم يلتئم.

الأضواء صفراء باهتة، مصابيح الشوارع لا تبعث دفئًا، بل توحي بالمراقبة. كل مصباح يصنع دائرة ضوء، وداخلها ترى انعكاسات متعددة لنفس المشهد، كأن الواقع يُعاد نسخه مرارًا.

المدينة مزدحمة… لكن بلا ضجيج.

الناس موجودون، يسيرون، يتحدثون، لكن الصورة بلا صوت. تشعر وكأنك تنظر من خلف زجاج سميك. الوجوه عادية، لكن العيون في الانعكاسات أغمق، أعمق، أذكى.

وفي منتصف الصورة تقريبًا، هناك واجهة مبنى أكبر من غيرها.

مرآة عملاقة.

ولو دقّقت النظر… سترى شخصًا واقفًا أمامها.

لا تدري إن كان ينظر إلى نفسه…

أم أن صورته هي التي تنظر إليه.

كل شيء في الصورة نظيف، مثالي، جميل بشكل غير مريح.

جمال بارد.

جمال يخفي شيئًا.

وتحت الصورة، كأنها مكتوب بخط صغير جدًا لا يُرى إلا إذا اقتربت:

“هنا، الواقع ليس الأصل.”

---

الفصل الاول

---

لم يكن أحد في مدينة المرايا يتذكّر متى بدأت المرايا.

لم تكن هناك أسطورة واضحة، ولا كتاب قديم يذكر لحظة التحوّل، ولا شيخ يتفاخر بأنه آخر من رأى جدارًا لا يعكس وجهه. كأن المدينة وُلدت هكذا، مكتملة، باردة، مصقولة، وكأن الذاكرة الجماعية اتفقت—دون قرار—على أن هذا هو الشكل الطبيعي للأشياء.

المباني لم تكن شفافة، لكنها لامعة. لمعان لا يُظهر الداخل، بل يُظهر الخارج فقط… الإنسان الواقف أمامها.

الجدران لا تعكس السماء إلا بقدر ما تعكس العيون التي تنظر إليها.

حتى الأرض، حين تمشي فوقها، ترى ظلّك واضحًا، أدقّ من أي ظل صنعته الشمس يومًا.

السماء نفسها كانت غريبة.

لم تكن زرقاء خالصة، ولا رمادية. كانت صفحة مصقولة، تُعيد الأشياء ببرود: الطيور، الغيوم، أحيانًا وجهك إن رفعت رأسك طويلًا. لذلك تعلّم الناس ألا ينظروا إلى الأعلى أكثر من اللازم.

آدم تعلّم هذا… لكن لم ينجح دائمًا.

كان في العشرين من عمره، طويل القامة، نحيلًا، يحمل في وجهه شيئًا غير مستقر. ليس جمالًا ولا قبحًا، بل ذلك النوع من الملامح التي توحي بأن صاحبها يفكّر أكثر مما ينبغي. عيناه كانتا تتحركان دائمًا، لا تثبتان طويلًا، كأنهما تبحثان عن خلل في نظام مُحكم.

منذ طفولته، كان مختلفًا.

بينما كان الأطفال الآخرون يمرّون أمام المرايا دون اكتراث، كان آدم يتوقّف.

ينظر.

يدقق.

يحاول أن يفهم لماذا يشعر أحيانًا بأن الانعكاس يتأخر جزءًا من الثانية.

قالوا له إن هذا وهم.

قالوا إن الضوء يخدع العين.

قالوا إن التفكير الزائد مرض المدينة الخفي.

فصمت.

كبر وهو يصمت، لكن الشك كبر معه.

في شقته الصغيرة، في الطابق السابع من بناية كاملة اللمعان، لم يكن هناك أي سطح لا يعكسه. الخزانة، الطاولة، الباب، حتى إطار السرير المعدني. لذلك اعتاد أن يطفئ الأنوار باكرًا، لأن الظلام—على عكس الضوء—كان رحيمًا. في الظلام، تختفي الانعكاسات، أو تضعف على الأقل.

في تلك الليلة، لم يستطع النوم.

جلس على طرف السرير، والمدينة صامتة خلف النافذة. لا ضجيج سيارات، لا أصوات بشر واضحة. فقط همهمة خفيفة، تشبه احتكاك زجاج بزجاج، كأن المدينة تتنفّس ببطء.

وقف وتقدّم نحو المرآة المعلّقة على الجدار المقابل.

كانت مرآة عادية… بقدر ما يمكن لأي شيء في هذه المدينة أن يكون عاديًا.

نظر إلى نفسه.

الشعر الداكن غير المرتّب، الهالات الخفيفة تحت العينين، الفم المشدود قليلًا.

انعكاس مألوف. مطمئن.

تنفّس.

رفع يده اليمنى.

الانعكاس رفع يده اليمنى.

خفضها.

الانعكاس خفضها.

كاد يبتسم، حين لاحظ شيئًا.

لم يكن واضحًا.

لم يكن صريحًا.

لكنه كان هناك.

العينان في المرآة… رمشتا متأخرتين.

جزء صغير من الثانية.

قصير لدرجة أن أي شخص آخر كان سيتجاهله.

لكن آدم لم يفعل.

اقترب خطوة.

قال بصوت خافت، كأنه يخاف أن يسمعه الجدار نفسه: «تعبان؟»

سؤال سخيف.

يعرف ذلك.

لكن الكلمات خرجت.

الانعكاس لم يجب.

اكتفى بالنظر.

وفي تلك النظرة، شعر آدم بشيء لم يعرف له اسمًا.

لم يكن خوفًا.

لم يكن دهشة.

كان إحساسًا بأن هناك وعيًا خلف الزجاج.

تراجع خطوة، وضحك على نفسه. «توتر… بس توتر.»

أدار ظهره للمرآة، لكن الإحساس لم يختفِ.

كان كمن يشعر بنظرات على ظهره دون أن يسمع حركة.

في اليوم التالي، خرج إلى الشارع باكرًا.

الشمس انعكست على كل شيء، حتى صار الضوء نفسه حادًا، جارحًا للعين. الناس يمشون بسرعة، رؤوسهم إلى الأمام، لا أحد يتوقّف، لا أحد يحدّق.

آدم كان دائمًا الاستثناء.

مرّ أمام واجهة متجر مغلقة، ولمح انعكاسه يمشي معه.

في البداية كان طبيعيًا.

ثم—وبدون سبب—شعر بأن الانعكاس ينظر إليه… لا إلى الطريق.

توقّف آدم.

توقّف الانعكاس.

لكن النظرة استمرّت.

همس: «شو في؟»

لم يكن يتوقع جوابًا.

لكنه سمعه.

صوت خافت، كأنه يأتي من داخل رأسه، لا من الزجاج: «انتبه.»

تجمّد آدم.

القلب بدأ يخفق بسرعة غير مبرّرة.

التفت حوله. الناس يمشون، لا أحد توقّف، لا أحد سمع شيئًا.

عاد بنظره إلى الواجهة.

انعكاسه كان طبيعيًا من جديد.

فارغًا. صامتًا.

ابتلع ريقه.

ومشى.

منذ تلك اللحظة، تغيّر كل شيء.

بدأ يلاحظ تفاصيل لم يكن يراها من قبل.

انعكاسات تبتسم حين لا يبتسم أصحابها.

أخرى تحدّق طويلًا أكثر من اللازم.

بعضها—وأقسم على ذلك—لا يرمش أبدًا.

وفي الليل، حين يعود إلى شقته، صار يتجنّب النظر المباشر إلى المرايا.

ليس خوفًا فقط… بل احترامًا.

كأن هناك حدًا غير مكتوب، عبوره يعني دعوة لشيء لا يُفهم.

لكن الفضول… كان أقوى.

بعد أسبوع، لم يحتمل.

وقف أمام المرآة مجددًا، في الظلام، ضوء خافت فقط من الشارع.

نظر.

قال، هذه المرة بثبات:

«إذا كنت موجود… احكي.»

ساد صمت ثقيل.

طويل.

ثم تحرّك الانعكاس… قبل أن يتحرّك آدم.

ابتسم.

ابتسامة لم تكن له.

وقال:

«أخيرًا انتبهت.»

في تلك اللحظة، أدرك آدم حقيقة بسيطة ومخيفة: المدينة لم تكن تعكسهم…

كانت تراقبهم.

___

انتهى

___

شكرا لكل من يفتح عقله الى الوعي

لا الى عادات وتقاليد تمحوا شخصية الفرد

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

إِنْعِكَاْسٌ

المؤلف Carla Zoldik
2026/02/07 مكتملة
قائمة الفصول (8)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة