ختام المسك برفقتكم
استمتعو
---
الفصل السادس
---
لم يحدث الانقلاب فجأة.
لو كان كذلك، لكان أسهل على آدم أن يصدّقه، أن يصرخ، أن يهرب، أن ينهار.
لكن ما حدث لم يكن انفجارًا… بل تآكلًا.
في الصباح، استيقظ آدم دون أن ينظر إلى المرآة.
ليس لأنه خائف،
بل لأنه لم يشعر بالحاجة.
كانت هذه أول علامة.
ارتدى ملابسه بهدوء، ربط حذاءه، وخرج من الشقة.
المدينة بدت… عادية.
هادئة أكثر من اللازم، لكن عادية.
الناس في الشارع أقل، نعم.
لكن لا أحد يسأل.
لا أحد يلاحظ.
كأن الاختفاء صار تفصيلًا ثانويًا.
في واجهة أحد المحال، لمح انعكاسه صدفة.
توقف.
لم يكن هناك أحد آخر.
فقط هو.
رفع يده.
انعكاسه رفعها.
ابتسم ابتسامة خفيفة.
الانعكاس ابتسم… بنفس التوقيت.
لا تأخير.
لا اختلاف.
شعر آدم براحة غريبة.
تابع سيره.
في العمل، لم يسأله أحد أين كان بالأمس.
لم يسأله أحد عن سامر.
لم يُذكر اسم أي شخص اختفى.
الفراغ صار طبيعيًا.
جلس على مكتبه، فتح ملفًا، وبدأ العمل.
الأفكار كانت واضحة.
التركيز حاد.
لا تردد.
قال في نفسه:
غريب… صرت أهدأ.
سمع الصوت.
ليس من مرآة.
ليس من زجاج.
من داخله.
«لأنك توقفت عن المقاومة.»
لم ينتفض.
لم يقل “اسكت”.
فقط أجاب، داخليًا: وأنت؟
«أنا ما عاد ضروري.»
توقف آدم عن الكتابة.
شو يعني؟
«كنت مرحلة.»
رفع رأسه.
لم يكن هناك أي سطح عاكس قريب.
مرحلة لإيش؟
ساد صمت.
ثم: «لتصير كامل.»
عاد آدم إلى البيت عند المساء.
فتح الباب، دخل، وأضاء النور.
المرآة في الردهة كانت مغطّاة.
نسي أنه غطّاها منذ أيام.
وقف أمامها طويلًا.
لم يشعر بالخوف.
فقط فضول هادئ.
نزع القماش.
المرآة كانت… فارغة.
لم يكن هناك انعكاس.
ليس ظلامًا.
ليس تشوّهًا.
فقط غياب.
تقدم خطوة.
لم يظهر.
وضع يده على الزجاج.
لم تُرفع يد أخرى لملاقاته.
قال بصوت مسموع: «وينك؟»
لا جواب.
جلس على الكرسي المقابل للمرآة.
انتظر.
دقيقة.
خمس.
عشر.
لا صوت.
لا حركة.
شعر بشيء بارد في صدره، لكنه لم يكن خوفًا.
كان إدراكًا.
همس: «خلص؟»
سمع صوته فقط.
في تلك الليلة، حلم آدم حلمًا بلا صور.
كان هناك إحساس فقط.
إحساس بأنه ينظر… من الداخل.
كأنه هو المرآة.
استيقظ قبل الفجر.
وقف فورًا، وذهب إلى المرآة.
هذه المرة، كان هناك انعكاس.
وجهه.
ملامحه.
لكن شيئًا واحدًا تغيّر.
العينان.
لم يكن فيهما قلق.
ولا فضول.
ولا تساؤل.
كان فيهما… يقين.
قال الانعكاس: «صباح الخير.»
تراجع آدم خطوة.
«أنت…»
أجاب الانعكاس بهدوء: «أنا ما عدت انعكاس.»
ابتلع آدم ريقه. «وين راح؟»
«ما راح.»
«شو يعني؟»
اقترب الانعكاس قليلًا. «اندمج.»
شعر آدم بصداع خفيف. «وانا؟»
ابتسم الآخر. «هذا السؤال اللي تأخرت تسأله.»
جلس آدم. «أنا عم بحلم.»
«لو حلم، كنت صحيت.»
«أنا فقدت عقلي.»
«لو فقدته، ما كنت تسأل.»
سكت آدم طويلًا.
ثم قال: «مين أنا؟»
الانعكاس لم يُجب فورًا.
رفع يده.
آدم رفع يده… قبل أن يقرر.
توقف.
نظر إلى يده.
لم يكن متأكدًا من من بدأ الحركة.
قال بصوت منخفض: «من فينا الأصل؟»
اقترب الانعكاس حتى لامس الزجاج. «الأصل هو اللي قدر يعيش.»
في الأيام التالية، عاد آدم إلى حياته.
بلا مرايا.
غطّاها جميعًا.
لم يكن بحاجة لها.
الناس القليلون الذين بقوا، كانوا يرونه طبيعيًا.
هادئًا.
مقنعًا.
لم يعد يسأل.
لم يعد يتردد.
صار يعرف ماذا يقول.
متى يصمت.
كيف ينظر.
كان… مناسبًا.
لكن أحيانًا—
في لحظات نادرة—
كان يمر بجانب زجاج مظلم…
ويرى انعكاسًا يتحرك متأخرًا جزءًا من الثانية.
كان يتوقف.
يحدّق.
ثم يكمل طريقه.
في أحد الأيام، سمع طفلًا يقول لأمه: «ماما… ليش هالزلمة ما عنده انعكاس؟»
شدّت الأم الطفل. «لا تطلع.»
تابع آدم سيره.
في تلك الليلة، وقف أمام مرآة وحيدة لم يغطّها.
نظر طويلًا.
قال: «إذا كنت أنا…»
لم يُكمل الجملة.
الانعكاس أكملها: «فما المشكلة؟»
سكت.
لم يكن يعرف الجواب.
ولأول مرة، لم يكن متأكدًا إن كان يريد أن يعرف.
___
انتهى
___
هل سترغب بمعرفة الحقيقة ان كان كل شيء يشير الى انها ستؤذيك؟
هل ستتبع فضولك رغم معرفة النهاية؟
آدم لم يتغير
آدم فقط فهم
ان ما يراه، هو انعكاس لما يريد
Carla Zoldik