عبادة ربنا اولا اصدقائي ، فالحمد لله دوما وابدا
والشكر لك يا ربي على نعمك الصغيرة والكبيرة
لنبدأ
---
الفصل الثاني
---
لم يصرخ آدم.
توقّع نفسه أن يصرخ، أن يتراجع بعنف، أن يركض خارج الغرفة ويترك المرآة تتحدّث وحدها. لكن شيئًا ما ثبّته في مكانه. ربما الصدمة، وربما الفضول، وربما ذلك الإحساس الغريب… أن الصوت لم يكن معاديًا.
كان هادئًا.
باردًا.
قريبًا.
«أخيرًا انتبهت.»
ظلّت الكلمات معلّقة في الهواء، كأن الغرفة نفسها تحاول فهمها. آدم نظر إلى انعكاسه، إلى تلك الابتسامة التي لا تشبه ابتسامته، ثم نظر إلى يديه، كأنه يتأكد أنه ما يزال في جسده.
قال بصوت متقطّع: «مين… مين انت؟»
الانعكاس لم يتحرّك فورًا.
أراح يديه على صدره، مقلّدًا وضعية آدم، لكن بعناية زائدة، كأن الحركة مدروسة.
«أنا؟»
توقّف لحظة، ثم قال:
«أنا أنت. أو… الجزء اللي ما سمحوا له يطلع.»
ضحك آدم ضحكة قصيرة، عصبية. «هالشي مستحيل.»
«كل شي هون مستحيل،» ردّ الصوت بهدوء، «بس انت متعوّد.»
تراجع آدم خطوة. اصطدمت ساقاه بالسرير. جلس دون أن يشعر.
المرآة أمامه، ثابتة، والانعكاس ينظر إليه بعينين تشبهان عينيه… لكن فيهما شيء أعمق. شيء يعرف.
«ليش عم تحكي معي؟» سأل آدم.
اقترب الانعكاس من الزجاج، حتى صار وجهه قريبًا جدًا.
قال: «لأنك الوحيد اللي سأل.»
صمت.
في الخارج، المدينة تلمع كعادتها. لا شيء تغيّر… إلا كل شيء.
في الأيام التالية، لم يخبر آدم أحدًا.
لم يخبر صديقًا، ولا زميل عمل، ولا حتى نفسه بشكل كامل. كان يعيش بحذر، كمن يحمل سرًا هشًّا يخاف أن ينكسر إن نطق به.
لكن في الليل… كان يعود.
يقف أمام المرآة.
ينتظر.
أحيانًا، لا يحدث شيء.
وأحيانًا، يظهر الانعكاس قبل أن يظهر آدم.
في إحدى الليالي، قال له: «المدينة بتسمع.»
آدم شدّ كتفيه. «المدينة جماد.»
ابتسم الانعكاس. «انت بتشوف اللمعان، مو اللي وراه.»
بدأ الحوار بينهما يتخذ شكلًا منتظمًا.
لم يكن الانعكاس يتكلم كثيرًا، لكنه حين يفعل، كان كلامه دقيقًا، موجّهًا، كأنه يعرف متى يصمت.
علّمه أشياء.
قال له أي الشوارع لا يجب أن يسلكها ليلًا.
قال له أي المرايا “أعمق” من غيرها.
حذّره من الوقوف طويلًا أمام واجهات معيّنة.
وفي كل مرة، كان كلامه ينقذ آدم من موقف غريب.
مرّة، كاد آدم أن يعبر شارعًا، فتجمّد فجأة بلا سبب. سيارة مرّت بسرعة جنونية بعد ثانية واحدة فقط.
في تلك الليلة، قال له الانعكاس: «قلت لك انتبه.»
بدأ آدم يثق به.
بل… بدأ يعتمد عليه.
صار يشعر أن الانعكاس يفهمه أكثر من أي إنسان. لم يكن يحكم، لم يكن يسخر، لم يقل له يومًا “أنت تتوهم”.
قال له مرة: «ليش غيري ما بيشوف اللي بشوفه؟»
أجاب الانعكاس: «لأنهم راضين بالسطح. وانت… لا.»
في العمل، صار آدم شاردًا. يحدّق في الشاشات اللامعة، في النوافذ، في أي شيء يعكس. يبحث عن نظرة، عن إشارة.
بعض الانعكاسات كانت فارغة.
أخرى… كانت تراقب.
بدأ يلاحظ أن الناس أنفسهم تغيّروا.
أو ربما هو الذي تغيّر.
صديقته القديمة، ليلى، سألته ذات يوم: «مالك؟ حاسّك بعيد.»
نظر إلى انعكاسه في زجاج المقهى قبل أن يجيب. «حاسس إنو في شي غلط… بس ما حدا منتبه.»
ضحكت. «أنت دايمًا هيك.»
لكن انعكاس ليلى… لم يضحك.
في تلك الليلة، قال له الانعكاس: «لا تثق بكل انعكاس.»
آدم عقد حاجبيه. «وأنت؟»
ساد صمت طويل.
ثم قال الصوت: «أنا بحاول أحميك.»
كانت تلك الجملة كافية.
بدأت الأحلام.
أحلام مليئة بالمرايا.
ممرات طويلة، لا نهاية لها، وجوه بلا أجساد، وأصوات تهمس باسمه من كل اتجاه.
في كل حلم، كان هناك انعكاس واحد فقط لا يهمس… بل ينظر.
وحين يستيقظ، كان يشعر أن الحلم لم ينتهِ.
في إحدى الليالي، لاحظ شيئًا جديدًا.
الانعكاس… لم يعد مطابقًا له تمامًا.
كان يقف أكثر استقامة.
عيناه أكثر ثباتًا.
كأنه نسخة محسّنة.
قال آدم مازحًا: «صرت أحسن مني.»
ردّ الانعكاس، بنبرة لا تخلو من فخر خفيف: «أنت عم تتعلّم.»
تردّد آدم قبل أن يسأل: «شو بدك مني؟»
اقترب الانعكاس أكثر. «بس خليك واعي. لما يجي الوقت… رح تفهم.»
«وقت شو؟»
لم يجب.
في اليوم التالي، اختفى انعكاس أحد الجيران.
لم يختفِ الرجل نفسه، بل انعكاسه.
آدم رآه بوضوح: يمشي أمام واجهة متجر، بلا ظل، بلا صورة.
شعر بالغثيان.
في الليل، واجه الانعكاس. «شو عم يصير؟»
تنفّس الانعكاس بعمق، كأنه يتردّد. «بعضهم… خسروا أنفسهم.»
«كيف يعني؟»
«طوّلوا النظر. صدّقوا الصورة أكتر من الأصل.»
جلس آدم على الأرض. «وأنا؟»
نظر الانعكاس إليه طويلًا. «انت لسه بخير.»
ثم أضاف: «طالما بتسمعني.»
كانت تلك أول مرة يشعر آدم بشيء يشبه الخوف… من الاعتماد.
لكن في الوقت نفسه، شعر بشيء آخر.
أمان.
كأن هناك من يمسكه عند حافة هاوية لا يراها غيره.
لم يكن يعلم أن كل حافة…
لها جانب آخر.
___
انتهى
___
لو يوما ادركت انك انت، لست انت.
كيف ستكون ردة فعلك؟
هل ستحاول ان تعود الى ذاتك الحقيقية؟
Carla Zoldik