حِيْنَ لَاْ تَتَفِقْ الْإِنْعِكَاْسَاْتُ

حِيْنَ لَاْ تَتَفِقْ الْإِنْعِكَاْسَاْتُ

13 0

انرتم يومي اصدقائي

استمتعوا

---

الفصل الثالث

---

لم يبدأ الشكّ كفكرة واضحة.

لم يأتِ على شكل سؤال مباشر، ولا على هيئة خوف مفاجئ.

جاء كإحساس صغير، مزعج، يشبه شعورك عندما تنسى كلمة تعرفها جيدًا. تعرف أنها موجودة، لكنك لا تستطيع الإمساك بها.

آدم شعر به أول مرة في الصباح.

كان يقف أمام مرآة الحمّام، يغسل وجهه، حين لاحظ أن انعكاسه لا يبدو متعبًا مثله.

عيناه صافيتان أكثر من اللازم.

ابتسامته—إن جاز تسميتها ابتسامة—ثابتة.

قال آدم، بلا مقدّمات: «ليش دايمًا شكلك أهدى مني؟»

لم يُجب الانعكاس فورًا.

راقبه وهو يجفّف وجهه، يحرّك يديه، يلتفت.

ثم قال: «لأني ما بتعب متلَك.»

آدم عقد حاجبيه. «كيف يعني؟»

«انت بتعيش هون. أنا… لا.»

كانت الإجابة بسيطة.

أبسط مما يجب.

خرج آدم من الشقة، لكن الكلمات ظلّت تلاحقه.

أنا لا أعيش هنا.

المدينة في ذلك اليوم بدت أكثر لمعانًا.

كأن الضوء صار أقسى، أو كأن عينيه صارتا أضعف.

كل واجهة زجاجية تحوّلت إلى احتمال.

كل انعكاس إلى سؤال.

في الطريق إلى العمل، مرّ بجانب مبنى حكومي ضخم، واجهته بالكامل مرآة واحدة متصلة.

توقّف دون قصد.

رأى نفسه…

ورأى غيره.

انعكاسات لأشخاص لم يكونوا واقفين هناك.

وجوه تظهر لثوانٍ ثم تختفي.

ظلال تتحرّك ببطء، بعكس حركة المارّة.

شعر بدوار خفيف.

سمع صوتًا—ليس صوت انعكاسه المعتاد—بل آخر، خشن قليلًا: «لا تطوّل.»

التفت بسرعة.

لا أحد.

عاد بنظره إلى الزجاج.

انعكاسه كان هناك… لكن نظرته لم تكن مطمئنة.

في تلك الليلة، لم ينتظر آدم.

وقف أمام المرآة، وقال مباشرة: «في غيرك.»

الانعكاس لم ينكر. «طبعًا.»

«ليش ما قلتلي؟»

ابتسم. «لأنك ما سألت.»

ضرب آدم الزجاج بقبضته.

صوت مكتوم.

المرآة لم تتشقّق.

«انت قلتلي انتبه. انت قلتلي تثق فيك.»

اقترب الانعكاس، صوته صار أخفض: «وانا لسه عم بحميك.»

«من شو؟»

تردّد الانعكاس.

ولأول مرة، بدا عليه… التردّد.

«منهم.»

«مين هم؟»

نظر الانعكاس إلى الجوانب، كأنه يخاف أن يسمعه أحد. «اللي بدهم يطلعوا.»

تجمّد آدم. «يطلعوا لوين؟»

قال الانعكاس: «لهون.»

في الأيام التالية، بدأت الأمور تتسرّب خارج السيطرة.

آدم لم يعد الوحيد الذي يرى.

لم يعد الوحيد الذي يسمع.

في العمل، رأى زميله سامر يحدّق طويلًا في شاشة مطفأة.

حين اقترب منه، انتفض سامر وقال: «قالولي ما أحكي.»

«مين قال؟»

لم يُجب.

في الشارع، امرأة تصرخ فجأة أمام واجهة متجر، ثم تهرب وهي تبكي.

انعكاسها… لم يتحرّك.

آدم صار يرى تشقّقات.

ليس في الزجاج… بل في السلوك.

سأل انعكاسه: «ليش عم يصير هيك؟»

قال: «لأن الحاجز عم يضعف.»

«أي حاجز؟»

«الفرق بين الصورة والأصل.»

جلس آدم على الأرض.

كان التعب واضحًا عليه. «وانت… وين موقعك من كل هالشي؟»

صمت طويل.

ثم: «أنا بين.»

كانت تلك الكلمة… بداية النهاية.

بدأت الأصوات تتكاثر.

ليس كل الانعكاسات تحكي بنفس النبرة.

بعضها كان ودودًا.

بعضها ساخرًا.

وبعضها… جائعًا.

مرّة، في نفق تحت الأرض، رأى انعكاسًا لا يشبه صاحبه إطلاقًا.

وجه شاحب، عينان واسعتان، فم مفتوح كأنه يتنفّس.

قال له الصوت: «انت محظوظ. عندك واحد منيح.»

ارتجف آدم. «منيح؟»

ضحك الصوت. «نسبياً.»

عاد إلى البيت وهو يرتجف.

واجه انعكاسه: «في انعكاسات بتقول غير اللي بتقوله.»

انعكاسه لم ينفعل. «أكيد.»

«مين الصح؟»

اقترب منه. «اللي بيخلّيك تعيش.»

كانت الجملة مخيفة أكثر مما يجب.

في تلك الليلة، حلم آدم حلماً مختلفًا.

لم يكن هناك مرايا.

لم يكن هناك زجاج.

كان هو… والانعكاس… في مكان واحد.

وجهاً لوجه.

لكن الانعكاس كان أطول.

أقوى.

أكثر حضورًا.

قال له: «ليش خايف؟»

أجاب آدم: «لأني حاسس إنك عم تكبر.»

ابتسم الآخر. «وأنت عم تصغر.»

استيقظ آدم وهو يلهث.

وقف أمام المرآة فورًا. «شو عم تعمل فيني؟»

رفع الانعكاس يده… لكن هذه المرة، آدم لم يرفع يده.

ومع ذلك—

الانعكاس حرّكها.

كانت تلك اللحظة الفاصلة.

تراجع آدم ببطء. «انت… ما عدت مثلي.»

ردّ الصوت، بلا ابتسامة: «ولا لازم أبقى.»

ساد صمت ثقيل.

ثم قال الانعكاس: «آدم… لما بلّشت تحكي معي، فتحت باب. وأنا دخلت. بس في غيري عم يحاول.»

«وأنا شو دوري؟»

نظر إليه نظرة عميقة. «انت المفتاح.»

خرج آدم من الغرفة وهو يرتجف.

لأول مرة، لم يشعر بالأمان بوجوده.

ولأول مرة، تساءل:

هل كان التحذير… فعلًا تحذير؟

أم اختيار؟

في الخارج، المدينة كانت تلمع أكثر من أي وقت مضى.

لكن آدم عرف الحقيقة الآن:

المرايا لم تعد تراقب فقط.

كانت تنتظر.

___

انتهى

___

هنا بدأ الشرخ

لم يكن صاخباً

بل جاء بـهدوءٍ قاتل

دعني اسألك،

لو عرفت انك لتعيش، يجب ان تنسى من انت.

هل ستقبل؟

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

إِنْعِكَاْسٌ

المؤلف Carla Zoldik
2026/02/07 مكتملة
قائمة الفصول (8)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة