" بين عالمين"

" بين عالمين"

29 0

أنا "غزل"، في المرحلة الأخيرة من الجامعة، عادية جدًا ومعدلاتي متوسطة، بدون أحلام أو طموحات.. إلى أن أحببت.

في يومٍ لم أنتبه لتاريخه كالعادة، مارست حياتي بشكل روتيني إلى أن حان موعد مغادرتي من الجامعة، وأثناء عبور الطريق العام تصادمت مع سيارة كبيرة الحجم ألقت بي مسافة كبيرة في المكان، ولم أكن أعلم أنه في الزمانِ أيضًا..

دوار شديد، ألم يحتل جسدي، غياب عن الوعي..

استيقظت بخمول على تداخل من الأصوات؛ كنت حينها على فراش أبيض، ضيق نوعًا ما. الآن لا أسمع، ولا أستطيع تحديد ما يقولون، ليتلاشى المكان من عيني وتغيب حواسي جميعًا هاربة من ألمي.

تفتحت عيناي كزهرة على رائحة جميلة وجديدة، والأغرب أن لا ألم ولا أصوات مزعجة. على فراش واسع، على جسد ضخم، على... ماذا؟! جسد ضخم؟!

صرخت بعلو صوتي: "أين أنا؟ ومن أنت؟"

لينصدم النائم بوجودي أنا بجانبه، ليكرر: "من أنا؟ وكيف أتيتِ؟!"

صرخت في وجهه بعيون دامعة: "ماذا فعلت بي يا هذا؟ وكيف جلبتني إلى هنا؟"

ليبادلني الصراخ بانفعال وصوت أكبر: "هذا بيتي وأنتِ الدخيلة هنا، إذن يحق لي أنا السؤال؟!"

وجّهت نظري إلى باقي الغرفة التي بدت راقية، إلى أن وصلت إليه، لأدرك متأخرًا أنه عاري الصدر وببنطال فقط..

ابتعدت بانزعاج وصرخت به: "ألا تستحي وأنت عارٍ هكذا؟ ارتدِ شيئًا لكي نستطيع التحدث!"

وعلى ذِكري للملابس تذكرت أنني أيضًا لا أرتدي حجابي، لأصرخ من جديد وأشير إليه بأن يغمض عينيه فورًا: "هيا، أغمض عينيك أيها الـ.. ماذا أقول؟.. فقط أغمض عينيك!"

لا يدري لِمَ هو هادئ هكذا؟ ولِمَ لا يُلقي بها خارج بيته في الحال؟! ولكن ما لاحظه هو أنها ترتدي زيًا أبيض طويلاً وكأنه زي المرضى! هل هي مجنونة هاربة من المستشفى؟!

ليستيقظ على صوت صراخها المتكرر وينهض بفتور خارج الغرفة.

نظرتُ إلى الباب لبضع ثوانٍ تائهة، لا أعلم أين أنا؟ لكن لا يوجد غير هذا "العاري" مَن فعلها، وإلا كيف أتيت إلى هنا؟ بالتأكيد هو!

تقدمتُ نحو أثاث الغرفة والرسومات الراقية في كل مكان، إلى أن اتجهت إلى المرآة التي بطول الجدار تقريبًا؛ حينها تفحصت ملابسي، هل اختطفني من المستشفى؟ هل هو مريض عقلي؟!

وقبل أن أُكمل، سمعت دقات على الباب بشكل متناغم.

وقفت وراءه بحذر وخوف: "مَن هناك؟"

جاءني صوت أنثوي يدل على كبر سن صاحبته، ثم بدأت بفتح الباب بحذر أكبر لأجد سيدة كبيرة السن والحجم نوعًا ما تتقدم إليّ: "تفضلي".

ومعها ملابس واسعة ونظيفة وحجاب واسع أيضًا.

أسرعت بسؤالها عن كيف جئت إلى هنا ومن أنتم؟

لتكرر هي أسئلتي باستغراب كبير: "كيف جئتِ أنتِ إلى هنا عزيزتي؟ لم يدخل أو يخرج أحد الليلة الماضية!"

عندها، وبحكم خبرتي الواسعة في جرائم الاختطاف التي أشاهدها على التلفاز، جمّعت استنتاجاتي إلى أنها وبكل تأكيد شريكة هذا الرجل في اختطافي، وهذا ما جعلني أتعامل معهم كأنهم مجانين وأقنعهم بتنفيذ ما يطلبون: "حسناً سأرتدي هذا.. ما اسمك؟"

أجابت السيدة وهي تضع الملابس على السرير: "جميلة، اسمي جميلة".

لا أُنكر أنها جميلة بالرغم من كبر سنها، لكن أليس اسم "جميلة" غريبًا في عالم الاختطاف؟! يبدو أنه تمويه واضح، لكن لن أنخدع.

قطعت جميلة حبل أفكاري "شديد الذكاء": "سيدي ينتظرك بالأسفل، لا تتأخري".

خرجت وأغلقت الباب خلفها بهدوء.

سارعت بارتداء الملابس، لكن لا لكي لا أتأخر، بل لأهرب من هنا! لأن هذا المجنون -بكل تأكيد- يريد قتلي أو ما شابه، ويصنع مني بطاطس ربما!

انتهيت من ارتداء ملابسي وبدأت أتفقد المكان جيدًا، ثم اتجهت ناحية النافذة التي كانت عبارة عن "تراس" واسع نوعًا ما على شكل نصف دائرة. اتجهت إلى نهايته ليتضح أنني في الدور الثاني من المنزل، وبدأت أضع خططًا للنزول محاولةً عبور السور للتسلق، وأنا أشبه بمن تمتطي حصانًا.

سمعت صوته الرجولي يقول باستهزاء واضح: "أتحاولين الانتحار؟ يا خسارة.. سأفتقدكِ حقًا".

على الرغم من غضبي، أجبته بكل ثقة وأنا على نفس وضعيتي: "بل الهروب، حياتي غالية لا تشبهك!"

ظهر عليه اللامبالاة وكأنه حقًا لا يهتم فقال: "حسنًا".

وغادر..

فقط؟! بهذه السهولة؟! لن يأتي لاختطافي مجددًا؟! يبدو أنه جديد في عالم الاختطاف.

ولأني قديمة في عالم المغامرات، أكملت محاولة هروبي والنزول من على السور إلى أن تعلقت يداي ممسكةً إياه وقدماي على صخرتين تحملهما، ثم توقفت كمن يحاول أن يصل لشيء عالٍ لكنه لا يستطيع.

لكني معلقة، لا أستطيع الصعود مجددًا وأخشى النزول خوفًا من الوقوع.. يبدو عاليًا أكثر مما توقعت!

ولأن هذا يعتبر وقت فراغ، بدأت بسبّ نفسي على هذه الورطة؛ لِمَ لَمْ أحاول النزول من السلم بشكل طبيعي بما أن هذا المجنون غادر بالفعل؟!

وعلى ذِكره، سمعت صوته مجددًا وهذه المرة كان أكثر راحة، وبدأ حديثه بعد قضمة من تفاحة أشعرتني بالجوع فجأة ليقول: "لِمَ لَمْ تهرب "روبانزل" يا ترى؟"

حاولت التكلم بلطف وأنا أحاول عدم السقوط: "مرحبًا، هلا تساعدني رجاءً؟"

نظر لي هكذا وكأنه يتفقد حالتي ثم قال: "لا أريد"، وغادر مجددًا!

عندها انفجرت غاضبة: "مَن هذا الغبي يا الله؟ ألا يكفي أنني في مكان لا أعرفه والآن مع مجنون متكابر!"

لم أتلقَّ أي إجابة، ولوهلة أصابتني خيبة الأمل، فأرخيت رأسي بين ذراعي لأردد مجددًا: "وأين الفرق؟ لا معنى لحياتي على كل حال، لا معنى لوجودي في الحياة، أعتقد أن فكرة المجنون في الانتحار جيدة".

أغمضت عيني مانعة دموعي من التكوّن، وقبل أن أرخي يداي للسقوط -فهناك احتمال ألا أموت وهكذا تتم خطة الهروب- شعرت بيداه تمسكان يداي وترفعاني بكل سهولة، لأجد نفسي على مكانٍ ثابت مجددًا، وأرخيت يداي أخيرًا.

شعرت بألم بسيط لكنه مريح: "وأخيرًا!"

لتسقط سعادتي بنجاتي بوقوفه أمامي بكل غرور وكأنه ينتظر مني شكرًا على إنقاذه لحياتي توًا.

تحدثت بلامبالاة: "ساعدك خفة وزني على أي حال، لولا هذا لما استطعت رفغي"، وهممت بالمغادرة خجلاً وخوفًا وهروبًا منه.

هذه المرة حدثني كشخص بالغ وراشد محاولاً التخفيف عني: "لا أعلم كيف جئتِ إلى هنا، لكن هيا لأوصلكِ إلى عائلتك".

وأنا لا أعلم إذا كانت هذه خطة جديدة منه، ولكني هذه المرة أعطيت نفسي مزيدًا من الوقت للحكم عليه. بالفعل أسرع أمامي، فتح الباب وبدأ بعبور المسارات بسرعة خفيفة وأنا خلفه، وعند كل انعطاف يحثني بكلمات قليلة مثل "هيا" و"من هنا"، إلى أن وجدت نفسي أمام البيت بأكمله.

وبحركة تلقائية نظرت إلى المكان الذي كنت سأسقط منه قبل قليل: "أوه.. إنه عالٍ!"

فقال هو: "ماذا؟"

أسرعت بالقول: "لاشيء، لا تهتم".

فبادرني بسؤال تلقائي: "أين تسكنين أنتِ؟"

بمحاولة مني للتمويه أخبرته أن يوصلني إلى الجامعة فقط وأنا سأكمل طريقي.

وهو بكل سهولة: "وأين جامعتك؟"

شعرت بالتعالي قليلاً وأنا أخبره: "جامعة المنصورة بالتأكيد".

هنا توقف عن السير واستدار إليّ متعجبًا: "أنتِ تتبعين جامعة المنصورة؟!"

شعرت أنه يقلل مني وهممت بالتأكيد له، لكنه قاطعني بسؤال آخر: "بيتك قريب من الجامعة إذن؟!"

وبكل غباء أجبته: "أجل، ولكني لن أخبرك أين".

عندها وصلنا إلى مكان سيارته، ضغط زر الفتح وقال: "لكنكِ في مكان بعيد نوعًا ما عن المنصورة".

تشابكت يداي معاً نحو صدري وأخبرته: "لا يهم، سأدفع لك ما تريد".

نظر إليّ بنفاد صبر وقال: "لم أسألك عن المال، توقفي عن التحدث هكذا. وما لا تعرفينه أننا الآن في العاصمة، فكيف أتيتِ؟!"

أجبته بتسرع: "أي عاصمة هذه؟!"

تنفس بهدوء وقال: "نحن في القاهرة".

نظرت إليه قليلاً وضيّقت عيناي، ثم انفجرت ضاحكة: "يا لك من مجنون! هل اختطفتني كل هذه المسافة حقًا؟ لِمَ؟!"

وبدأت بالثرثرة وأنا أضرب يداي معًا، وفي كل جملة أنعته بالمجنون، إلى أن ضرب يده على السيارة ورفع صوته قائلاً: "أنا لست المجنون هنا، استيقظت على وجودك بجانبي ولا ذنب لي... هيا قبل أن ينفد صبري وأترككِ وحدكِ، غبية!"

شعرت بالانتصار حقًا، فهذه أول مرة أراه غاضبًا وأخيرًا ظهر على حقيقته؛ لكن مهلاً، إذا كان حقًا هو من اختطفني، فلِمَ يريد مساعدتي وإرجاعي بهذه السهولة؟!

**نهاية الفصل**

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

"أَحْبَبْتُ رَجُلًا خَيَالِيًّا

المؤلف Esraa Nasef
2026/04/07 مكتملة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة