صعدتُ معه إلى السيارة بحذر وترقب لكل حركاته، وملاحظة الطريق جيدًا. وبعد مرور وقتٍ طويل حقًا، وصلنا بدون أي كلمة، لكني شعرت بصداع كبير يحتل كل جزء مني، وكلما اقتربت السيارة من جامعتي أكثر يزداد ألمي وأنا أضغط على رأسي بكلتا يديّ، وفجأة صرخت من شدة الألم!
توقف هو جانبًا وسألني بمَ أشعر؟ فتحتُ باب السيارة وركضت مسرعةً بالاتجاه المُعاكس للطريق؛ شَكّي أصاب هذه المرة، لقد خفّ الألم وبدأت السيطرة عليه، ثم سقطت على الأرض راكعة وكأنني تخلصت من حملٍ ثقيل للتو.
كان يركض خلفي وهو لا يعلم ما بي ولمَ أتصرف هكذا! إلى أن وصل إليّ: "من منّا المجنون الآن؟ لِمَ تتصرفين هكذا؟!"
نظرتُ إليه وإلى كل الأشياء حولي بذهول: "أين نحن الآن؟"
رمقني بنظرة مغتاظة وهو يقول: "وصلنا إلى الجامعة، ما بكِ الآن؟! هيا لا أريد التأخر أكثر من هذا".
"انتظر.." قلت له هذا ولا أعلم لِمَ أشعر بشيء سيء..
فقال غاضبًا: "ماذا الآن؟!!"
وأخيرًا نطقت بفكرة استحسنتها: "لا أعلم إذا كنت ستصدقني أم لا، لكني لا أستطيع الذهاب؛ كلما اقتربتُ كلما زاد ألمي، والآن عندما ركضت في الاتجاه المُعاكس اختفى نوعًا ما.. فلمَ لا تذهب أنت وأنا سأنتظر هنا؟ ها.. ما رأيك؟"
"هل أخبركِ أحد من قبل أنكِ بلا عقل؟!" قالها سريعًا، وكدت أضحك لولا تذكري لِمَا أنا فيه الآن، فقلت: "لماذا؟!"
فأجاب: "ماذا سأفعل أنا؟ وماذا سأقول؟ أنتِ تريدين العودة فلماذا أذهب أنا؟! هذا غير منطقي أبدًا".
وبالفعل كلامه منطقي جدًا، ويبدو أنني توهمت الأمر. حسناً، هيا لنكمل الطريق..
كلما اقتربتُ من السيارة يزداد ألم رأسي، وحقًا هذه المرة شعر بي أخيرًا ولاحظ ما أنا عليه. صعدنا إلى السيارة وأنا ممسكة برأسي بشدة وكأنه سيهرب مني؛ استدار هو بالسيارة وعاد إلى حيث أتينا، وعندها خفّ ألمي.
"ماذا الآن؟!".. قلتها وأنا أنظر أمامي بدهشة. حقًا ماذا الآن؟! لا أستطيع العودة إلى بيتي، ولا يمكنني الرجوع إلى بيته، والغريب أنه بقي صامتًا يُفكر ويُفكر.. ماذا يقول يا ترى؟ أيقول أنني مصيبة أصابته؟ أم سيذهب بي إلى أحد مراكز الشرطة ويتركني؟ يبدو أنه غاضب لدرجة أنه لا يُريد التحدث حتى.
استيقظت من أفكاري على إيقافه للسيارة؛ إذ بنا أمام فندق! نظرت حولي ثم إليه بتساؤل.
قال بهدوء: "انتظريني هنا وسأذهب أنا؛ سآخذ معلوماتك من الجامعة وسأذهب لعائلتك، اتفقنا؟"
(أليس غريبًا أنني لا أتذكر أي رقم هاتف يخص عائلتي؟! لكان الأمر أسهل الآن..)
وافقته، وذهب ليحجز لي غرفة ما..
تحدث بكل هدوء، تقدم أمامي، فتح المصعد وضغط على الأزرار؛ كل هذا ولم يوجّه لي كلمة واحدة، وكأني طفلة تذهب خلف أبيها أينما كان، لا يهمني إلى أين يذهب لكن المهم أنني معه.
أمام الغرفة أعطاني المفتاح، وأخيرًا قال لي: "لا تفتحي هذا الباب لأي أحد قبل أن أعود، لن أتأخر. وإن حدث شيء اصرخي واضربيهم مثلما فعلتِ معي، حسناً؟"
ضحكت بخفة وكنت أظنه يُمازحني، ولكنه بدا جديًا للغاية وكأن الصراخ هو وسيلة لإنقاذي حالما يعود.
أومأت برأسي، وهمّ هو بالذهاب، إذ بي أوقفه: "ما اسمك؟"
نظر إليّ طويلاً وقال بهدوء: "فارس".. ثم غادر.
ما هذا؟ لم يسألني حتى عن اسمي! ألا يهتم بي إلى هذه الدرجة؟! ولِمَ يهتم بالأساس؟ يا الله.. أريد التوقف عن التحدث داخل رأسي ولو قليلاً.
تجولت داخل الغرفة وبدأت أتفحصها هنا وهناك، أفتش في الأدراج وكأن هناك شيئًا ضائعًا مني، لكن أهو مجرد شيء بالفعل؟
فتحت التلفاز وبدأت أفتش في قنواته لأكسر مللي هذا، وبعد وقت كاد يقتلني فيه الملل، لاحظت الساعة وإذ بها لم تمر سوى عشر دقائق فقط!!
يبدو أن هذا ليس يومي، وتأخر هذا "الفارس" كثيرًا.. لا أعلم كيف سينتهي الأمر في عشر دقائق، لكنه تأخر.. آه.. آه..
ذهبت إلى الفراش لأرتاح قليلاً وأفكر فيما سأفعل عندما أعود، وكيف هي عائلتي الآن؟ ولم أشعر إلا بضربات كبيرة ومتتالية على الباب وكأن هناك حريقًا قريبًا! وجدتني نائمة، وأظن أنني نمت قليلاً وقليلاً بعد، ثم تكررت الضربات فركضت إلى الباب: "من هناك؟"
جاءني صوته الغاضب مجددًا: "افتحي الباب!"
فتحت بسرعة وبدأت بالثرثرة: "أخيرًا أتيت! لمَ تأخرت كل هذا؟ لقد انتظرتك كثيرًا، أخبرني ماذا فعلت؟"
تلفّت حوله ولم أجد أحدًا معه، إذ به يقول: "هل كنتِ نائمة؟!"
فاجأني بسؤاله رغم أنه متوقع: "نمت قليلاً فقط.." تحدثت ببراءة خوفًا منه وكأنه سيعاقبني، فقال: "هل تعلمين كم المدة التي كنت أطرق بها الباب؟ لدرجة أن الناس اجتمعوا حولي وظنوا أنني أتهجم على شخص ما!"
فقلت ببلاهة: "لمَ لم تأتِ بأحد ليفتح الباب وتنتهي من كل هذا؟"
فقال بنفس نبرة الغضب الهادئة: "لأنه من المتوقع جدًا أنكِ نائمة، فكيف سأدخل أنا أو سيدخل غيري عليكِ؟!"
نظرت إليه بشكر قليلاً، وقبل أن أكمل هذا النقاش المعاتب قال: "أسرعي سنغادر الآن، وسأخبركِ بما حدث، هيا".
دخلت سريعًا أرتب ملابسي، ولا يوجد معي شيء من الأساس لأحمله، فغادرنا سريعًا وأنا أنظر إليه بين الحين والآخر؛ متى سيخبرني؟ ولِمَ لا يخبرني الآن؟ وبأي شيء سيخبرني؟ يا الله..
قلتها بصوت عالٍ، فتوقف هو عن السير ونظر خلفه إليّ وقال: "لم أجد لكِ أي سجلات في الجامعة ولا بأي شكل من الأشكال، وهذا يعني أنكِ لم تدخلي الجامعة، وبالتالي لم أعثر على بيانات أو عنوان يخصك".
قلت بنبرة ساخرة: "هل تمازحني؟! إذن كيف كنت أعاني في الدراسة وامتحانات و.."
قاطعني بلا مبالاة: "لا يهمني كل هذا، أخبرتكِ بما حدث معي؛ أما المهم الآن هو أن تختاري، إما الذهاب لمركز الشرطة وإما الذهاب لجامعتك بنفسك، وفي كلتا الحالتين سأذهب أنا إلى حيث أنتمي".
نظرت إليه بدهشة وحيرة على حالي؛ يبدو جديًا للغاية كالعادة. وفي طريقنا إلى السيارة تحدثت مع نفسي مجددًا: إذا ذهبت إلى الشرطة لن تفيدني بشيء إذ لا يوجد معي أي بيانات، فماذا سأخبرهم؟! وإذا سلكت طريق الجامعة لن أستطيع إكماله حتى.. والغريب أنه الآن ملجئي أو معاوني الوحيد، غير أنني لا أعرفه، لكن الآن لا أعرف سواه.. فماذا الآن؟!
قال وكأنه انتظر أن أنهي حديثي مع نفسي: "بحثت في المفقودين من اختطاف أو هروب ولم أجد لكِ أثراً، وهذا يعني أنه لم يُبلغ أحد عن اختفائك، وكأنهم غير مهتمين أو معتادين!"
نظر إليّ بنظرة شك وهو يضغط على آخر كلمة، وهذا يعني أنني المتهمة الآن؟!
اتسعت عيناي بدهشة وترددت كلماتي؛ ماذا أقول ومعه كل الحق؟ لا يوجد أي بيانات ولا أحد يبحث عني، إذن كل هذا برضاي! وعلى الرغم من أن هذا ما يُدعى بالمنطق، لكن هناك شيء ينفي هذا ويخبرني أن هناك من يهتم لأمري.
قطع تفكيري مثلما يفعل دائمًا: "سنعود إلى حيث أتينا".
هل قال سنعود؟! معًا؟! نظرت إليه بتساؤل، فأجاب وهو يحرك السيارة: "الأهم من كونك هاربة أم لا، هو وجودك في بيتي بالتحديد، ودراسة تحركاتك تقول أنكِ صادقة".
تنهدت براحة لسماعي آخر كلماته وكأنني حصلت على براءة للتو! وهو محق كالعادة.. "ونعم، لماذا أفقت في بيتك بالتحديد؟ أولست خاطفي؟!" قلتها بصوت عالٍ وبكل سذاجة العالم! وكيف يكون خاطفي وهو يريد التخلص مني بأسرع وقت؟!
وفجأة توقفت السيارة جانبًا وقال: "نعم، وهذه حريتك"، وفتح الباب بضغطة زر.. وهذا يعني أنه يقوم بطردي! وقح!
"لست الوقح الوحيد هنا، أتعلمين؟" قالها ببرود يُنذر بغضب آتٍ، وقد سمع كلمتي مجددًا.. يا لحسرتي!
تصنّعت البراءة وأنا أقول: "لم أقصدك بالطبع، أنت من ساعدتني وتساعدني، قصدت الموقف نفسه، أتعلم؟"
ولأن معدلات ذكائي عالية، لم أستطع إكمال جملتي بدون إضافة "الغباء" الخاص بي.. رأيته يتنفس ببطء ويُحرك رأسه يمينًا ويسارًا، نادمًا على مساعدتي بلا شك. أغلق الباب وانطلق بهدوء بدون أي كلمة، وكأنه يعلم أنني عندما أتحدث يرتفع ضغطه.. غريب هذا الفارس!
**نهاية الفصل الثاني**
Esraa Nasef