هوية مفقودة وسكن مؤقت

هوية مفقودة وسكن مؤقت

32 0

لم يمر الوقت طويلًا مثلما أظن؛ هدوء عارم حولي يسمح بمشاحنات أفكاري وهواجسي. ماذا الآن؟! ماذا سأفعل وأنا ضائعة الروح والجسد؟!

توقفت السيارة على محطةٍ جديدة في حياتي الجديدة التي بلا معنى.. نظرتُ إليه بتساؤل: "أين نحن؟"

فارس: "سنذهب إلى طبيب نفسي ليقوم بتنويم مغناطيسي، وعقلك الباطن سيتذكر بكل تأكيد من أنتِ".

بعد طول المسافة، خارت قواي بالفعل، أم أقول من كثرة التفكير سكنت جوارحي! لم أناقشه، أؤيده بكل تأكيد، أسير خلفه كظلٍ تائه يبحث عن صاحبه.. والآن، أنا أمام الباب الذي يفصل بين "من أنا" و"أنا".

جلستُ على هذا الكرسي براحة وانتظار، ورأيته يتراجع للوراء؛ رفعتُ رأسي سريعًا لأرى إلى أين يذهب، أم أنني خائفة من أن يذهب؟! لا أدري.. رأيته يُحضر مقعدًا خشبيًا ليجلس عليه بقربنا، أشار إليّ بأن أستريح وأنه هنا: "لا تقلقي!" بالطبع لم يقل هذا، لكني أنا من تمنيت أن يقولها لي أحدٌ في مثل هذا الوقت، أو في أي وقت!

على رائحة الأزهار التي انتشرت للتو، والموسيقى الناعمة التي أغرقت عينيّ بالهدوء، وتعليمات الطبيب، وصوت هنا وهناك، ثم... استيقظت!

اختفى صوت الموسيقى، توقفت الرائحة عن الانتشار، كل منهم أدى عمله وانتهى! ماذا عني؟!

نظرتُ للطبيب ثم إلى فارس: "من أنا؟!"

تنهد فارس ثم وقف بهدوء وقال: "هيا لنذهب".

أثار غضبي بهدوئه غير المبرر: "لن أذهب إلى أي مكان قبل أن أعرف من أنا! ولِمَ نذهب دون أن تخبرني؟! أخبرني أيها الطبيب ماذا حدث؟ أرجوك!"

الطبيب: "آنسة غزل، لا داعي للقلق، اهدئي".

وأخيرًا سمعته من جديد، سمعت اسمي الذي اقتربتُ من نسيانه: "بالتأكيد أخبرتَه باسمي وأنا نائمة، هذا يعني أنني أخبرتُه عن بيتي وعائلتي، أليس كذلك؟! أخبرني.."

قال فارس بنبرة تشوبها التعجب: "نعم، أخبرتِهِ بعنوان بيتكِ الذي هو عنوان بيتي، وعائلتكِ التي هي أنا!"

نظرتُ إليه وقد تقابل حاجبايا: "ماذا تقول؟ لا أفهم شيئًا!"

فارس ناهيًا للوضع المؤسف: "هذا ما حدث".

وقفتُ غاضبة: "وهذا ما أتساءل عنه بالتحديد، ماذا حدث؟!"

"مثلما قلتُ للتو، هذا ما حدث؛ سألكِ الطبيب مَن أنتِ فأجبتِ بـ "غزل"، وأين تسكنين فأجبتِ بعنوان منزلي، ومن هي عائلتكِ فأجبتِ بـ "فارس"!"

حركتُ رأسي بتردد: "لا أصدقك، أنت لا تقول الحقيقة! كيف هذا وأنا رأيتك منذ يومين فقط؟! من أنت بحق السماء؟!"

رفع صوته وقال: "هذا ما يجب أن أسألكِ إياه: من أنتِ؟!"

أحسستُ ببرودة الجو وقلت: "أنا غزل..."

توقف عقلي عن التفكير، لا يستطيع تجميع معلوماتي الضائعة، ولا أي ذاكرة لي مع عائلتي. حقًا أين عائلتي؟! خفضتُ رأسي عندما تجمعت أدمعي، وقبل أن أراجع نفسي قال هو: "هيا إلى المنزل".

لم أستطع التحرك، وأي منزل هذا؟ إنه منزله وليس منزلي!

أخرجني من تفكيري قاطعًا: "هيا.."

وأنا الآن أخرج من الباب الذي ظننته الطريق لمعرفة من أنا، لأخرج منه بهوية جديدة، هوية لا أعلمها.. إلى السيارة المترددة كأفكاري التي أتمنى أن أعود بها إلى حيث أنتمي، لكن شتّان وشتّان.. إلى طريقٍ آخر، وهذه المرة لا أنظر إلى المرآة وأفكر بمصيري المجهول، بل رأسي منحني إلى الأسفل مكسورًا أمام "الفارس" المجهول، أم أنا المجهول الوحيد هنا؟!

وإلى البيت الذي حاربت للهروب منه، أنا الآن لا أرى غيره مسكنًا..

"لن أستطيع النزول!" قلتها قبل أن يخرج من السيارة، ليتوقف ويفكر قليلاً، وقال: "أعلم أن هذا صعب عليكِ، لكن يجب أن نرتاح قليلاً من هذا اليوم الشاق، ونبحث عن عائلتكِ و.."

"أنا آسفة.." قلتها وأنا أشعر بالخزي، وليس لدي مكان أذهب إليه على أي حال.

قال: "على ماذا؟"

فقلت: "تفاجأتَ بشخصٍ في بيتك ولا تعلم مَن هو، والذي لا يعلم نفسه أيضًا، وتضطر إلى الذهاب والإياب من مكان لآخر بلا جدوى.. أنا أعلم أن هذا الوضع غير مريح، لذا أنا آسفة... فاسمح لي بالمبيت ببيتك الليلة فقط، وسأذهب غدًا وحدي، لا أريد المتاعب لك".

لم يقاطعني هذه المرة، لذا حاولت إخراج ما أشعر به ولو قليلاً من الخزي والأسف.

"هيا بنا".. كلمتان فقط! قالهما وأنا هنا أضج بالكثير من الكلمات! حسناً، الليلة فقط وسأعود إلى بيتي أنا بكل تأكيد..

**نهاية الفصل الثالث**

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

"أَحْبَبْتُ رَجُلًا خَيَالِيًّا

المؤلف Esraa Nasef
2026/04/07 مكتملة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة