حلمٌ داخل حلم.. واليقظة الكبرى

حلمٌ داخل حلم.. واليقظة الكبرى

27 0

تحولت نظراتها إلى الصدمة الآن، وبعد لحظات قالت: "تفضلا بالدخول".

دخلتُ وأنا أشعر بالراحة لأنه كما هو، كما كان في أحلامي. جلسنا وجلست هي، فقلتُ: "أين فارس؟ هل هو في العمل؟"

قالت: "لم يخبرني عنكِ من قبل، كيف تعرفتما؟"

قلتُ: "إنها قصة طويلة، أريد أن أراه.. أخبريني أين هو؟"

اكتسى وجهها باللون الأحمر وخرجت أدمعها كالشلال وقالت بين شهقاتها: "لقد توفي.. لقد توفي!"

نظرتُ إليها مطولاً ولم أستوعب ما قالته. تركتها للبحث عنه في أرجاء البيت، كنتُ أذهب هنا وهناك وكأنه بيتي، نعم إنه هو، إنه منزلي! فتحتُ باب الغرفة ولم يقابلني سوى الصمت، كل شيء فارغ بدونه.. كيف له أن يذهب الآن؟ كيف؟!

تساقطت دموعي لفراق ليس له بداية حتى، شعرتُ بيد جميلة وصوتها الحنون الذي أصبح حزيناً: "لا عليكِ يا فتاة، إنه قدر الله".

تحاملتُ على نفسي وسألتها: "كيف حدث هذا؟ ومتى؟"

"تعالي نشم بعض الهواء". اتجهنا ومعنا مالك ناحية "التراس" وقالت جميلة: "منذ حوالي سبعة أشهر، ذهب إلى المنصورة، كان سيصبح معيداً في الجامعة لكنه لم يبدأ يومه الأول حتى. حاول إنقاذ فتاة من حادث سيارة لكنهما تضررا بشدة، نقلهما صديقه إلى المستشفى سريعاً، لكن وقته انتهى وبقيت الفتاة في غيبوبة".

ضحكتُ بداخلي؛ لا يمكن أن تكون هذه هي الحقيقة! لا يمكن.. لقد أنقذ حياتي وتركني هو؟! كيف أمكنه فعل هذا بي؟!

جاء صوت مالك القلق: "غزل، هل أنتِ بخير؟"

قلتُ ضاحكة: "بالطبع! كيف لا أكون بخير؟!"

قالت جميلة: "إلى الآن لم أفهم، كيف تعرفتِ عليه؟"

قلتُ وأنا أنظر بعيداً: "لقد كان مجرد حلم".

حاول مالك تخفيف الجو وقال: "يا لها من حديقة رائعة!"

قالت جميلة بابتسامة خفيفة: "إنه شجر التفاح".

قلتُ أنا: "لقد كان يحب التفاح وقهوة الصباح، يقرأ كتباً كثيرة.. لقد كان رائعاً".

تعجبت جميلة من وصفي شبه الدقيق وقالت: "من أين.."

قاطعها دخول أحدهم وهو يقول: "جميلة.."

نظرنا جميعاً نحوه.. لقد كان... فارس!

صرختُ باسمه راكضة نحوه بين اضطرابات، بين ضحكاتي ودموعي.. يبدو أنني في حلم جديد لكني لن أستيقظ مجدداً.

قالت جميلة: "إنه ليس فارساً عزيزتي".

قال مالك: "إنه أخي.."

نظرتُ بينه وبين فارس الذي أمامي: "توقف عن الكذب! إنه فارس.. فارس أخبرني هل أنت بخير؟"

قال: "ماذا تفعلين هنا؟"

ضحكتُ وأخبرتهم: "لقد تعرف عليّ! قلتُ لكم إنه فارس، أنا على حق".

قال مالك: "أخبرها يا كريم، هذا يكفي".

قالت جميلة: "كريم يا بني، ماذا يحدث هنا؟"

قال كريم: "أعتذر لكم جميعاً، هل يمكنكم تركنا بمفردنا قليلاً؟"

قلتُ له وأنا أضحك: "كريم من؟ إنهم لا يعرفونك، صحيح؟ هل أنا فقط من أراك؟ هل أنت شبح؟"

قال: "لا، أنا بشر مثلكِ، اهدئي قليلاً وأنا سأخبركِ".

قلتُ بعصبية: "كيف لي أن أهدأ؟! من أنت؟ وكيف تعرفني؟ وتخبرني بماذا؟"

قال: "حسناً، اجلسي وسأخبركِ بما تريدين".

جلستُ على الكرسي الخشبي وأنا أشعر بالغضب وبعض المشاعر التي لا أفهمها. من هذا؟ إنه فارس لكنه مختلف؛ كلماته ونظراته مختلفة حتى لو كان نفس الشكل، أستطيع تمييز عينيه بين الملايين.

وها هو المدعو كريم أحضر لي كتاباً صغيراً وقال: "تفضلي، هنا رسالة لكِ من فارس".

من منا المجنون الآن؟! كيف أفسر كل هذا ومن أين جاءت الرسالة وفارس من تخيلاتي أنا؟!

أخذتُ الكتاب، وعلى أولى صفحاته: *"إلى ذات الزي الأبيض.."*

ضحكتُ عندما تذكرتُ أول لقاء، حينها تركني كريم وخرج لأنفرد بجزء مني، أعتقد..

في الصفحة التالية: *"مرحباً غزل، أنا فارس، وأعتذر عما شعرتِ به عندما استيقظتِ، لكن أقسم لكِ أن كل هذا حدث بلا إرادة منا. يبدو أن أرواحنا أرادت اللقاء ورأت أن الحادث أعظم فرصة لذلك. خرجت روحي من جسدي المحطم لداخل رأسكِ.. لا تخافي، لا أشعر بألم الآن. عندما استيقظتُ على وجودكِ كنتُ فاقداً للذاكرة، كنتُ أنا أيضاً أرى أنه العالم الواقعي إلى أن تذكرتُ كل شيء وطلبتُ منكِ التذكر. على الرغم من غرابة هذا لكنه ما حدث.. عندما نظرتُ لنفسي في المرآة وجدتُ شخصاً آخر غيري، لكنه كان صديقي وأخي الصغير، وأعتقد أن لهذا تفسيراً ربما. عزيزتي غزل، أنتِ لستِ وحيدة، الجميع بجانبكِ، فقط انظري للعالم بطريقة أفضل، طريقة تجعلكِ ترين ما أخفاه عنكِ الحزن والخوف. حولكِ الأصدقاء والجيران، إنهم عائلة نستطيع اختيارها. فقط تغلبي على هذا الوحش بداخلكِ، إما أن تتخلصي منه أو يتخلص هو منكِ".*

انتهيتُ من قراءة الرسالة التي احتوت مشاعر بغير طبيعة فارس الذي أعرفه، لكن هناك ألم الآن لا يمكن علاجه، إنه بين أضلعي، إنه يؤلم حقاً..

بعد بضع دقائق سمعتُ طرقات على الباب، ولسبب ما كنتُ على يقين أنها جميلة. حاولتُ تجميع نفسي المشتتة وسمحتُ لها بالدخول. قالت هي: "عزيزتي، ننتظركِ على الغداء".

لم أستطع منع نفسي وانهارت قواي أرضاً على شكل دموع، جاءت مسرعة نحوي: "ما بكِ؟ ماذا حدث؟"

حاولتُ الابتسام وقلتُ لها: "لا شيء، أنا بخير".

قضيتُ هذا اليوم في منزل فارس الراحل، وكلما نظرتُ إلى كريم يقنعني عقلي أنه فارس، ولكن كلما ناداه مالك يحطم أحلامي ومعها قلبي.. طلبت جميلة المبيت معها، ولكن هذا سيؤلمني أكثر، لذا أصررتُ على الذهاب. كنتُ خائفة من البقاء الليلة فأبقى للأبد كدخيلة بدون استئذان..

في سيارة مالك، كان كريم يجلس بجانبه وأنا بالخلف مع أفكاري وجزء مكسور من قلبي..

قال مالك: "هل تأتي لزيارة هذه السيدة دوماً؟" وجه كلامه لأخيه الذي أجاب: "عندما تتاح لي الفرص".

قال مالك: "ما سمعته اليوم لا يصدقه إنسان!" ضحك وقال: "لكني صدقته".

قلتُ له: "كنتُ أعلم أنك كائن فضائي".

قال: "ما رأيكِ برحلة إلى القمر؟"

قلتُ: "تكفيني رحلات، أرجوك".

أخذنا الحديث ذهاباً وإياباً بيني وبين مالك. وعلى الرغم من هدوء كريم لكني شعرتُ أنه يراقبنا ويسمع كلماتنا بدقة، إنه خجول حقاً. بعدما غادر الغرفة لم نوجه لبعضنا سوى كلمتين تقريباً، وأنه يلتزم الصمت كثيراً.

وصلتُ إلى مسكني الجامعي وودعتُ أصدقائي الجدد. كانت الفتيات في أحلامهن بالطبع، جاءني شعور الغربة من جديد؛ من هؤلاء وأين أنا؟ كنتُ أعلم أنني لا أنتمي إلى هنا لكنه ما حدث..

مرت الأيام وأعدتُ سنتي الدراسية مثل السابق بدون أي روح ولا معنى. كيف يكون لهذا الشعور مثل هذه القوة؟! وما يخفف عني قليلاً هي زيارتي للمستشفى؛ قررتُ العمل فيها بشكل تطوعي، ويكفيني رؤيتي لمالك الذي يجعلني أضحك رغم حزني الداخلي، وها هو يتقدم لخطبة الطبيبة النفسية؛ يليقان ببعضهما كثيراً، وأنهما كائنان فضائيان.

وعلى غير المتوقع، أصبح بيني وبين كريم علاقة صداقة. يبدو أنه يحاول التغيير من نفسه، يحاول الكلام في بعض الأحيان، إلى أن جاء اليوم الأخير.. جاء لي كريم في قسم الأطفال وأنا أساعد الممرضات وقال: "ما رأيكِ بوجبة عشاء مجانية؟"

قلتُ له: "موافقة بالطبع، هل هذا سؤال؟!"

ضحك بسعادة وغادر.

على العشاء.. كان متوتراً بعض الشيء، يحاول فتح مواضيع مختلفة. قلتُ له: "إن كنت تريد قول شيء فلقله، لا أحب المقدمات".

قال: "لِمَ لن تأتي معنا إلى الإسكندرية؟ سيكون الجو رائعاً حقاً، كما أنكِ تحبين البحر".

قلتُ بلامبالاة: "كم مرة تذكر هذا الأمر؟! قلتُ لكم أنني غير متفرغة، لديّ امتحانات نهائية ويجب.."

قاطعني وقال: "حسناً، لتكن هذه الرحلة فترة ترفيهية بعيداً عن المذاكرة، تستعيدين فيها قوتكِ".

قلتُ: "وأين هي مذاكرتك؟ ألن تصبح معيداً مثلما أردت؟"

قال: "قررتُ أخذ إجازة.. أنا متفرغ تماماً.. لكِ".

قلبتُ عينيّ وقلتُ: "حسناً موافقة، فلنتناول الطعام، أنا جائعة".

تم عقد زواج مالك خلال هذه الرحلة؛ حفل بسيط يضم الأصدقاء والأحباب فقط، بعيداً عن الصخب وما يدعو للبؤس. إلا أنا.. دائماً شعور الحزن يراودني، وعلى الرغم من سعادتي للعروسين، إلا أنني تمنيتُ مثل هذا اليوم، لكنه لن يحدث.

تأنقتُ بفستاني الرقيق كما يقولون، وعلى ضوء القمر كان لونه الأزرق أكثر إبهاراً. أتمشى بمفردي على شاطئ جميل: "يا الله! كيف لي أن أتجاهل كل هذه السعادة وهذا الجمال وأغوص داخل قوقعتي الحزينة؟! لِمَ لا أستطيع النسيان أو التمتع بأيامي الجميلة؟!"

جاء كريم مسرعاً وسعيداً، هكذا رأيته: "غزل، أين كنتِ؟ بحثتُ عنكِ في كل مكان".

نظرتُ له وابتسمتُ وأنا ألوح بيدي حول المكان وكأنني أقول إنني هنا بالفعل. نظر إليّ كثيراً ثم إلى القمر وقال: "أليس القمر جميلاً؟"

قلتُ وأنا أتأمل هذا الجسم البعيد: "نعم بالفعل".

قال: "حسناً، قبل أن أفقد قوتي هناك شيء أريد أن أخبركِ به".

قلتُ: "كريم.." قاطعني وقال: "انتظري أرجوكِ، لديّ الكثير بداخلي يجب أن أخبركِ به".

قلتُ: "لكن.." قاطعني وقال: "غزل أنا.."

قاطعته: "توقف.. لا تقل شيئاً، لا أريد أن أسمع أي شيء".

قال: "امنحيني فرصة واحدة.."

قلتُ: "لا توجد فرص، أنا حتى لا أريد منح أي أحد أية فرص". أعطيته ظهري ثم أكملت: "أريد أن أبقى وحيدة إلى الأبد وهذا قرار منذ زمن، لا أريد تجربة الفقد للمرة الثالثة". نظرتُ إليه بينما أفقد أعصابي: "ألا يكفي هذا القدر من الألم؟! في الحقيقة لستَ المُلام بل قلبي لم يعد يستطيع الاستمرار، يكفيني وجودكم بجانبي كأصدقاء.. الصداقة شيء رائع ومميز لا يجب أن تخربها مشاعر متناثرة".

قال كريم: "هل مشاعري بالنسبة لكِ بلا قيمة لتستحق هذا الوصف؟!"

قلتُ: "لم أقصد أبداً، أنا.."

قال: "يكفي، تريدين البقاء وحيدة، حسناً لكِ هذا.."

تعتبر هذه آخر محادثة بيننا، فقط ترك كريم الإسكندرية في نفس اليوم، وأغلقتُ بابي في وجه مالك وزوجته؛ كنتُ أعتقد أنني هكذا لن أخرب أيامهم السعيدة، لكن كان هذا أول طريق الخراب.. حاولاً كثيراً التحدث معي لكن المحاولات باءت بالفشل لرفضي التام مغادرة الغرفة، وأنني سأبقى هنا وأبدأ حياتي الجديدة بعيداً عنهم. كان هذا قاسياً جداً على مالك حتى إنه ترجاني بالخروج والتحدث قليلاً. في نهاية هذه المجادلات غير المتبادلة، غادر مالك هو الآخر لرؤية أخيه وأنه أيضاً يحبه ولا يريد تركه وحيداً.. بينما أنا اتخذتُ مكاناً جديداً بعيداً، مسكناً لي، حياةً جديدة تجمع بيني وبين الوحدة.

هذا هو اليوم الأول في عامي الستين، في دار رعاية، أنظر من النافذة أتأمل الأشجار والقليل من البشر.. أصبحتُ أكثر ثقلاً، لكن عقلي يحمل من الثقل أضعافاً. يحاوطني الندم كلما ذهبتُ إلى الفراش، كان يجب أن أتخلى عن هذا الخوف وأصنع حياة أفضل.. لي وللجميع. وعلى مدار اليوم أتجنب الكثير، لا أريد التحدث مع أحد؛ أخاف البشر أم أخاف ضعفي وقلة ثقتي بهذا الذات الضعيفة؟ إنها دائرة نهايتها واحدة تحمل مسارين، اخترتُ أكثرهم ظلمة ووحشة، بينما الآخر تصلني منه رائحة الأزهار...

نعم.. هناك رائحة جميلة وفاتنة انتشرت في أرجاء الغرفة، وأصبح ضوء النافذة أقوى، لتتحول هذه الرائحة لدواء سيئ المذاق على فراش أبيض.. حجرة بيضاء.. فتاة بيضاء تكتب أشياء وتنظر إلى يدي. نظرتُ إلى حيث نظرها، حيث يدي، فاختفت منها آثار ستين عاماً..

حضر الطبيب وقال: "الحمد لله على سلامتكِ، كنتِ داخل غيبوبة لمدة سبعة أشهر.."

**تمت**

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

"أَحْبَبْتُ رَجُلًا خَيَالِيًّا

المؤلف Esraa Nasef
2026/04/07 مكتملة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة