أقنعة تسقط.. ونور في عتمة الكهف

أقنعة تسقط.. ونور في عتمة الكهف

29 0

لم يكن في غرفة المكتب كالمعتاد؛ رأيته على أحد كراسي الجلوس وجميلة على كرسي بجانبه، وهما ينتظرانني بالتأكيد.. تقدمتُ وقلتُ لهما بابتسامة: "سلام".

ردت جميلة: "سلام".

بينما قال فارس: "اجلسي، وأخبرينا أي قرار اتخذتِ؟"

جلستُ وأنا غير مدركة للوضع بشكل كامل، ولِمَ يجب عليّ الدراسة حتى وأنا بعيدة عن المنزل؟! ظهر ارتباكي لهما فقالت جميلة: "لا شيء يستدعي الارتباك عزيزتي، فقط اهدئي".

ابتسمتُ لها ونظرتُ إلى فارس الذي لا يبتسم وينظر لي فقط منتظراً الرد، فقلتُ وأنا أحك رقبتي: "بالرغم من أني لا أريد الدراسة من الأساس، ولا أريد أن أصبح عائقاً على أحدٍ منكما، لكنني أعلم أنها لمصلحتي في النهاية.. قررتُ أن أُنسب لجميلة".

حركا رأسيهما للأعلى وللأسفل متخذينِ القرار، لكني أكملتُ وقلتُ: "لكن أريد أن أعرف، هل جميلة من العائلة؟"

ابتسمت جميلة وقال فارس: "إنها صديقة والدتي، ووالدتي هي التي اعتنت بي منذ الصغر".

قلتُ لنفسي: "آها.. لهذا سافرت لتساعد صديقتها".

مرت عدة أيام أقضي فيها أوقاتي مع جميلة بين التنظيف وتعلم الطبخ، بينما لا يظهر فارس إلا لعدة ثوانٍ من باب المنزل إلى باب المكتب والعكس. كان فضولي أقوى هذه المرة، لكني أقنعتُ نفسي أنه بالتأكيد مشغول في شيء ما. شعرتُ بالحزن قليلاً عندما لم يذكر هو أو جميلة أي شيء يخص دراستي، خشيتُ أن ينسوا أمري.. كنتُ أخاف تجاهلهم لي وأحزن كثيراً وكأنهم.. عائلتي!

"جميلة، ماذا يحدث مع فارس هذه الأيام؟" قلتُ لجميلة بينما نعد الأطباق.

قالت: "لديه أعماله بالتأكيد".

قلتُ لنفسي: "هذا ما أعرفه بالفعل، أين الجديد؟!"

قالت: "يجب أن نضع أعيننا في مكانها الصحيح عزيزتي".

وضعتُ يدي على عيني بحركة سريعة: "ماذا تقصدين؟"

قالت بهدوء: "انشغالكِ بالآخرين لن يترك لكِ المجال للانشغال بنفسكِ، ولا مجالاً لسؤالهم عنكِ".

قلتُ باستيعاب: "آها.. حسناً فهمت".

مرّ أسبوع كامل على نفس الوتر، كل شيء يتكرر وكأنني في دائرة لا تنتهي.. "جميلة، أعتقد أن هناك شيئاً خاطئاً يحدث مع فارس، ألا يجب أن نساعده؟"

قالت وهي تقطع بعض الفاكهة: "وهل تستطيعين مساعدته؟"

قلتُ وأنا لم أرتب كلماتي: "بالتأكيد لا، لكن إذا أخبرني ما يجب عليّ فعله سأفعله بجدية".

قالت: "هل تريدين سماع باقي القصة؟"

قلتُ: "أي قصة؟! تقصدين العائلة؟ نعم أريد.. هيا هيا!"

قالت: "عُدنا إلى بلادنا، إلى هذا البيت، لكن لم تعد معه الابتسامة. عدنا أجساداً بلا أية روح، لأن هذا المكان وكل ركن فيه يذكرنا به. قررت والدة فارس بيع البيت لكني لم أقبل لأنها تحب هذا البيت كثيراً، فلم أستطع تركها تتخلص منه في لحظة غضب أو حزن. وفي الحقيقة، كنتُ أنا أيضاً أحب هذا البيت لأنه يذكرني بوالد فارس؛ فأنا صديقة والده، وبعدما تزوج لم أستطع البعد فتقربتُ من زوجته. كنتُ آتي إلى هنا كل يوم لكي أراه، ولم أحب أبداً تقربه من زوجته.. كان من المفترض أن أكون هي، لكنها سرقته مني بدون أي مجهود وأنا معه لسنوات! كان يعاملني كأخت وصديقة، لكني أردتُ أن أكون زوجته. قمتُ بفعل أشياء أتمنى من الله أن يغفرها لي، وكنتُ السبب في سفرهم وتدهور صحتهم.. السبب في وفاته أنه علم بما فعلتُ، تعرض لصدمة كبيرة لم يستطع تجاوزها ولم تكن زوجته بجانبه، فتوفي. عندما علمتُ الخبر سافرتُ لأراه آخر مرة ولم آبه بحالتها، إلى أن رأيتُ فارساً قد كبر قليلاً وأصبح يشبهه.. إنه رائع! فقررتُ الاعتناء به بينما هي لم تكن تستحقه، فبدلتُ أدويتها بما يزيد من اكتئابها، ظناً مني أنها سرقت زوجي والآن ابني! لكنها قامت بالانتحار سريعاً وهذا ما أسعدني بشدة، وأنني سأبقى مع فارس للأبد بمفردنا.. وقد اقترب تاريخ وفاتها لهذا لا يريد فارس البقاء في المنزل كثيراً".

أكملت بمرارة: "وهذا ما حدث وقتها، ابتعد عني وكان يريد والدته، وتعرض لحزن شديد رغم أنها لم تفعل له شيئاً كي يتذكرها حتى، لكنها أمه في النهاية. كانت شديدة الذكاء أيضاً وتعرف ابنها أكثر مني، فكانت تكتب كل شيء يحدث وكتبت ما فعلتُه ووضعته في مكان يوصله إلى فارس في عامه الثامن عشر. كانت تريد أن تخرب كل شيء.. وهذا ما حدث. أخرجني من البيت وبقيتُ ألاحقه لعدة سنوات كي يغفر لي ويسامحني، لكنه لم يفعل إلا عندما تعرضتُ للسرطان، فحنَّ لي لأنني مربيته. بقيتُ في المستشفى طوال فترة علاجي وتكفل هو بي، لكنه لم يأتِ لزيارتي أبداً ومنع عني الخروج إلى أن أتعافى. مرت سنوات أخرى وأصبحتُ بصحة جيدة، لكني لم أعلم عنه شيئاً؛ كيف ينام أو ماذا يأكل ومن يعتني به؟ كنتُ أشتاق للاعتناء به، وعندما أتى ليأخذني كان أكبر وأجمل، لكنه هادئ جداً.. ذكرني بوالدته. شعرتُ بالندم الشديد لما فعلتُه به وبعائلته، طلبتُ منه أن أكون خادمته هنا لبقية حياتي ولم نتحدث كعائلة من وقتها. كانت حياتهم سعيدة، وكان من الممكن أن تكون حياتي سعيدة لو وضعتُ عينيَّ في مكانها الصحيح، لكني أخطأتُ وأحاول التكفير عن ذنبي".

كل هذا وأنا في حالة ذهول مما سمعته من جميلة، لدرجة أنني ابتعدتُ عنها. خجلت هي كثيراً، لكني رأيتُ وحشاً أمامي وليس بشراً! كيف يمكنها أن تكون بهذا اللطف وهي تدمر عائلة بأكملها؟!

قالت جميلة: "معكِ كل الحق بفعل ما تريدين، ولا أريد منكِ أي شيء، لكن يجب أن تعرفي أن فارساً أحب وجودكِ هنا.. جئتِ ومعكِ الضوضاء والمشاحنات حتى وإن كانت كلمة أو اثنتين. لا أسمع صوت فارس سوى مرة أو مرتين في الأسبوع، لكني جلستُ معه في نفس المكان منذ سنين وهذا بفضلكِ.. لا تغادري".

قلتُ بخيبة أمل: "وهل أستطيع المغادرة حتى؟!"

سمعنا صوت الباب، وبعدها دخل فارس إلى غرفة المكتب مثل كل يوم، لكن بعد كل هذه الأحداث شعرتُ أنني يجب أن أكون معه، أواسيه، ربما أشعر بالشفقة عليه.. فهذا أكيد! لقد فقد عائلته وهو في نفس البيت مع الجاني، يا له من ألم في الرأس!

أخذتُ طبق الفواكه وركضتُ إلى غرفة المكتب، طرقتُ مرتين ثم سمح لي بالدخول.

قلتُ: "مرحباً، كيف حالك اليوم؟"

نظر لي باستغراب وقال: "ماذا تريدين؟"

قلتُ: "جلبتُ لك بعض الفاكهة، تفضل". وضعتها أمامه لكنه وضعها جانباً وقال: "شكراً".

بدأتُ بحك رأسي، لا أعلم ماذا أقول ولا ما يجب عليّ فعله، وهو مازال ينظر لي ينتظر خروجي أو قول أي شيء، وقال: "ماذا الآن؟"

قلتُ بسرعة: "البيت.." قال: "ما به؟"

قلتُ: "إنه كبير جداً.. يا له من بيت كبير وجميل.. إنه.."

قال: "كبير، أليس كذلك؟" قلتُ وأنا غير واعية: "نعم وجميل و.." قال بصوت عالٍ قليلاً: "غادري الآن!"

بدأتُ أشعر بالخوف وقلتُ: "لا أستطيع".

قال: "غادري الغرفة يا غزل!"

(يا له من اسم جميل، منذ متى واسمي بهذا الجمال!)

"غزل!" أفقتُ على صوته وقلتُ: "أريد المغادرة".

قال: "ماذا؟"

قلتُ: "نعم، أريد المغادرة، أنا داخل هذا الكهف الكبير لوقت طويل جداً جداً، أشعر بالملل وأريد الذهاب إلى أي مكان.. الآن".

قال بلامبالاة: "فلتغادري إذن، يمكنكِ المغادرة متى شئتِ بدون إذن".

قلتُ: "لا آخذ الإذن منك حتى.."

قال: "ماذا؟" قلتُ: "أقصد أريدك معي، أن تأخذني إلى أي مكان هنا، كما تعلم لا أعرف أحداً غيرك".

قال: "يمكنكِ أخذ جميلة".

قلتُ مسرعة: "لا يمكن، إنها امرأة كبيرة ولا تحب المرح، لكنك شاب ورائع.." نظر لي فأكملتُ: "وشاب.. أنت شاب، فهمت؟ يمكنك المشي بسرعة أو الركض حتى.."

قال: "حسناً توقفي توقفي، ألم يعلمكِ أحد الكلام حتى؟"

ضحكتُ وبدأتُ أحك في رأسي ثم انتابني شعور بالصداع قليلاً والحزن، لكن لا أعلم السبب.

قال فارس: "إلى أي مكان تريدين الذهاب؟"

بدأتُ أفكر قليلاً ذهاباً وإياباً بصوت عالٍ: "لا يوجد فرق بين المنزل والمطعم، وأين المتعة في الذهاب إلى الحديقة؟ لا.. ليست جيدة".

كان يحرك رأسه معي ذهاباً وإياباً وقال: "ما رأيكِ في المكتبة؟"

قلتُ مسرعة: "بالتأكيد لا، مستحيل سأصاب بالجنون! حتى هنا الكثير من الكتب ولا أرغب بقراءتها".

قال بابتسامة: "الكتب تمنعني من الجنون".

قلتُ وكأني حصلتُ على خطة جديدة: "ما رأيك أن أريك ما يمنعني من الجنون حقاً؟"

**نهاية الفصل السابع**

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

"أَحْبَبْتُ رَجُلًا خَيَالِيًّا

المؤلف Esraa Nasef
2026/04/07 مكتملة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة