بين حكايا الماضي وقرار المصير

بين حكايا الماضي وقرار المصير

29 0

مرّ الوقت ببطء شديد في الغرفة الأولى. ذهبتُ إلى الثانية، وضعتُ الأدوات على الأرض ويداي على خصري وأنا أنظر إلى الغرفة وأضع خطة داخل عقلي لإنجاز العمل بشكلٍ أسرع. وبالفعل بدأت، وهذه المرة شعرت بالمسؤولية وأنني أقوم بشيء جيد.

انتهيتُ من الغرفة الثانية بشكل أسرع ثم خرجت، وقبل أن أُكمل نادتني جميلة!

دخلتُ المطبخ لأرى ماذا تُريد، فاستقبلتني رائحة الطعام الذي أشتاق إليه في كل وقت؛ يبدو أن جميلة طاهية محترفة، ومن المحزن وجودها في هذا البيت، إنه إهدار لمواهبها.. قلت: "أنا هنا".

قالت: "ساعديني في تحضير الطاولة".

"حسناً.." وبدأتُ بالترتيب لثلاثة أماكن، وحقاً من الغريب أن يسمح فارس بجلوس جميلة، والتي تعتبر خادمته، على نفس الطاولة!

انتهيتُ، فقلت لجميلة، فقالت: "أحسنتِ يا غزل، قمتِ بعمل رائع".

"أشكركِ، لا داعي.." قلتُ وازدادت ابتسامتي من لطفها اللطيف.

"يمكنكِ تبديل ملابسكِ قبل قدوم سيدي، أمامه ربع ساعة". غادرت جميلة المطبخ بعد ما قالته. سأتغاضى عن دقتها التي اعتدتُ عليها، لكن من أين سيأتي؟ وماذا يعمل يا ترى؟

أهبطُ الدرج بعدما بدلتُ ملابسي لأخرى نظيفة بينما أقول: "من المؤسف أن ينتظر هذا الطعام ربع ساعة كاملة، من المفترض أن يكون في معدتي منذ دخولي للمطبخ.." توقفتُ عن التحدث عندما رأيتُ فارساً قادماً نحوي بهدوء، وعندما اقترب توقفتُ بابتسامة وهو قال: "مرحباً غزل.." قلت: "مرحباً.." وأنا على نفس الابتسامة، وهو أكمل طريقه للأعلى.

توجهتُ إلى المطبخ ووقعت عيناي على طاولة الطعام وبدأت بالتذمر من جديد لجميلة: "متى سنتناول الطعام؟ مرت ربع ساعة وعاد فارس، لِمَ لا نأكل الآن؟!"

قالت جميلة بابتسامة: "صبراً عزيزتي، سيبدّل سيدي ملابسه ويأتي في الحال".

قلت: "كيف تتحملون رؤية هذا الجمال وهذه الرائحة وتتركونها لتبديل الملابس!" ضحكت جميلة عليّ مجدداً، وبعد خمس دقائق أتى الفارس بملعقته.. أمزح بالتأكيد. جلسنا واتخذتُ زمام الأمور وبدأتُ بتناول كل ما هو شهي، غير مبالية بنظرات جميلة والفارس.

بعد الانتهاء قالت جميلة: "أحضري الأطباق يا غزل وأنا سأقوم بتنظيفها".

قلتُ مسرعة: "يمكنني التنظيف لا عليكِ".

قال فارس: "بل ستأتين معي".

قلت: "أين؟"

قال: "سأنتظركِ في غرفة المكتب".

أومأتُ له بهدوء، لكن القلق بدأ يتسرب إلى قلبي. بعدما انتهيتُ من الأطباق وذهبتُ لغسل يديّ بدأتُ أفكر مجدداً وأنا ألعب بالمياه الجارية، حتى قالت جميلة: "هذا إهدار للماء، عيب عليكِ".

توترتُ وأسرعتُ في إغلاق الصنبور، وقلت: "معكِ حق، آسفة". تركتها وذهبتُ إلى غرفة المكتب، وقبل أن أفتح الباب أخذتُ نفساً عميقاً على أمل أن يعطيني الشجاعة لسماع أي جديد. طرقتُ الباب مرتين ثم سمعتُ صوت فارس يطلب مني الدخول.

بعدما جلستُ على الكرسي أمامه قال بدون مقدمات: "هل تذكرتِ شيئاً؟"

قلتُ بلامبالاة: "عن ماذا؟"

قال: "عن عائلتكِ!"

قلتُ بعد استيعاب: "آها، لا لم أتذكر". اتسعت عيناي بعد هذه الجملة خوفاً من القادم، وبدأتُ أفرك أصابعي معاً كمحاولة أخرى للهدوء. سمعته يقول: "لا عليكِ، استرخي".

نظرتُ إليه سريعاً وقلت: "حقاً؟ لست غاضباً؟"

قال بابتسامة جانبية: "لِمَ الغضب من الأساس! كنتُ فقط أحاول المساعدة، يجب ألا تنسي عائلتكِ بهذه السهولة".

وقبل أن أُجيب قال: "سأقول ما أردتكِ من أجله إذن.."

يا إلهي، هناك المزيد؟!

أكمل وقال: "هل تريدين إنهاء دراستكِ؟"

قلت: "بالتأكيد".

قال: "حسناً، لكن لا يمكننا تقديمكِ في الجامعة لعدم وجود أي بيانات لكِ، ماذا ستكتبين؟"

فكرتُ قليلاً ثم قلت: "هل يمكننا وضع معلومات مزيفة؟ وبعدما أستعيد ذكرياتي أصححها؟"

قال: "ستكون هناك عواقب بالتأكيد، هذا يعتبر تزويراً لشخصيتكِ؛ وحتى إذا، كيف ستعيدين كتابة شهاداتكِ بعد هذا؟"

قلتُ باستسلام: "حسناً لا أريد، وأيضاً لا تقل لي هذا لتأخذ رأيي فحسب، بالتأكيد لديك حل مسبق، أليس كذلك؟"

قال: "هو كذلك بالفعل".

قلت: "أخبرني إذن".

قال: "في الحقيقة لا يوجد طريق سليم بشكل كامل، لكن يمكننا تسجيلكِ باسم العائلة هنا".

قلت: "أي عائلة تقصد؟"

قال: "عائلتي بالتأكيد".

قلتُ باستهزاء: "وأين تلك العائلة التي لم أرَ منها غيرك؟"

قال وقد بدا عليه شيء لم أفهمه: "والخيار الثاني هو تسجيلكِ باسم جميلة، ويمكننا كتابة أنها والدتكِ".

قلتُ غير مرحبة بالفكرة: "هذا مستحيل، كيف تسجلني باسم الخادمة؟ هذه إهانة".

قال بعدما ضرب المكتب بيده: "احفظي لسانكِ أيتها الأميرة، وإلا لن يحدث ما يعجبكِ!"

قلتُ وأنا أحاول التماسك: "حسناً، آسفة لم أقصد الإهانة".

قال: "من قال لكِ أن جميلة خادمة من الأساس؟ وهل تعتبرين والدتكِ خادمة لمجرد تنظيفها للغرف وإعداد الطعام؟!"

قلت: "بالتأكيد لا، لكن.."

قاطعني بحدة: "هذا يكفي، في نهاية اليوم تخبريني أي نسب تختارين، مفهوم؟"

قلتُ باستسلام: "مفهوم"، بينما قلتُ لنفسي: "مفهوم أيها الغبي".

لم أستطع منع فضولي تجاه جميلة، وقبل أن أُغادر الغرفة سألته: "إذا لم تكن جميلة خادمة، فماذا تكون إذن؟"

قال ببرود: "وهل هذا يهمكِ؟"

قلت: "بالتأكيد".

قال: "في ماذا؟"

توقفتُ عن التفكير لبرهة ونظرتُ إليه، لم أستطع وصف ما أشعر به، لكني شعرت بالغضب والإحراج في نفس الوقت، فقلتُ باستسلام: "مجرد فضول، لا عليك سأغادر".

قال مسرعاً: "هي الأم بالنسبة لي، من يهتم ويقلق، من يُعلّم ويُربي، إنها البيت والمدرسة، إنها عائلتي".

شعرتُ بتأثر شديد إثر كلماته الصادقة، وكيف هو بهذا الهدوء ونبرة صوته الحنونة عندما تحدث عنها: "لكن العلاقة بينكم محدودة، لا أرى فيها الدفء والقرب الذي يكون بين الأم والابن!"

رجع بالكرسي قليلاً وقال: "كل شيء قابل للتغيير، بين الثانية والأخرى يحدث الكثير، هذا حال الدنيا".

عندها تذكرتُ حالي أيضاً، معه كل الحق، فبغمضة عين تغيرت حياتي لحياة لا أعلم عنها شيئاً. قاطعني من شرودي وقال: "لا تنسي اتخاذ قراركِ الليلة".

نظرتُ له بامتنان وقلت: "لا تقلق".

شعورٌ بداخلي أشبه بالسعادة، تحدث معي الفارس بكل صدق، يا له من إنجاز! لدي شعور بالحاجة والفضول لمعرفة المزيد عن هذه العائلة، لكن هل حقاً لا أهتم لعائلتي؟ من الجيد أن يكون لديك عائلة هادئة ومستقرة، لكن هذا الاستقرار زاد عن حده؛ كلٌ منا في وادٍ من وديان الحياة، لا تجمعات ولا مناقشات ولا حتى مشاحنات، الوضع هادئ وكأنك وحدك في الحياة..

أفكارٌ داخلي من جديد تطاردني بينما أتجه إلى المطبخ حيث توجد جميلة: "أية مساعدة؟"

جميلة: "أشكركِ عزيزتي، يمكنكِ الاستراحة فقط".

بدأتُ أحك فروة رأسي خجلاً مما أريد قوله، فقالت هي: "يمكنكِ التحدث، أنا أسمعكِ".

قلتُ بابتسامة بلهاء: "لا شيء، لا عليكِ".

قالت من دون أن تنظر إليّ: "عائلة غريبة الأطوار، أليس كذلك؟"

قلتُ مسرعة: "جداً.."

نظرت لي بابتسامة وقالت: "ما رأيكِ أن أقصّ عليكِ حكايتها؟"

حدقتُ بها قليلاً ولا أعلم لِمَ شعرت أنها ستحكي قصةً لفيلم رعب قديم، ولكن بعد لحظات جاءني الحماس فقلت: "بالتأكيد، أنا متشوقة وأتمنى ألا يخيب ظني".

فقالت: "يجب ألا يعلو سقف طموحاتكِ عزيزتي، فهناك أشياء كثيرة لا تستحق".

قلتُ تحت تأثير هدوئها: "معكِ حق".

تركت جميلة ما بيدها ثم جلست على مقعد أمامي لتبدأ بسرد حكاية العائلة، وقالت: "والد فارس كان شخصاً حكيماً ويُعتمد عليه ولديه حِس فكاهي عالٍ.."

قاطعتها وقلت: "لا يبدو هذا.."

ابتسمت وقالت: "لا أحب المقاطعة".

أغلقتُ فمي وأكملت هي: "بينما والدته كانت شديدة الجدية، تبتسم نادراً، وتتحدث قليلاً. لكن هذا كان قبل أن ترى والد فارس؛ بحكمته اللطيفة جذب انتباهها وبدأت تميل له في بعض الأحيان، بينما هو وقع في غرامها من نظرته الأولى. كانت شديدة الجمال، وابتسامتها النادرة تعطيها كل حُسن العالم، كان الإقبال عليها من كل الاتجاهات إلى أن أتى الفارس الذي وحّد اتجاهاتها إلى طريق يؤدي إليه فقط.. كانا ثنائي العام وأجمل أبطال لروايات العشق، ونتيجة حبهما كانت إنجاب طفلٍ جميل وهو فارس الآن. لكن سرعان ما انقلبت الأمور، وتغيرت الأقدار، فكان الحقد والكره في كل مكان يحاوطهما. قررا مغادرة البلاد لعدة سنوات بعيداً عن بشرٍ لا يوجد لديهم طعم الإنسانية. مرض الأب سريعاً وساءت حال الأم خوفاً على زوجها وحبها الوحيد، لكنه توفي.. عانت من الاكتئاب الشديد لسنوات، كان فارس وحيداً لا يعلم شيئاً، فقررت الذهاب إلى حيث هم والاعتناء به. لم ترغب في الزيارات ولا حتى الخروج من غرفتها، وبعد فترة ليست بكثيرة كانت فيها شديدة الهدوء، ظن الأطباء أنها تعافت من حزنها، وحان موعد مغادرتها، وبالفعل حدث، بعدما غادرت.."

"جميلة!" قالها فارس مقاطعاً الحديث.

نظرتُ خلفي لأراه يتقدم، قالت جميلة: "لا تقلقي لم يستمع لشيء".

قلتُ لنفسي: "وهل يجب أن أقلق؟!"

قال فارس لجميلة: "كوب قهوة من فضلك".

جميلة: "بالطبع سيدي".

نظرتُ إلى فارس بينما عيناه على ما تعده جميلة وقلت: "لِمَ تحبون القهوة؟ هل هي طريقة لجلد الذات؟"

نظر إليّ وقال: "بعقلكِ هذا بالطبع لن تفهمي السر".

قلبتُ عيناي للجهة الأخرى وقلت بصوت منخفض: "وهل أهتم!"

انتهت جميلة وقدمتها إليه، أخذ رشفةً منها وقال: "واضح عدم اهتمامكِ"، وغادر، بينما أنا أشعر بالهزيمة وأتعرض لجلد الذات الآن: "ما بال هذا الفم! يتدخل فيما لا يعنيه ويجلب لي ما يزعجني من كلمات.."

كادت جميلة تغادر المطبخ بينما استوقفتُها: "مهلاً، لم تُكملي، ماذا حدث بعد؟"

قالت وهي تلوّح بيديها: "في وقتٍ آخر، أحتاج للنوم الآن".

وبقيتُ أنا وحدي.. مهلاً، لست وحدي، فهناك أفكاري التي ستُصيبني بالجنون... ألم أُصب به بعد؟!

مَن ينام الآن؟ كم الساعة يا ترى؟ حسناً، سأحاول النوم إذن.

سمعتُ دقات منتظمة على باب الغرفة. بدأتُ التقلب على السرير محاولةً الاستيقاظ أو حتى الرد بينما الدقات لا تتوقف إلا لثوانٍ ثم تعود مرة أخرى.. قلت: "مَن هناك؟" سمعتُ صوت جميلة تقول: "إنها أنا يا غزل، جميلة". نهضتُ سريعاً وأنا أقول: "قادمة، قادمة".

قالت جميلة: "سيدي ينتظركِ بالأسفل".

قلتُ من وراء الباب: "حسناً".

ضربتُ جبهتي لأنني لم أفكر فيما قاله لي في الصباح، وبالتأكيد يريد مني رداً الآن.. يا له من حظ!

بدلتُ ملابسي سريعاً وهممتُ بالنزول ببطء وأنا أسترجع ما تحدثنا عنه: "أي قرار سأتخذه؟!"

نهاية الفصل السادس

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

"أَحْبَبْتُ رَجُلًا خَيَالِيًّا

المؤلف Esraa Nasef
2026/04/07 مكتملة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة