وفي اللحظة التي أنهى فيها جان جملته...ظهر ماتيو من خلفه بهدوء.
خرج من زاوية الغرفة المظلمة بخطوات بطيئة، حتى بدا وكأنه كان جزءًا من الظلال نفسها قبل أن ينفصل عنها.
تجمد جان في مكانه للحظة.
فكانت تلك من المرات النادرة التي يراه فيها عن قرب.طفل صغير...
لكن شيئًا فيه لم يكن طبيعيًا.
شيئًا جعل نظراته تستقر عليه دون إرادة منه.أما ماتيو فكان ينظر إليه مباشرة.
دون خوف.
ودون تردد.
بل بنظرة باردة لم يكن من المفترض أن توجد في عيني طفل بعمره.ساد الصمت للحظات.
حتى شعرت سندرا بأن الأجواء أصبحت خانقة بصورة غريبة.
كانت تعرف تلك النظرة.
وتعرف جيدًا أنها لا تعني خيرًا.
اقتربت خطوة من ماتيو محاولة كسر ذلك الصمت المزعج.
لكن قبل أن تنطق بأي كلمة، سبقها هو بالكلام.
— مع إخوتي؟
قالها بهدوء شديد.
هدوء جعل الكلمات تبدو أكثر حدة.
رمش جان باستغراب.
— نعم...
سيكون الأمر جيدًا لك.
رفع ماتيو حاجبًا صغيرًا.
وكأن الفكرة نفسها أثارت استياءه.
ثم سأل:
— ومن قال إنهم إخوتي؟
تجمدت الابتسامة على وجه جان.
أما سندرا فأغمضت عينيها للحظة وهي تدعو بصمت ألا يتطور الأمر أكثر.
لكن ماتيو لم يتوقف.
كانت الهمسات ما تزال تتردد داخل رأسه.
تلك الهمسات المزعجة التي أصبحت أقوى كلما اقترب هذا الرجل من الحديث عن العائلة.
عن البقاء.
عن المشاركة.
أشياء لم يكن يرغب بسماعها أصلًا.قال جان محاولًا الحفاظ على هدوئه:
— أقصد أنهم أطفال مثلك.
ستعتادون على بعضكم.
اتسعت عينا ماتيو قليلًا.
ثم أطلق ضحكة قصيرة خافتة.
ضحكة لم تحمل أي مرح.
بل حملت شيئًا جعل جان يشعر بعدم الارتياح.
— لا أعتقد ذلك.
وقبل أن يكمل، وضعت سندرا يدها على كتفه بسرعة.
— ماتيو.
نطق اسمه بصوت حازم هذه المرة.
التفت إليها.
وللمرة الأولى منذ ظهور جان، خفت ذلك البريق الحاد داخل عينيه قليلًا.
تنهدت براحة داخلية.
ثم قالت وهي تحاول تغيير الموضوع:
— لقد تأخر الوقت.
الأطفال بانتظار والدهم في الأسفل.
أدرك جان الرسالة.
ورغم أنه شعر أن الحديث انتهى بصورة أغرب مما توقع، إلا أنه لم يعلق.
اكتفى بهزة رأس بسيطة.
— حسنًا...
سأغادر إذًا.
ثم التفت نحو الباب.
لكن قبل أن يخرج، توقف فجأة.
واستدار ناظرًا إلى سندرا.
— على أي حال...
العرض ما زال قائمًا.
نظرت إليه دون أن تجيب.
فأكمل بابتسامة متعبة:
— لا ينبغي لكما البقاء معزولين طوال الوقت.
غادر بعدها وأغلق الباب خلفه بهدوء.
وعاد الصمت ليسيطر على الغرفة.
صمت قصير.
لأن ماتيو كان ما يزال واقفًا في مكانه.
ينظر إلى الباب المغلق.
نظرة طويلة.
باردة.
وكأنه يرى شيئًا خلف الخشب لا يستطيع الآخرون رؤيته.
شعرت سندرا بانقباض في قلبها.
ثم اقتربت منه وربتت على شعره برفق.
— لا داعي لكل هذا الغضب.
لم يجبها.
بل ظل يحدق نحو الباب.
ثم قال أخيرًا بصوت خافت:
— لا أحبه.
تفاجأت من صراحته.
— ولماذا؟
ساد الصمت.
ثانية...
ثانيتان...
ثم أجاب دون أن يحول نظره عن الباب:
— لأنه يكذب.
ارتجف جسد سندرا للحظة.
وشعرت بقشعريرة باردة تسري في ظهرها.
أما ماتيو...
فكان ما يزال يحدق في الباب المغلق.
وكأن شيئًا ما يقف خلفه مباشرة.
يستمع.
ساد الصمت داخل الغرفة.
صمت ثقيل جعل كلمات ماتيو الأخيرة تتردد في ذهن سندرا أكثر مما ينبغي.
"لأنه يكذب."
ظلت تنظر إليه للحظات، محاولة معرفة إن كان يقول ذلك بدافع الغيرة أو الانزعاج المعتاد الذي يظهره كلما اقترب أحد منها.
لكن تعابيره لم تكن تعابير طفل غاضب.
بل بدت وكأنها تعابير شخص متأكد مما يقول.
ابتلعت ريقها وسألته بهدوء:
— ومن أخبرك أنه يكذب؟
لم يجبها مباشرة.
بل ظل ينظر نحو الباب المغلق.
ثم قال بصوت منخفض:
— لا أحد.
وتابع بعد لحظة:
— لكنني أعرف.
تنهدت سندرا وهي تمرر يدها على جبينها.
لم تكن هذه المرة الأولى التي يقول فيها أشياء لا يفترض أن يعرفها.
وفي كل مرة كانت تحاول إقناع نفسها بأنه مجرد صدفة.
مجرد طفل ذكي يربط الأمور ببعضها.
لكن تلك الصدف بدأت تتكرر أكثر مما ينبغي.
اقتربت منه وربتت على رأسه.
— لا تفكر كثيرًا بهذه الأمور.
رفع عينيه إليها.
ثم سأل فجأة:
— هل ستنزلين إلى الطابق السفلي؟
ارتبكت للحظة.
— لا أعلم.
— لا تفعلي.
قالها بسرعة.
ثم أضاف:
— على الأقل ليس الآن.
عقدت حاجبيها.
— ولماذا؟
لكن ماتيو لم يجب.
بل أشاح بوجهه جانبًا.
وكأنه ندم على قوله ذلك.
وفي النهاية لم تضغط عليه أكثر.
في الطابق السفلي...
كان جان قد عاد إلى شقته.
دخل وهو يتنهد بتعب.
الأطفال كانوا يجلسون بصمت على الأريكة، بينما كانت هيلين تقف قرب النافذة وظهرها إليه.
بدت وكأنها لم تبكِ.
لكن عينيها الحمراوين كانتا تفضحانها.
نظر إليها للحظات.
ثم قال:
— الأطفال بخير.
لم تلتفت نحوه.
— أعلم.
— كانوا عند سندرا.
أغلقت عينيها للحظة.
وكأن الاسم وحده كان كافيًا لإثارة شيء بداخلها.
ثم سألت:
— هل رأيته؟
عرف فورًا عمن تتحدث.
ماتيو.
تنهد وهو يخلع معطفه.
— نعم.
استدارت نحوه أخيرًا.
— وكيف كان؟
صمت جان لثوانٍ.
حاول أن يجد الكلمات المناسبة.
لكنه فشل.
فكلما تذكر تلك العينين شعر بشيء غريب.
شيء لم يستطع تفسيره.
وفي النهاية قال:
— مختلف.
ابتسمت هيلين ابتسامة باهتة.
— كنت أعلم.
— ماذا تقصدين؟
هزت رأسها.
— لا شيء.
لكن جان لم يقتنع.
فمنذ سنوات وهي تتصرف بغرابة كلما ذُكر اسم ذلك الطفل.
وكأنها تعرف شيئًا لا يريد أحد التحدث عنه.
شيئًا قديمًا.
شيئًا تخشى حتى التفكير فيه.
في تلك الليلة...
وبعد ساعات من الهدوء...
كانت سندرا نائمة.
أما ماتيو فكان مستيقظًا.
يجلس قرب النافذة.
ينظر إلى السماء المظلمة.
وكانت الهمسات قد عادت.
أقوى من السابق.
أوضح من السابق.
حتى إنه استطاع تمييز بعض الكلمات هذه المرة.
كلمات متفرقة.
غامضة.
لكنها كانت تتكرر باستمرار.
"اقترب..."
"إنه يقترب..."
"لقد وجد الطريق..."
تجمد جسده.
وشعر بقلبه ينبض بقوة.
ثم نهض ببطء من مكانه.
واتجه نحو الشرفه.
في الخارج لم يكن هناك أحد.
الشارع كان فارغًا تمامًا.
لكن...
عند نهاية الطريق البعيد...
وسط الظلام الكثيف...
بدا وكأن شخصًا يقف هناك.
ساكنًا.
لا يتحرك.
مجرد هيئة سوداء بعيدة.
تراقب المنزل.
رمش ماتيو مرة واحدة.
فاختفت الهيئة.
وكأنها لم تكن موجودة أصلًا.
لكن الهمسات لم تختفِ.
بل أصبحت أوضح.
وأقرب.
حتى شعر وكأن أحدهم يهمس مباشرة داخل أذنه:
"لقد وجدتك أخيرًا."
وعندها...
لأول مرة منذ وقت طويل...
شعر ماتيو بالخوف.
Yara yara alaa yara