لم يغمض جفنٌ في ذلك المنزل طوال تلك الليلة.
بقيت سندرا جالسة إلى جانب ماتيو، تراقب وجهه بصمت، وكلما لمحته يسرح ببصره نحو النافذة، كانت تزداد قلقًا. لم يكن هو الآخر قادرًا على النوم، فكلما أغلق عينيه، عادت إليه الهمسات وتلك الهيئة السوداء التي لم تفارق مخيلته. لذلك اكتفى بالنظر إلى سقف الغرفة، محاولًا إقناع نفسه بأن ما رآه لم يكن سوى وهم.
أما هيلين، فلم تلبث طويلًا في الطابق العلوي. عادت إلى الأسفل لتطمئن على أطفالها، ثم بقيت في غرفتها لبعض الوقت، بينما خرج جان إلى خارج المنزل.
وقف عند الشرفة الخشبية، وأشعل سيجارة بيد مرتجفة. أخذ نفسًا طويلًا منها، ثم أطلق زفيرًا بطيئًا نحو السماء المظلمة.
كان يحاول تهدئة أعصابه...
لكن دون جدوى.
منذ أن دخل ماتيو حياته، لم يشعر تجاهه بالارتياح قط. كان يرى فيه طفلًا غريبًا، مختلفًا عن بقية الأطفال، وكأن شيئًا خفيًا يحيط به منذ ولادته.
ورغم ذلك...
لم يكن يكرهه.
بل كان يخشى أن يكون ذلك الطفل مرتبطًا بأمرٍ أكبر من الجميع، أمر لم يكن أحد مستعدًا لمواجهته.
ظل غارقًا في أفكاره حتى سمع صوت خطوات تقترب منه.
التفت، فوجد هيلين تقف عند الباب.
قالت بهدوء:
"لقد تأخر الوقت... ادخل لترتاح قليلًا."
نظر إليها جان بصمت، ثم أطفأ سيجارته تحت قدمه.
تجهم وجهه وهو يقول بلهجة جادة:
"هيلين... إياكِ أن تخبري أحدًا بما رأيته أو سمعته الليلة."
عقدت هيلين ذراعيها، ثم قالت بلا مبالاة:
"ولماذا سأفعل؟ لم يحدث شيء يستحق أن يعرفه الناس."
ظل جان ينظر إليها لثوانٍ، ثم أومأ برأسه ودخل المنزل، معتقدًا أنها ستفي بوعدها.
لكنه لم يكن يعلم أن كل كلمة قيلت داخل ذلك المنزل، وكل ما جرى فيه، كان سيصل إلى شخص واحد...
كيروس.
---
في صباح اليوم التالي، وقبل أن تشرق الشمس بالكامل، خرجت هيلين من المنزل بحجة شراء بعض الحاجيات.
لكنها لم تتجه إلى السوق.
بل ذهبت إلى المكان الذي اعتادت مقابلة كيروس فيه.
كان الرجل ينتظرها، وكأنه يعلم أنها ستأتي.
اقتربت منه وهي تنظر حولها بحذر، ثم روت له كل ما حدث في الليلة الماضية؛ حديث ماتيو عن الهيئة السوداء، والخطوط التي ظهرت على النافذة، وخوف جان غير المعتاد.
استمع كيروس إليها بصمت، ولم يقاطعها مرة واحدة.
وحين انتهت، ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة يصعب تفسيرها.
قال بصوت هادئ:
"لا تقلقي... لن يعلم أحد أنك أخبرتني."
ثم أضاف بعد لحظة قصيرة:
"وسأساعدك."
رفعت هيلين رأسها نحوه باستغراب.
"حقًا؟"
ابتسم ابتسامة غامضة.
"بالطبع... سأساعدك على التخلص من المشكلة."
لم تدرك هيلين أن كلمات كيروس كانت تحمل معنى مختلفًا تمامًا عما فهمته.
هي كانت تظن أنه يقصد سندرا...
أما هو، فكان يقصد شيئًا آخر.
---
حل الصباح، وبدأت الحركة تدب في أرجاء القرية.
وفجأة، دوى طرق متواصل على باب منزل جان.
كانت مارا، إحدى بناته، أول من استيقظ.
توجهت نحو الباب وهي تفرك عينيها من أثر النوم، ثم فتحته.
وقفت أمامها فتاة في مثل عمرها تقريبًا، ابنة خباز القرية.
ابتسمت الفتاة وقالت:
"صباح الخير يا مارا."
ابتسمت مارا بدورها.
"صباح النور."
ترددت الفتاة قليلًا، ثم سألت:
"هل والدك في المنزل؟"
أجابت مارا باستغراب:
"نعم... لماذا؟"
هزت الفتاة كتفيها.
"لا أعرف السبب، لكن والدي ومعه رجال من القرية يريدونه بأسرع وقت."
ازدادت حيرة مارا.
"وما الأمر؟"
تنهدت ابنة الخباز وقالت:
"أقسم أنني لا أعرف... لكن يبدو أن الموضوع يتعلق بماتيو... وبزوجة والدك، سندرا."
وصلت كلماتها إلى أذن هيلين، التي كانت تستمع إلى الحديث من خلف الباب.
تغيرت ملامحها.
شعرت أن شيئًا ما يحدث في الخفاء.
دون أن تضيع وقتًا، اتجهت نحو غرفة نومها.
دفعت الباب بهدوء.
كان جان لا يزال نائمًا نومًا عميقًا، وقد بدت على وجهه آثار الإرهاق الشديد، حتى إن شحوبه كان أوضح من المعتاد.
وقفت تنظر إليه للحظات.
لم تشعر بالقلق عليه.
كل ما كانت تفكر فيه هو أن هذه الفرصة قد تكون بداية النهاية بالنسبة لسندرا.
أما ماتيو...
فلم يكن يعني لها شيئًا.
كانت ترى أنه مجرد طفل ضعيف، وأن وجوده مرتبط بوجود والدته.
اقتربت منه وهزت كتفه برفق.
"جان... استيقظ."
فتح عينيه بصعوبة، وحدق فيها بتعب.
"ماذا هناك؟"
قالت:
"رجال القرية ينتظرونك في الخارج."
اعتدل في جلسته، وقد بدا عليه الاستغراب.
"ولماذا؟"
هزت رأسها متظاهرة بالجهل.
"لا أعرف... لم يخبروني بشيء."
ظل ينظر إليها للحظات، ثم تنهد.
لم يكن يملك خيارًا آخر.
نهض ببطء، وارتدى ملابسه على عجل، ثم خرج من المنزل.
كانت خطواته ثقيلة، وجسده مرهقًا بعد ليلة لم يذق فيها طعم الراحة.
ومع كل خطوة كان يقترب فيها من وسط القرية، كان شعور غامض يزداد داخله، وكأن قلبه يحاول منعه من متابعة السير.
لكنه لم يتوقف.
حتى وصل إلى الساحة الرئيسية.
وهناك...
وجد عددًا كبيرًا من الرجال ينتظرونه.
كان أول من وقعت عيناه عليهم الخباز وأخوه، وهما من أقرب أصدقائه وأكثرهم ثقة بالنسبة له.
وبجوارهما وقف عدد من تجار القرية المعروفين.
أما في مقدمة الجميع...
فكان يقف كيروس.
لكن ما جعل ملامح جان تتجمد حقًا، لم يكن وجود كيروس...
بل الشخصان الواقفان إلى جواره.
أخو سندرا...
ووالدها.
نظر إليهما طويلًا، وشعر أن شيئًا ثقيلًا بدأ يطبق على صدره.
أدرك في تلك اللحظة أن الاجتماع لم يكن عابرًا.
وأن ما سيقال خلال الدقائق القادمة...
قد يغير حياة الجميع.
Yara yara alaa yara