تعلقت عينا سندرا بالورقة للحظات، وكأنها لم تستوعب بعد ما حدث.
لم تضحك...
ولم تبكِ...
كانت ملامحها جامدة إلى حدٍ مخيف، كأن الصدمة سلبت منها القدرة على التعبير. بقيت تحدق في الورقة بين يدي الشرطي، ثم رفعت بصرها إليه، وبعدها إلى جان الواقف بجانبها.
مرت ثوانٍ طويلة قبل أن ترتسم على شفتيها ابتسامة صغيرة، ابتسامة مرتجفة لم تحمل فرحًا كاملًا، بل حملت راحة امتزجت بالخوف.
قالت بصوت خافت يكاد لا يُسمع:
— شكرًا... شكرًا لكما.
لم يعلّق الشرطي، بل ناولها الورقة برفق وهو يقول:
— لا تشكراني الآن، فما زال أمامنا القليل.
أخذت سندرا الورقة بكلتا يديها، وكأنها تحمل شيئًا ثمينًا قد يختفي إن أمسكته بقوة.
تابع الشرطي حديثه بنبرة عملية:
— سأرشدكما إلى مكان وجوده. وعندما نصل إلى باب غرفته ستجدان أحد الضباط مكلفًا بحراستها. أعطياه هذه الورقة، وسيسمح لكما بالدخول.
توقف لحظة قبل أن يضيف بجدية أكبر:
— لكن تذكرا أمرًا مهمًا... لا تحاولا سؤاله عن سبب اختفائه، ولا تتحدثا معه بشأن ما جرى. حالته لا تسمح بذلك، والأطباء أوصوا بإبعاده عن أي شيء قد يسبب له ضغطًا نفسيًا.
هزت سندرا رأسها بهدوء.
— لن نفعل... أعدك بذلك.
أما جان، فاكتفى بإيماءة صامتة، ثم فتح باب السيارة لتبدأ الرحلة القصيرة.
---
لم يكن المستشفى بعيدًا عن مركز الشرطة الجنوبي؛ فلم تستغرق الرحلة سوى دقائق معدودة، حتى ظهرت البناية البيضاء وسط القرية، تحيط بها أشجار قليلة وسور حديدي بسيط.
ما إن توقفت السيارة حتى نزل الثلاثة واتجهوا نحو المدخل الرئيسي.
كان المكان يعمه هدوء غريب، لا يقطعه سوى خطوات الممرضين وأصوات الأجهزة القادمة من بعض الغرف.
اقترب الشرطي من مكتب الاستقبال، حيث كانت تجلس سكرتيرة في منتصف العمر تقلب بعض الملفات.
قال بأدب:
— صباح الخير. نبحث عن الغرفة التي يوجد فيها الطفل الذي نُقل قبل أيام.
رفعت المرأة رأسها إليه، ثم أجابت بنبرة رسمية:
— يؤسفني، لا يمكنني إعطاء أي معلومات أو السماح بالدخول دون تصريح رسمي.
قبل أن يكمل الشرطي حديثه، تقدمت سندرا بسرعة وأخرجت الورقة المختومة، ثم وضعتها أمامها.
تناولتها السكرتيرة، وبدأت تتفحصها بعناية شديدة.
قلبتها مرة، ثم دققت في التوقيع، وبعدها ثبتت نظرها على ختم مركز الشرطة الجنوبي، وكأنها تتأكد من صحته للمرة الأخيرة.
وأخيرًا أعادت الورقة إليها وقالت:
— كل شيء نظامي.
ثم أشارت بيدها نحو الرواق المقابل.
— الغرفة رقم أحد عشر... في نهاية الممر، على الجهة اليسرى.
أومأ الشرطي شاكرًا ثم استدار لمغادره تاركن سندرا وجان يكملان داتبقى، ثم تابعا سيرهما.
كل خطوة كانت تثقل قلب سندرا أكثر.
كانت تشعر بأن المسافة قصيرة جدًا، لكنها في الوقت نفسه بدت أطول طريق قطعته في حياتها.
وصلوا أخيرًا إلى نهاية الرواق.
كان باب الغرفة مغلقًا، وإلى جانبه وقف ضابط يؤدي مهمة الحراسة.
اقترب جان منه، ثم أخذ الورقة من يد سندرا وقدمها إليه.
أمسك الضابط بها، وقرأ ما كُتب فيها كلمةً كلمة، ثم تفحص الختم بعناية، قبل أن يرفع رأسه نحوهم.
بقي صامتًا للحظات، ثم فتح الباب وهو يقول بلهجة رسمية:
— لديكم بضع دقائق فقط... لا أكثر.
ابتسم جان ابتسامة امتنان.
— ستكون كافية، شكرًا لك.
دخل كلاهما بهدوء، وأغلق الباب خلفهم دون أن يصدر أي صوت.
ساد الغرفة صمت مريح.
كانت أشعة الشمس تتسلل عبر الستائر البيضاء، فتمنح المكان دفئًا خفيفًا.
وهناك...
على السرير القريب من النافذة...
كان ماتيو نائمًا.
اقتربت سندرا ببطء، حتى خُيل إليها أن أي خطوة إضافية قد توقظه أو تبدد هذا المشهد الذي انتظرته أيامًا طويلة.
وأخيرًا...
رأته.
رأت طفلها...
ملاكها الصغير.
كان مستلقيًا في هدوء، يتنفس بانتظام، وكأن كل ما مر به لم يكن سوى كابوس طويل.
تفحصت ملامحه بعينين مرتجفتين.
لم تجد جروحًا خطيرة كما كانت تخشى.
لم يكن هناك سوى بعض الكدمات المنتشرة على ذراعيه، وضربة خفيفة عند طرف جبينه، وقد وُضعت عليها ضمادة صغيرة.
تنفست لأول مرة منذ أيام.
لكن ما إن اطمأن قلبها، حتى انهارت دموعها.
انسابت بصمت على خديها، دون شهقة أو نحيب.
وقفت على مسافة قصيرة من السرير، غير قادرة على الاقتراب أكثر، وكأنها تخشى أن تزعجه.
همست بصوت اختنق بالعبرة:
— الحمد لله...
ثم ابتسمت ابتسامة باكية، وأتبعتها بكلمات خرجت من أعماق قلبها:
— سعيدة... سعيدة جدًا لأنني أراك بخير يا صغيري.
قبضت على طرف فستانها بقوة، حتى ابيضّت أطراف أصابعها من شدة الضغط، محاولة أن تمنع نفسها من الركض إليه واحتضانه.
كانت تعلم أن عليها الالتزام بالتعليمات، مهما كان قلبها يصرخ.
أما جان، فوقف على بعد خطوات، يراقب ماتيو بصمت.
بدت ملامحه هادئة، بل باردة كما اعتاد الجميع أن يروها.
لكن خلف تلك النظرات الجامدة كان شيء يتحرك في داخله.
لم يكن قلقه نابعًا من الشفقة، ولا من الخوف.
بل كان يشعر برغبة ملحة في إعادة الطفل إلى المنزل، إلى المكان الذي اعتبره منذ فترة جزءًا من حياته اليومية.
وكأن وجود ماتيو خارج ذلك المنزل جعل شيئًا فيه ناقصًا.
لم يكن ينظر إليه كغريب...
بل كشخص أصبح، بطريقة لا يفهمها حتى هو، جزءًا من عالمه، وشيئًا لا يريد أن يفقده مرة أخرى.
Yara yara alaa yara