تجمدت نظرات ماتيو في الفراغ للحظات.
اختفت الابتسامة التي ارتسمت على وجهه قبل قليل، وكأن أحدًا انتزعها منه فجأة.
بدأت الذكريات تتدفق إلى رأسه دفعة واحدة...
ذلك الطريق المظلم...
الرجل الغريب...
المكان الذي بدا كأنه خارج حدود العالم...
الأصوات التي لم يفهم مصدرها...
الأرواح التي رآها بعينيه...
والرنين الحاد الذي ظل يتردد داخل رأسه حتى بعد أن فقد وعيه.
اتسعت عيناه شيئًا فشيئًا، وأخذت أنفاسه تتسارع.
راح يحدق في سندرا بعمق، ثم همس بصوت مرتجف:
— أ... آسف...
لم تكتفِ بكلمة واحدة.
بل كررها وكأنها الشيء الوحيد الذي يستطيع قوله.
— آسف... آسف...
تبدلت ملامح سندرا في لحظة.
اقتربت منه بسرعة، وقد ارتسم القلق على وجهها.
— ماتيو... ماذا تقصد؟
وضعت يدها برفق على كتفه، وأضافت بصوت حنون:
— لا تعتذر يا صغيري... أنا لست غاضبة منك، ولا ألومك على أي شيء.
لكن كلماتها لم تصل إليه.
حاول أن ينهض من السرير رغم الألم الذي يملأ جسده.
وكأن الشعور بالذنب منحه قوة لم يكن يملكها قبل لحظات.
أمسك بحافة السرير وجلس بصعوبة، ثم قال وهو يلهث:
— أنا السبب...
خفض رأسه وهو يضم قبضتيه بقوة.
— لا أعرف ماذا ستسمعين من الناس... لكن كل ما سيقال ليس الحقيقة.
رفع رأسه فجأة، وقد امتلأت عيناه بالاضطراب.
— إنهم لا يعرفون شيئًا... كل ما سيقولونه مجرد تمويه.
تبادلت سندرا وجان النظرات.
لم تفهم سندرا ما الذي يحاول ابنها قوله.
كان يتحدث بسرعة شديدة، حتى بدت الكلمات تتزاحم في فمه قبل أن يخرجها.
اقتربت منه أكثر.
— اهدأ يا ماتيو... خذ نفسًا، ثم أخبرني بهدوء.
لكن جان قطب حاجبيه، وقال بنبرة أكثر جدية:
— ماذا تقصد بالتمويه؟
التفت ماتيو إليه للحظة، ثم أعاد نظره إلى والدته.
بدا وكأنه لا يريد أن يسمع أحد غيرها ما سيقوله.
قال بصوت منخفض:
— أمي...
تذكرين الأصوات التي كنت اسمعها ليلًا؟
توقفت سندرا عن التنفس للحظة.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدها.
ثم أجابت بهدوء متردد:
— نعم... أتذكرها.
اتذكر انك كنت تخبرني عن هذا دائما.
ابتلع ماتيو ريقه.
وتحركت شفتاه ببطء.
— لقد...
رأيتها.
لم تكد الكلمة تخرج من فمه حتى انفتح باب الغرفة فجأة.
دخل الطبيب يتقدمه شرطيان، بينما وقف الحارس عند الباب قائلًا بلهجة رسمية:
— انتهى وقت الزيارة، نرجو منكم إخلاء الغرفة.
التفت ماتيو بسرعة نحو الباب، ثم عاد ينظر إلى سندرا.
ارتسم الخوف على وجهه بصورة واضحة.
— ماذا يقصد؟ إلى أين ستذهبين؟
ابتسمت سندرا محاولة إخفاء قلقها.
اقتربت منه وربتت برفق على يده.
— لا تقلق... سأكون بخير. فقط كن متعاونًا معهم، وسأعيدك إلى المنزل بأسرع ما يمكن.
لكن ماتيو لم يطمئن.
فهم من كلماتها أنهم سيأخذونه بعيدًا عنها مرة أخرى.
نزع الغطاء عن جسده بسرعة، وحاول إنزال قدميه إلى الأرض.
— لا... لن تذهبي!
ما إن وقف حتى خانته قدماه، وكاد يسقط لولا أن الطبيب أمسكه من كتفيه بسرعة.
قال الطبيب بحزم ممزوج بالهدوء:
— تمهل يا بني، جسدك لم يتعافَ بعد.
حاول ماتيو إبعاده.
— أريد أمي...
اقترب أحد الشرطيين وقال بلطف:
— لن نؤذيك، نريد فقط أن نطرح عليك بعض الأسئلة.
لكن ماتيو هز رأسه بعنف.
— لا...
كان صوته يرتجف، ولم تكن نظراته تفارق سندرا.
لاحظ الطبيب ازدياد اضطراب الطفل، كما بدأ جهاز مراقبة نبضات قلبه يصدر أصواتًا متسارعة.
نظر الطبيب إلى الشرطيين بجدية.
— إن استمر الضغط عليه بهذه الحالة فقد تتدهور صحته.
قال أحد الشرطيين:
— لكن لدينا أوامر باستجوابه فور استيقاظه.
أجابه الطبيب بنبرة قاطعة:
— وأنا لدي أوامر بالحفاظ على حياته. إذا فقد استقراره النفسي فلن تحصلوا على أي إجابة.
ساد الصمت للحظة.
ثم نظر الشرطي الأكبر سنًا إلى ماتيو، فوجده لا يزال ممسكًا بيد سندرا بكل قوته، وكأنه يخشى أن تختفي من أمامه.
تنهد الشرطي وقال:
— حسنًا...
رفع بصره إلى سندرا.
— يمكنكِ البقاء معه أثناء الأسئلة، لكن بشرط واحد.
استمعت إليه باهتمام.
— ألا تتدخلي في الإجابات، وألا توجهيه بأي شكل. وجودك سيكون فقط لطمأنته.
أومأت سندرا فورًا.
— أعدكم بذلك.
اقترب الطبيب من السرير وساعد ماتيو على الاستلقاء من جديد.
وبمجرد أن شعر الصغير بأن والدته لن تغادر، بدأ توتره يهدأ تدريجيًا.
جلس الشرطي على الكرسي المقابل، وأخرج دفترًا صغيرًا وقلمًا.
قال بصوت هادئ:
— لنبدأ من البداية يا ماتيو... هل تتذكر ماذا حدث يوم اختفائك؟
ساد الصمت.
ظل ماتيو ينظر إلى يديه طويلًا.
كان يتذكر كل شيء...
كل تفصيلٍ مر به...
لكنه تذكر أيضًا الوعد الذي قطعه، والخوف الذي استقر في قلبه.
رفع رأسه أخيرًا، ونظر إلى الشرطي بعينين هادئتين.
ثم قال بصوت خافت:
— لا...
توقف لحظة، قبل أن يكمل:
— لا أتذكر إلا أنني كنت أمشي ونمت تحت شجره... وبعدها استيقظت هنا.
نظر الشرطي إليه مليًا، محاولًا أن يكتشف إن كان يخفي شيئًا.
لكن ملامح ماتيو كانت ثابتة، ولم تمنحه أي دليل.
دوّن ملاحظته بهدوء، بينما بقي السر الذي يحمله الصغير حبيس صدره... ولم يعلم أحد داخل تلك الغرفة أن الحقيقة كانت أعقد بكثير مما يتخيلون.
Yara yara alaa yara