الفصل الأول "أورورا" حينما تبقى الحروب وينعدم السلام تتصارع الأيدي لمن ستبقى له اليد العليا لا يهتم احدهم بمصير من هم بين أيديهم، ليأتي اليوم الذي يتوقف فيه ذلك الصراع وتبدأ عملية البناء من جديد، لتطفو التكنولوجيا الحديثة على وجه الأرض ليصنعوا عالمًا مليئًا بالبشر الآليين فائقِ الذكاء، ليتم عن طريقهم الاستحواذ على العالم الذي طالما ظننا أنه ملكًا لنا، ولكن كان خطأنا حقًا حينما استغنينا عن البشر واستبدلناهم بالآلات، لتبدأ حربًا جديدة بيننا وبين عالمهم لنستطيع انهائها بانتهاء الحياة على الأرض، ليتقبى جزءًا صغيرًا صنعناه لنحيا به مع الاحتفاظ بالذكاء الاصطناعي بعد الانتهاء من تمردهم بالرغم من كل ما حدث، ولكن على طريقة أرض النورس. فتلك الأرض التي بنيت من جديد على أيدي اسلافنا منذ ثلاثمائة عام واختراعهم لنظام جديد تعايشنا به، فقد بنيت علي أكثر الطرق حداثة واستخدموا بها كافة العلوم التي توصلوا إليها فأصبحت مدينة شُيدت بأبراج عالية في الوسط للطبقات العليا مِن المجتمع التي لطالما وجدت لتحقيق أهدافها المنشودة، أما عامة الشعب فكانت لديهم عمائر صغيرة لا تتعدى الثلاث طوابق لكي لا تستنزف الطاقات العاملة والغير طبيعية في إيصال المرافق البديلة، وفوق ذلك تصميمهم على استخدام الذكاء الاصطناعي على طريقتهم برغم ما حدث في الماضي، جعلت من بعضنا أناس فائقِ الذكاء، والبعض الأخر لم يستطيع التأقلم ولذلك كان مصيرهم النفي إلى الأرض الخراب التي ابتعدنا عنها فأطلقنا عليها أرض العدَّم لأنها لا يوجد بها حياة، لا ماء، لا اشجار، لا نوع من أنواع الحياة تبقت سوى بأرض النورس فعقابًا لهم ينفون إليها ولم يعد منها أحد لنعلم كيف يعيشون بها. وفي كل صباح استيقظ أنا وأخي للذهاب لتلك المؤسسة الضخمة التي بنيت ليعمل بها الجميع كل فيما يبرع فيه عن طريق العربات التي استخدمت في القرون المنصرمة خوفًا مِن استخدامنا للعربات الطائرة لكي لا يتسنى لها الانفراد بذاتها مجددًا كما حدث في الحرب الأخيرة بيننا وبين الذكاء الاصطناعي، ولكن دومًا ما انتظر اليوم الذي سيبدؤون فيه بمطاردتي بعدما يعلمون ما أنا بقادرة على فعله، أخشى وقتها أن ينال أخي نصيبه منها وهو ليس له ذنب ولكني أحاول ترك ذلك لوقته. وصلت إلى موقعي من تلك المؤسسة فهي تشبه العسكرية إلى حد ما بضوابطها الصارمة، فتلك القواعد دومًا ما اقوم بكسرها فلا أستطيع العيش بتلك القوانين فهي تحبس أنفاسي والقدرة التي اكتسبتها فأقوم بإطلاقها من وقت لأخر مع كسر احدى القوانين الصغيرة. لتتوالى الأيام روتينية كئيبة تشعر معها أن أعمارنا تتسرب من بين أيدينا حتى جاء اليوم الذي كنت أخشاه، فقد كنت أتجول بين أروقة المكتب الذي أعمل به فهناك دومًا أجهزة الكمبيوتر والروبوتات التي ظلت منذ العهد القديم، والبعض صنعناه من جديد فتأتي بأعطال من استخدامات البشر المتكررة فحياتنا تتوقف عليهم، فأستطيع أنا وزملائي أن نعلم أين العطب بها لنقوم بإصلاحها فميزتنا تسمح لنا بذلك، ولكن أحيانًا لا يستطيعوا ذلك من المرة الأولى، ولكن في بعض الأحيان أتوقف من بعيد لأعلم ما بها لأتدخل من مكاني الذي اتوقف به دون أن يدري احدهم لينتهي من اصلاحها، ولكن مؤخرًا كثرت تلك المشاكل ولم يستطيعوا حلها بسهولة فكثرت تدخلاتي، ولكني لم أكن أعلم أن هناك من يراقب ما أفعله فما حدث في الأيام القليلة الماضية كشفني أكثر فأكثر. في الصباح الذي تلي ذلك اليوم، رأيت حركة غير عادية فبعض الرؤساء الأعلى شأنًا تجولوا بالمكان جيئة وذهابًا، وكأن هناك كارثة على وشك الحدوث، لأجد مجموعة من الشباب الذين ذاع صيتهم بأنهم الأبرع في مجال صيانة أي عطب مرَّ علينا، ولكن بعد سويعات قليلة وجدت الرئيس الأعلى لمكتبنا قادمًا تجاهي ومعه مجموعة من الرجال ليتوقفوا أمامي. قائلًا بحزم:- - إذا سمحتِ يا آنسة "أورورا" فلتأتي معنا. لأنظر لهم بحيرة و أومأت برأسي وقلت:- - حسنًا. ذهبتُ معهم لا أدري ما يحدث فتلك المرة الأولى التي يحدث لي فيها ذلك، وحينما وصلت إلى وجهتهم، وجدتُ نفسي واقفة أمام المكتب الرئيسي الذي لم يستطيع أحد دلوفه سوى حفنة ممن لديهم مناصب عُليا، لندلف إلى الداخل بعدما أُعلن عن وصولنا. دلفنا للداخل ولأول مرة أرى تلك الغرفة أنيقة بألوانها وأثاثها وإحدى الجدران تحتوى على شاشة كبيرة بعرض ذاك الجدار وتصل لمنتصف طوله وترتكز على طاولة مربعة بعرض الحائط تحتوى على كل ما يخص تشغيل تلك الشاشة من أزرار وأسلاك، ومن يراها للوهلة الأولى يعلم أنها تعمل للتحكم بكل ما يخص أرض النورس. ثم انتبهت بعدها لقائد أرض النورس الذي لطالما رأيته من بعيد، والآن أراه امامي يتحدث إلىَّ، القائد "سديم"، لانتبه له حينما تحدث:- - مرحبًا آنسة "أورورا". - مرحبًا بك أيها القائد، تشرفت بلقائك. ليسترسل بهدوء:- - سمعتُ أنكِ الأبرع في مجالك. نظرتُ حولي بتوتر كيف وصل لمسامعه ذلك فقد كنت دائمًا اعمل من وراء الستار، ثم التفت إليه مجددًا وقلت:- - وكيف أكون كذلك، فحولك دومًا يبقى الأشخاص البارعين في مجالاتهم، وأجزم أنهم المتواجدين حولك الآن. ابتسم بسخرية وأردف:- - حقًا!، ولكن هل تظني أنه حينما يقول أحدهم ذلك فإنه لم يتأكد منه؟ فتيقنت أن أحدهم كان يراقبني عن كُثب، فتابعت:- - وما الذي أستطيع فعله الآن؟ - كما ترين فما يقبع على الجدار لم يقدرون على إصلاحه رغم براعتهم، فهناك من يظن أنك تستطيعن ذلك. ازدرت ريقي فشعرتُ من حديثه أنه يعلم شيئًا ما فقلت:- - حسنًا، سأحاول الآن. اقتربت مِن تلك اللوحة التي احتلت ذلك الجدار بمشتملاتها وبدأت أعمل على إصلاحها ولكن بعد بضع دقائق اكتشفت أن ما فعلته بالخارج حتى الآن لن يجدي نفعًا، فالتفت إليهم من جديد وقلت:- - هذا ليس عطلًا عابرًا، هناك شيء خاطئ لا أعلم ما به، يجب أن تعطيني ساعة لذلك، وأيضًا لا أريد أحد هنا. فتشدق بعبوس:- - ولم ذلك؟، يستطيعون مساعدتك فقلت بنزق:- - لا أريد مساعدة، ولا أستطيع العمل مع أحدهم. ثم تابعت بهدوء:- - وإن لم توافق بذلك، تستطيع إحضار أحد أخر. علمت أن ما تفوهت به الآن سيجعل مستقبلي قاتم، وسأكون تحت نظراتهم طيلة الوقت، ولكن ليس بيدي شيء أفعله الآن غير ذلك فانتبهت أثر صوته يخبرني بموافقته، وإصدار أوامره للجميع بالمغادرة في الحال، لأبدأ بعد دقائق باستخدام ميزتي الأخرى التي لا يعلمون عنها شيء لإصلاح تلك الجثة الهامدة **** انتهيت من إصلاح ذلك الجهاز الذي علمت حين انتهائي منه أنه يتحكم بكل صغيرة وكبيرة بأرض النورس وأكثر من ذلك بكثير، فعقلي لم يستوعب ما رآه هناك، فإن علموا بذلك سأصبح مُطاردة، أردت مشاركة ما رأيته مع أحدهم، فذهبت إلى " نمير"، وحينما رآني ذعر من شحوب وجهي، فأخبرني أن نذهب لمكان أخر نستطيع التحدث به. مر يومان على ما حدث بهدوء، وهو الهدوء الذي يسبق العاصفة فخلال ساعات من بدء اليوم انقلبت حياتي رأسًا على عقب، علمت أن ميزتي ستكون نعمة، ولكن سيأتي وقت ستصبح فيه نقمة، وقد حدث ذلك اليوم فرأيت مجموعة من أصحاب البدل السوداء الذين يحافظون على أمن أرض النورس قادمين باتجاهي يترأسهم رئيسي المباشر، فأدركت أنه كُشف أمري ولكن كيف؟، ولكن ما أدركته متأخرة هو هروبي الآن، لم أستطع تحريك قدم واحدة من مكانها لاستيقظ على وجودي بين أيديهم في داخل تلك الغرفة اللعينة لانتبه لوجود القائد "سديم" وهو يسألني:- - كيف استطعتِ الولوج لكافة الملفات صُدمت من سؤاله كيف له العلم بما فعلته هنا قبل مغادرتي فقد أغلقت كل شيء قبل الذهاب، ولكن قررت أن أتلبس عدم الفهم لأعلم إلى أي مدى يعلمون بشأني وبما فعلته فأردفت بهدوء:- - أي ملفات تتحدث عنها أيها القائد؟ فقال بغضب حاول اخفاؤه:- - ألم تعلمِ أن هناك فيروس أخر مخفي بين الملفات بدقة عالية يساعدنا على معرفة أن أحدهم ولج لنظامنا؟ هنا أدركت أن حماقتي واستعجالي بذلك الوقت قبل دلوفهم أوقعني بمأزق لا أعلم كيف سأخرج منه؟ وانتبهت على نبرة غضبه العالية يسألني:- - مَن أيضًا علم بما حدث هنا وبما رأيته؟ فقلت بهدوء:- - وكيف سيعلم أحد أخر بشيء لا أعلمه! تفاقم غضبه أكثر وتابع:- - ولن يبحث عنك أحدهم إن اختفيتِ. فقلت بتوتر وانزعاج:- - وهل يجب أن أقلق على نفسي الآن، ستقتلني؟ - لا أيتها المتحاذقة فمصيرك بات أسوأ بين يداي. - ماذا يعني ذلك، أتنفيني إلى أرض العَدَّم؟ لم يقم بالرد على سؤالي فقد وجدت هؤلاء الرجال مجددًا يمسكون بي ويجبروني على المغادرة والسير باتجاهٍ لم أسلكه بإرادتي يومًا، لأجد أنني دلفت إلي غرفة فارغة لا يوجد بها سوى مكانًا للاستلقاء وشاشة كبيرة متصلة به، وأدوات بركن الغرفة على تلك الطاولة لم أراها من قبل، لأجدهم يقيدونني بذلك المكان ويتركوني مغادرين وهم يسمعوني فقط أرجوهم أن يتركوني أذهب، لأرى تلك المرأة قادمة وهى مستمتعة أنها وجدتني أمامها وكأنها عثرت على كنزها الأخير، وحين وصولها لتلك الطاولة علمت أن من هنا سيبدأ عذابي. ولكن ما يدعو للسخرية هي أنهم أحيانًا يدعون الروبوتات تفعل أعمالهم اللا إنسانية، فقد دلفا اثنان منهم لتثبيتِ لما هي على وشك فعله بي، وعلمت من هم فقد أصلحتهم مرارًا ظننت أنهم سيسمعون لي، ولكن لم يحدث فأدركت أنهم قاموا بتغير أوامرهم، لأجدها قادمة باتجاهي وفي يدها أداة كبيرة واقتربت من موقع شريحتي لوضع ما بيديها بداخلها قاومت بشدة وحاولت الهروب، ولكن كيف السبيل لذلك وتلك الأيدي المعدنية متمسكة بي بهذا الشكل، وعلمت منها أنه فيروس شديد يستخدم للتعذيب لكي ننهار ونعترف بما يريدونه. مرت ساعات أشعر فيها بألم وصداع رهيب وهي تقف مبتسمة وكأن هذا ما تستمع به وهذه متعتها بالحياة، تركتني وذهبت وعادت بعد وقت قليل لتجدني في الحالة التي أدركت أنني سأصل إليها فالألم صار لا يطاق لأصرخ بكامل طاقتي لعل الألم يهدأ، ولكن عجزت عن تهدئته، فأجبرت عقلي على الهدوء ومساعدة نفسي بنفسي على طرد ذلك الفيروس بأي شكل. لأفق على صوتها يقول:- - ألا يكفيك ذلك، هيا قولي لي ما حدث ومن أيضًا غيرك يعلم بذلك؟ نظرت لها باشمئزاز ولم أُعطيها ردًا، فذلك أشعل نيرانها أكثر، فلم أعلم بقسوتها إلى ذلك الحد، فأدخلت فيروس أخر لشريحتي، وتركتني وذهبت، لتتضاعف آلامي وبعد دقائق لم أعُد أرى أمامي ففقدت الوعي، فهذا فقط ما أستطاع عقلي فعله حاليًا. حينما استيقظت مجددًا وجدت أنني غفوت لوقت طويل أستطاع عقلي الراحة فيه لأحاول التخلص من ذلك الفيروس وقيودي، ولكني لم أستطيع فقد وهن جسدي وعاد الألم أشد من قبل لأرى تلك المرة رجلًا يدلف على أطراف أصابعه طويل القامة قمحي البشرة وأعين بندقية فهذا أصبح نادرًا في عطرنا هذا، فمع التلوث وكثرة الاختلاط بالأعراق المختلفة وفقد الأمهات لمادة صبغة الميلانين التي تجعل أعيننا تصطبغ بلون العسل والبندق من الصعب الحصول عليها فهذا ما لفت نظري وكأنه جاء الآن ليشتت انتباهي عن آلامي، وحينما نظرت إليه وجدت أن وجهه تعتليه ملامح الصدمة. سمعته يقول بهمس:- - هل أنتِ بخير؟، لما أنتِ هنا؟، و كيف تحولت الغرفة هكذا؟ نظرت له ولم استطع التفوه سوى بتلك الكلمة:- - ماء، أريد ماءًا وجدته يحمل حقيبة وأخرج منها زجاجة مياه وسقاني حتى ارتويت، لأتذكر سؤاله فهمست إليه قائلة بصوتٍ أجش:- - تلك الغرفة سمعتهم يتحدثون عنها، فتم نقلها لأخر الرواق الأيمن، وسيستعدون لنصب كمينًا بها، احذر. ابتسم وقال:- - شكرًا لك. التفت ليغادر ولكنه لم يستطيع فعاد من جديد وفك قيودي وأخبرني:- - هذا ردًا لتحذيرك إلىَّ الآن، فلتذهبي من هنا الآن، أسرعي. حاولت الوقوف ولكن عاد الألم مجددًا لا أعلم لما توقف ولما عاد، ليلتفت إلىَّ حين سماعه لعدم اتزاني وسقوطي على الأرض، فاقترب مني وحملني على كتفه فتعلقت به بظهره لكي لا أسقط فأردفت مسرعة:- - ماذا.. ماذا تفعل؟، اتركني وغادر سيمسكون بك، اهرب واتركني فقد انتهى أمري مسبقًا تنهد بعمق وتحكم بغضبه وقال:- - أنتِ حمقاء لتتفوهي بذلك ،هيا سأخرجك من هنا استغربت فعله وقوله ولكن كيف سيفعل ذلك وسط تلك الحراسة المشددة ★★★★ بقلم 🖋️/زهراء محمود اتمنى الفصل يكون نال اعجابكم 🫣🫣 ڤوت وكومنت للتشجيع 🫣🤗