التعارف

التعارف

38 4

اليوم ٦ لم يكن شبابه هو راحته كما ظن منذ سنوات عدة، بل كانت الحياة أقسى عليه مما تصور بكثير، ولكنه لم يحب أبداً أن يعكر صفو أيامه بذكرياته، إلى أن يأتيه الفرج فيموت ويستريح! لأسباب وذكريات لا يحب أن يجعل ذهنه يأتي على ذكرها؛ كره صاحبنا هذا عائلته، واتخذ قراره بعد تخرجه من إحدى الكليات أن يسكن وحده بعيداً عن عائلته، ويكسب رزقه من مارد الذهب في العصر الحديث: الأعمال الحرة عبر الإنترنت! هذا لمن يستطيع الاستثمار في هذه الأمور باحترافية وبشكل صحيح، والحق أن صاحبنا كان قادراً على ذلك بامتياز، لدرجة أنه جنى مبلغاً لا بأس به من المال جعله جاهزاً في وقت قصير ليشتري أو يستأجر منزلاً أو شقة يستقر وحده بها. وفي رحلة بحثه عن مكان آدمي للسكن بسعر مناسب؛ سمع عن منزل مهجور يُبَاع بسعر زهيد جداً، وعندما سأل عنه أُخبِرَ أن المنزل ليس مهجوراً وحسب، بل هو مسكون بشهادة كل من جربوا السكن فيه، ورغم أن هذا خبر كاف ليجعل أي شخص يقشعر وترتعد فرائصه وهو يفكر في شرائه إلا أن صاحبنا لم يبد عليه أي من هذا على الإطلاق وهو يقبل على عجل بشراء المنزل، بل إن ملامحه قد بدت مبتهجة وقتئذ وهو ينهي اتفاقه مع البائع! وبعد أن استلم مفاتيح المنزل وجهزه بمتاعه، وأدخل إليه خطاً للانترنت، قرر أن ينفذ خطته الغريبة التي فكر بها وهو يسمع الأقاويل عن المنزل؛ فصعد الطابق العلوي المهجور غير المشيد، ونادى الشبح وانتظر رده! كانت جرأته أغرب من أن تُفهَم أو تُبَرَّر، لكنه حقاً كرر النداء إلى أن سمع صوتاً خشناً يتردد صداه عبر الجدران المتهدمة يقول: "اخرج، ولا تتجرأ على القدوم مجدداً!" والحق أن صاحبنا شعر بقشعريرة تسري في جسده؛ فعاد إلى الأسفل وظل بضعة أيام يقاوم قلقه الداخلي، ويلح على عقله أن يطاوعه لينفذ مراده؛ إلى أن أتى اليوم السادس فصعد مجدداً وهو يحمل كوباً من الشاي، وظل ينتقل ببصره في المكان لبضع ثوان ثم تجاهل آخر نداء تحذير من ضميره، ونادى الشبح مجدداً بعد أن ارتشف رشفة من كوب الشاي الساخن: "إذن، كيف حالك اليوم؟ هل افتقدتني؟!" ترددت أصداء قهقهة خفية في المكان، تبعها صوت الشبح وهو يرد: "أنت تبدو ودوداً بالفعل أيها الشاب!" -أشكرك! =ومزعج أيضاً، وربما مجنون! -أشكرك! =لم أر قط شخصاً يسأل عن أحوال شبح، بل ويأتي ليسكن في منزل يعلم يقيناً أنه موجود فيه! -ماذا عساي أقول؟ الوحدة حقاً صعبة! =فلتعرفني بنفسك إذن أيها الوحيد! و...ربما لا داعي لذكر أية أسماء؛ فأنا لن أذكر اسمي لك! -لا بأس، هذا قرارك و...أنت صاحب المكان بالطبع! لكن كيف ينبغي أن أناديك؟ =نادني بالشبح، وسأناديك بالشاب. -اتفقنا إذن، حسناً...إنني أبلغ من العمر ستة وعشرين عاماً، وخريج كلية محترمة، وأعمل في وظائف حرة عبر الإنترنت وأجني منها مالاً لا بأس به، هذا أنا باختصار فماذا عنك؟ =لقد قتلني والدي منذ عشرة أعوام! -تباً يا رجل! =لم يطق الإنفاق علي؛ فقتلني...لكن روحي لم ترقد بسلام فعزمت على الانتقام منه...وانتقمت؛ أفزعته وأرعبته بكل ما لدي من إبداع، إلى أن لقي حتفه بسكتة قلبية من فرط الخوف! -...لكني لا أرى روحك قد رقدت في سلام بعد! =لم تفعل؛ فبعدما قتلته شعرت بذنب عظيم، رغم أنني كنت أمقته لكن...ما كان علي أن أفعل ذلك، ما كان علي أن أصبح وغداً مثله لمجرد أنني ابتغيت سلام روحي! -هذا...حقاً مخيف! ومحزن، ومثير للسخرية بعض الشيء بصراحة! =لا أختلف معك؛ فالقدر مثير حقاً للسخرية، لكنه عادل...لقد تقبلت هذا كله ورضيت بعقابي، وبعذابي وسجني، وبوحدتي في هذا المنزل، وبقيت أتأمل البشر والعالم من حولي وأنا عاجز أن أكون جزءاً منه. -وماذا بعد؟ هل أصبحت فيلسوفاً؟! =إنك حقاً ظريف أيها الشاب...لكن ما حدث حقاً هو أنني بقيت كما أنا؛ لم أكبر حتى في السن لكن هيئتي الشبحية وتأملي العميق أكسباني حكمة وبروداً مهيبين...وصوتاً خشناً بالنسبة لعمري! كنت بمثل عمرك عندما قُتِلتُ بالمناسبة! -وإذن ما مشكلتك مع من يأتون إلى المنزل؟ ألم تقل لتوك أنك لا تود أن تكون وغداً؟! =إنهم مزعجون أيها الشاب، وأنا أحببت الوحدة هنا ورأيت المنزل من حقي، أهذا كثير علي؟! -لا، أظنه بالفعل من حقك. =لم تخبرني بعد إذن؛ لِمَ اخترت تحديداً هذا المنزل لتقطن فيه وأنت تعلم أنه مسكون؟! -لأنني أعلم أنه مسكون! =لا تسخر مني! -لكنني حقاً لا أفعل! الأمر أنني حقاً وحيد؛ لم أشعر براحة مع عائلتي فتركتهم، ولم أكن يوماً أهلاً للحب فلم أجد من أحبها أو تحبني، ولم أكن كذلك أهلاً للصداقة فلا أصدقاء لدي، ولا أدري حقاً فيم كنت أفكر عندما قررت شراء المنزل بسعره الرخيص المثير للريبة في حد ذاته، لكن...دعني أقل أنني أردت تجربة البحث عن رفيق جديد، ليس من البشر، لا يؤذيني أو أؤذيه...أظنني اشتريت المنزل حقاً لأنني علمت أنه مسكون؛ لأنني وددت أن نكون أصدقاء...أنا وأنت...ربما! =...نعم، ربما...لكنني الآن سأطلب منك بكل أدب أن تنزل إلى الاسفل مجدداً؛ فلا رغبة لدي الآن بمتابعة الحديث! -حسناً، لك ذلك...لكنني سأطمئن عليك لاحقاً!

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

شاي بحضرة شبح

المؤلف محمد تامر
2024/11/29 مكتملة
قائمة الفصول (6)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة