خلف الواقع

خلف الواقع

22 2

مر شهر تقريباً على تعارف الشاب والشبح، وزادت لقاءاتهما في الطابق المهجور التي كان الشاب فيها دائماً يتفنن في التأكيد على حس فكاهته، وكان الشبح يفعل كل ما يجعله يبدو كأنه روح فيلسوف توفي منذ نصف قرن! لكن مرح الشاب هذا خفت فجأة ذات يوم، وعندما صعد ليقابل الشبح أحضر معه جهازاً لوحياً، وشرع يري صديقه غير المرئي إبداعاته الفنية الشخصية من مقالات مكتوبة وتصميمات جرافيكية وأمور من تلك التي يهواها أصحاب العمل الحر على الإنترنت؛ ما حذا بالشبح أن يتعجب ويشعر أن الزمن قد تغير حقاً، وأن هنالك هوة تكنولوجية نوعاً ما بين زمنه وزمن زائره المزعج! لكن ما أعجبه وفاجأه حقاً هو إبداع هذا الشاب الظريف والمثير للسخرية، فقد قال له: "لم أتوقع منك إبداعاً كهذا!" رد الشاب بنبرة لا تخلو من زهو مُفتَعَل: "أشكرك، هذا...أقل ما عندي!" =يحق لك أن تفخر به إذن، وإن كنت، من معرفتي بك، أعلم أنك تمزح! -بالطبع أنا أمزح؛ فهذا مجرد هراء أضيع به وقت فراغي وأكسب منه رزقي! =لا تقل هذا، إن عملك مثير للإعجاب، وما يثير الإعجاب أكثر هو ما فاتني في الحياة من هذا التطور الرائع، يبدو أن التكنولوجيا الحديثة أصبحت خير رفيق للمبدعين والفنانين! -إنني أقدر حماسك، لكن سأخبرك أن كل هذا كان له ثمنه، وثمن هذا هو أننا حُرِمنا تقريباً من إنسانيتنا، التي علمتني أنت من حديثك أن آبه لها نوعاً ما، ولم يعد للإبداع الحقيقي الذي تظنه أنت موجوداً مكان؛ التكنولوجيا جعلتنا مجرد كائنات روتينية لا طاقة لها للقيام بأي شيء...دعك من هذا بأي حال! =أنت أدرى بزمانك أيها الشاب، وأنا لا أحب إصدار الأحكام على أمور لا أفهمها أو أعاصرها جيداً؛ لذا فلن أجادلك، لكن ما أودك أن تتأكد منه أنك حقاً فنان رائع! -نعم، وإن يكن؟ لا أحد يأبه! تنهد الشاب ولم يخف الضيق في نبرة حديثه عن الشبح وهو يكمل: "أخبرتني قبلاً أنك تكره حياتك خلف الواقع وألا تستطيع إيجاد مكان لنفسك فيه، لكن على الأقل أنت تحيا خلفه بالفعل، أما أنا فأحيا فيه ولا أستطيع أن أنتمي إليه!" تنهد مجدداً ولم يخف الحزن في نبرة حديثه عن صديقه غير المرئي وهو ينهي قوله: "إنني وحيد وحزين، مجرد نكرة لا يشعر بها العالم، وكل ما أريتك إياه منذ قليل لا يخفف وقع هذا الشعور على قلبي، لا غاية لي في الحياة ولا أناس آبه لهم أو يأبهون لي...إني أرجو الموت مع كل خطوة أخطوها، وإني حقاً أحسدك!" صمت الشبح لبضع لحظات وقد أدرك أن هذا الشاب ليس مجرد مزعج يتسلى بمصادقة الأشباح، بل يتألم تقريباً من نفس ما آلمه قبل أن يُقتَل هو وحتى في حياته الآن، وفهم من حديثه أنه يكتم حزنه؛ فقال له: "أخبرتك سابقاً أن كل يرى العالم بعينيه وحسب، وصدقني لا شيء هنا لتحسدني عليه! إنك تخشى الحزن، هذا أعلمه وأفهمه، لكنك إن لم تسمح لنفسك به فإنها ستنتقم منك بألا تجعلك تنام ليلة أخرى مطمئنة، لا تحرم عينيك من دموعهما!" -ما عادت هناك دموع لأذرفها، وإن كانت فستكون كاذبة أكثر من دموع التماسيح؛ فما عدت أشعر بشيء! =هنالك دائماً دموع لِتُذرَف، شئت أم أبيت! -إن كانت لي حرية الاختيار؛ سأختار في كل مرة ألا أذرفها!

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

شاي بحضرة شبح

المؤلف محمد تامر
2024/11/29 مكتملة
قائمة الفصول (6)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة