توالت الأيام، وتوالت الأحاديث والجلسات بين الاثنين، وإن ظل الشبح محافظاً على غموضه وبروده وهيبته، ولا زال الشاب يتودد إليه ويختبر حسه الفكاهي ومذاق الشاي في حضرته! ولم تخلُ هذه اللقاءات من أسئلة غريبة كان الشاب يطرحها على الشبح، وكمثال نذكر بضعة تفاصيل من حوار اللقاء الذي دار بينهما بعد بضعة أيام أخرى من قدومه. كان الشاب جالساً على كرسي في شرفة يتأمل العالم خارج المنزل من حوله – ولم يكن عالماً شيقاً كون موقع المنزل متواضعاً بعض الشيء – وأمامه مقعد ثانٍ يفترض أن يجلس الشبح عليه، لكنه ضحك منه قائلاً أنه سيجاريه فيما يفعل وحسب، لكنه حقاً لا يحتاج كرسياً للجلوس؛ فالفراغ مجلسه – على حد تعبيره وكان الشاب قد ارتدى بذلة زرقاء أنيقة جعلت الشبح يبدأ الحوار بسؤاله الفضولي: " هنالك سؤال يثير فضولي أيها الشاب، ما سر ارتدائك لهذه الملابس الأنيقة في كثير من المرات التي تصعد فيها لرؤيتي؟ أليست لهذه الثياب مناسبات خاصة؟!" رد الشاب بمرح لا يخلو من نبرة أسى لاحظها الشبح: " ليست هنالك لحظات هامة أو مناسبات خاصة في حياتي؛ لذا فإنني أحب أن أكون أنيقاً بداعٍ وبدون داعٍ!" ضحك الشبح وهو يرد: "إنك حقاً غريب أيها الشاب! وعلى ذكر الغرابة، أليست لديك أسئلة عجيبة تطرحها علي هذه المرة؟!" ارتشف الشاب رشفة من كوب الشاي الذي اعتاد أن يصعد كل مرة به وهو يسأل: "أتحسدوننا؟!" =وضح قصدك. -إننا نحن البشر نحسدكم بصراحة؛ على خفائكم عن أعين الناس، وعلى أنكم لستم مضطرين للتعامل معهم أصلاً، وعلى أنكم غالباً لا تشعرون بشيء خاصة إن كان مؤذياً، أنتم بأمان من الألم والحزن و... =ولكننا وحيدون! ولا وجود مادي لنا؛ فلا نستطيع تناول الطعام على الأقل! -يبدو أنك كنت شرهاً وأنت حي، وعلى أية حال أرى هذا ثمناً زهيداً بالنسبة لقيمة سلعته! =كل يرى العالم بعينيه فقط أيها الشاب! -إذن أرني إياه، بعينيك! =إننا نحسدكم على ما تكرهونه وتحسدوننا أننا لا نختبره! ليس ممتعاً كما تعتقد أن تعيش خلف الواقع وتتأمله دون أن تكون لك قيمة فيه، أحياناً أفتقد ما كان يجعل البشر بشراً حتى لو كان مؤذياً لهم. -ألا وهو؟ =المشاعر، التجربة الإنسانية عامة، والألم خاصة، إنني نوعاً ما أشتاق إلى الألم أيها الشاب؛ فلحظاته وحدها تذكرني بإنسانيتي، ومن الممل هنا ألا أشعر به كثيراً! -اللعنة على الإنسانية يا رجل! إنك لو اختبرت الألم لقلتَ أنه جحيم وتمنيتَ الهروب منه، وإن حُرمتَ منه اشتقت إليه وتمنيتَه بل ورأيته جنة! أظن أن أياً من يشتاق إلى الألم أو الحزن هو مجنون مع احترامي لك! في عالمنا هذا أيها الشاب؛ الجنة والجحيم لا ينفرد كل منهما بكيانه؛ بل يعملان سوياً ليكونا تجربتنا الإنسانية كلها بتاريخها وأحداثها ومشاعرها ولحظاتها الفاصلة! ويمكنك أن تظنني مجنوناً إن أردت؛ فالمختلفون في الآراء لا يستطيعون احترام بعضهم بشكل كامل على أية حال وإن ادَّعَوا ذلك! -معك حق. قالها وهو يرشف رشفة أخرى من كوبه ثم يعيده إلى مكانه، وحدق في الشبح لبضع ثوان قبل أن يقول له: "أنت حقاً مجنون!"