[رِسَالة]

[رِسَالة]

25 0

ثَمة نظراتٌ تُطفئ فينا حواسَّ الإدرَاك، وتجعلنا نخطُو نحوَ الألَم كَما لَو كَان وعدًا بالخلاص\.\. تسرّب الخيط الرمادي من شق الستارة، ليمسّ طرف السرير بفتور، كمن يطرق باب النعاس دون رغبة في الدخول\. كانت كلاريسا لا تزال غارقة في النوم، وجهها نصف مدفون في الوسادة، ونَفَسها يتصاعد ببطء انفتح الباب على عجلة، واقتحم صوت والدتها الغرفة "كلاريسا، إنها السابعة صباحا، انهضي فورًا\!" تأفّفت وهي تغطّي رأسها بالوسادة أكثر، كأنها تأمل أن يختفي الصوت\. لكن دقائق الكسل لا تطول، فنهضت أخيرًا وهي تجرّ جسدها كما يُسحب المعطف الثقيل من على الشماعة\. ارتدت قميصًا رماديًا خافت اللون، وسروالاً بنيا داكنًا، ثم معطفًا بدا أوسع من الحاجة، أو كأنّه اختير بعين مغلقة\. لم تنظر في المرآة المعلقة على الحائط، تجاهلتها كما تفعل دائمًا، ومضت بخطى باردة نحو المطبخ\. جلس إخوتها إلى الطاولة، الفطور في أطباق متفرّقة، الحديث عابر والملاعق تطرق الصحون \.\. جلست كلاريسا بلا كلمة، جذبت شريحة توست بيد متعبة، وبدأت تمضغ ببطء دون أن ترفع عينيها\. نبست الأم بنبرة إهتمام ولوم في نفس الوقت "المعلّمة قالت إنك رسبت في اختبار الجغرافيا، صحيح؟" أجابت كلاريسا دون أن تنظر إليها: "منذ متى تهتمين بالجغرافيا؟" نبست الأم من خلفها، وهي تضع كوب الشاي أمامها : "لأنك لا تهتمين بشيء، هذا هو السبب\." رفعت كلاريسا عينيها إليها لحظة، ثم زفرت ونفضت يديها من على الطاولة وهي تنهض: — "حسنًا، أمي\.\.\. ليس مجددًا، أرجوك\." تناولت حقيبتها من عند الباب، وهمّت بالخروج، لكن صوت والدتها استوقفها: — "خذي كيس القمامة معكِ، ضعيه في الحاوية عند الزاوية\." أشارت برأسها، ثم التقطت الكيس المربوط من عند المدخل، وخرجت\. الهواء في الخارج كان باردًا قليلاً، والسماء محايدة، لا شمس تشرق ولا مطر يهدّد\. سارت بخطى عشوائية إلى الحاوية الحديدية القديمة، رفعت الغطاء بيد واحدة، وهمّت بإلقاء الكيس\.\.\. حين لفت نظرها شيءٌ ما\. دَفتر مُتوسِط الحَجم أَزرق اللّون منقُوش علَيه إسم آرمين باللون الفضِّي\.\. لم يكن غارقًا في القمامة، بل كأنه وُضع هناك بلطف، في لحظة تردّد\. ترددت لحظة، ثم فتحت الصفحة الأولى\. عيناها علقتا على الخط المائل المتعرج، كأن صاحب القلم كان يكتب وهو يقاتل شيئًا غير مرئي مرّت يدها على إحدى الكلمات بخفة، دون وعي، كمن يريد أن يتحسّس أثرها\. ثم رفعت رأسها قليلًا، حدّقت في الشارع أمامها، لكنها لم ترَ شيئًا ظلّت لحظة شاردة، إلى أن انشقّ صوت أمها من نافذة الطابق الثالث فجأة "كلاريسا\! الحافلة وصلت\! ستفوتك المدرسة\!" إنتفضت وهي تدخل الدفتر في حقيبتها بسرعة وشقت خطواتها تصعد الحافلة تتفادَى نظرات السائق ببرود، ثم جلست قرب النافذة دون أن تلقي تحية أو تعتذر\. أخرجت الدفتر من الحقيبة بهدوء، وضعته على ساقيها وراحت تنظر إليه كأنها ترى غريبًا دخل غرفتها دون استئذان\. مرّ إصبعها على الاسم\.\. تأمّلته للحظة، تحاول أن تقرأ في الحروف شيئًا يدلّ على صاحبه\.\.\. فتى؟ فتاة؟ لم يكن الاسم مألوفًا، ولا غلاف الدفتر يوحي بشيء محدد\. فتحت الصفحة الأولى، في تردّد شبه خفي، كمن يتطفل لكنه لا يريد أن يشعر بالذنب\.\.\.\.         اليوم الأول:الثلاثاء 16 فبراير 2016 استيقظتُ في الصباح وكنتُ أعلم أنَّ اليوم لن يختلف عن سابقيه\. استلقيتُ في السرير أطالعُ السقف المتهالك بنظراتٍ فارغة، محاولةً منّي للهروب من ما ينتظرني خارج هذا الجدار الرقيق\. شعرتُ بالثِّقل يسحبني نحو الأسفل، كأنَّني عاجزٌ عن الحركة، كأنَّ الجدران تضيق عليّ كل لحظة\. كيف يمكنني مواجهة يوم آخر؟ الكل هناك يراني مجرّد عيب، خطأٌ لا يستحق الفرصة\. لكن، وعلى أي حال، سأنهض\.\.\. وسأواجه اليوم، كالمعتاد\. سرتُ في ممرات الجامعة، أسمعُ الضحكات المكتومة من حولي\. كانت تلتفّ حولي كدوامة لا مفرّ منها، تقتحم أذنيَّ وتتشبَّث بروحي المتعبة\. شعرتُ بأنفاسي تتسارع، وتشنُّجات متلازمة توريت بدأت تلقي بظلالها الثقيلة على جسدي\. تحركت عيناي بغير إرادتي، ارتعشت كتفي، وتشنجت يدي بطريقة لم أستطع كبحها\. لم أستطع السيطرة عليها، ولم أستطع السيطرة على الألم الذي كان يتصاعد في داخلي\. ثم رأيتها\.\.\. كاندل\. لطالما رأيت فيها ملاذًا من هذا الجحيم، نجمةً مضيئةً في وسط كل الظلام الذي يحيط بي\. ولكن اليوم\.\.\. لم تكن هكذا\. كانت تقف وسط جمعٍ من زملائها، تتحدث وتضحك ببرودٍ جارح\. لم أستطع سماع كل كلماتها\.\.لكن سماع ذلك يكفي "لاينقصني تأتآته وسط الفصل مجددا هل تعلمون كم يصعب علي كتم ضحكتي" ضحكاتهم كانت كالرصاص تتساقط على قلبي، لا أستطيع تفاديها، ولا إيقاف نزيفها\. هي؟ كاندل؟\! حاولت أن أستوعب ما سمعته، لكن عقلي لم يكن يريد التصديق\. كان الألم ينساب ببطء داخل صدري، كما لو كان يغرس في داخلي إبرًا دقيقة، كل واحدة أشد من التي قبلها\. هل كنت حقًا ساذجًا لهذه الدرجة؟ كيف خدعتني أفكاري، كيف رأيت فيها ما لم يكن موجودًا أصلاً؟ تشنجات متلازمة توريت تزايدت حاولت أن أهدئ جسدي، لكن الهزات كانت أقوى مني\. أقوى من أي محاولة للسيطرة\. أصبحت كدموع مكتومة، تظهر رغمًا عني\. ارتجفَت شفتي، وعيناي امتلأتا بالدموع، لم أستطع منعها\. شعرت بأنَّ جسدي لم يعد ملكي، كأنَّه يتمرد على كل محاولة مني للهروب\. لم أستطع البقاء هناك أكثر\. كان لابدَّ من الهروب\.\.\. هروبٌ إلى مكان لا يتبعني فيه الألم\. رجعت إلى المنزل ببطء شديد، كأنَّ كل خطوة كانت تثقل قلبي أكثر، كأنَّها تغوص في الوحل\. كان كل شيء يسير بوتيرة بطيئة، كأنني أتحرك تحت الماء\. فتحت الباب بهدوء، آملاً أن لا يلاحظني أحد\. لكن والدي كان هناك، ينتظرني\. كانت نظراته تلك، النظرات التي تحمل في طياتها احتقارًا صامتًا\.\.\. نظراته تقول أكثر مما يمكن للكلمات\. "كيف كانت درجاتك؟" سأل بصوتٍ خافت، لكن خلفه غضبٌ مدفون، يكاد ينفجر\. أخرجت الورقة بصمت، لم أكن أرغب حتى أن أنظر إليه\. فقط أردت أن أختفي، أن أصبح غير مرئي\. قرأ الورقة، وبعد ثوانٍ من الصمت القاتل، رأيت عينيه تشتعلان\. "أهذا هو كل ما تستطيعه؟\! بائس، كما هو حالك دائمًا\!" صرخ، و كفه حط على وجنتي لم تكن الضربة مؤلمة بقدر ما كانت الكلمات، التي اخترقتني كالسيف\. كلمات لا تُنسى، كلمات تلتهم القلب\. لم أستطع الكلام\. كنتُ مختنقًا، وعيناي امتلأتا بالدموع التي ظللتُ أحبسها داخلي طويلاً\. لماذا أنا؟ تساءلتُ مرارًا وتكرارًا في داخلي، ولكن لم يكن هناك أي إجابة، لا شيء سوى الفراغ\. أمرني بالعودة إلى غرفتي، وحبسني فيها\. حرمني من الطعام كما يفعل دائمًا، وكأنَّ الجوع هو العقاب الوحيد المناسب\. جلستُ على السرير، ممسكًا برأسي الذي كان على وشك الانفجار\. لماذا كل شيء يصبح أسوأ؟ الهزات العنيفة لم تتوقف\. جسدي كان يرتعش وكأنَّه يعكس التوتر الداخلي الذي لا يفارقني\. كل شيء ينهار\. ثم جاءني الخيال\.\.\. أمي\. أغمضت عينيَّ، وتراءى لي وجهها الدافئ\. تلك الذكرى الوحيدة التي تمنحني بعض السلام وسط كل هذا الدمار\. أمي التي لم تعد هنا\. رأيتُها تأخذ بيدي كما كانت تفعل دائمًا حين كنت صغيرًا\. كنتُ أشعر بلمستها، رغم أنَّها لم تكن إلا ذكرى بعيدة، صورة باهتة\. أخذتني إلى غرفة البيانو خاصتها، تلك الغرفة التي كانت تمتلئ دائمًا بألحانها الساحرة\. "تعال" قالت بصوتها الحنون الذي لم يفارقني أبدًا\. "لا تقلق، سأعلمك كيف تُسكت الأصوات المزعجة في داخلك، كيف تحول ألمك إلى لحنٍ ناعم\." وفجأة، دوى صوت الفرامل الحاد، تلاه اهتزاز خفيف في المقاعد، فاهتز رأسي للأمام وارتدّ\. توقفت الحافلة المدرسية، وانفتحت الأبواب، ليعلو صوت السائق المألوف: " وصلنا هيا إنزلوا \." أغلقت المذكرة بسرعة، وضغطت عليها بصدرها لحظة، ثم أعادتها إلى حقيبتها بحركة مبعثرة\. نزلت من الحافلة بخطى بطيئة، لكن في داخلها كان شيءٌ يتحرك\.\.\. خطت خارج الحافلة بخطى ثابتة، لكن عقلها ظلّ متأخرًا عنها بخطوتين على الأقل\. لم تكن تنظر أمامها، كانت تتابع ظلّها على الإسفلت المبلّل كأنها تسير وراء فكرة لا تُدركها بعد\. "من هو آرمين؟" هل هو شخص حقيقي؟ أم مجرد شخص قرر أن يكتب؟ لماذا يبدو كلامه مألوفًا؟ أهو يشبهني؟ أم يشبه أحدًا نسيته؟ رفّت عيناها كمن استفاق من حلمٍ قصير، ورفعت نظرها نحو المدرسة التي بدأت تلوح من بعيد\. مبنى قديم من الحجارة الرمادية، مألوف إلى حدّ السأم، لكنه بدا مختلفًا هذا الصباح، هل كان يتمنى لو كتب له أحد؟ هل كان ينتظر شيئًا؟ شخصًا؟ هل اختفى؟ أم ما زال يكتب في مكانٍ آخر؟ ثم، توقفت فجأة في منتصف الطريق أمام البوابة، كأن قدميها نسيتا ما تعني الحركة\. نظرت إلى طابور الطلاب، إلى ابتساماتهم الواسعة، وضحكاتهم الصاخبة\.\.\. هل كانوا يضحكون عليه؟ على كلماته؟ على صمته؟ على مرضه؟ مرّت يدها لا إراديًا على طرف حقيبتها، حيث وضعت المذكرة\. مسحت عليه كما لو كانت تطمئن على شيء ثمين\.\. ثم راحت تتخذ إحدى المقاعد وهي تفكر\.\.وعقلها ينسج خيوطا من الأحداث وماهي إلا ثواني معدودة حتى دخلت الآنسة غابرييل مدرسة الأدب الانجليزي ترتدي كنزة بلون فاتح وتنورة داكنة تصل إلى الركبة، وشعرها مرفوع بتسريحة مرتبة، يعلو وجهها تعبير ودود يليق بشخص خفيف الروح ومعتاد على التعامل مع الطلاب آنسة غابرييل مدرسة كلاريسا المفضلة\.\.لكنها وللأسف ستغادر لمدينة أخرى\.\. طرقت طرقتين جاذبة إنتباههم جميعا بينما كلاريسا تنظر لها بأعين مودعة وكأنها أيقنت تماما أنها ساعات الوداع\.\. "لن أدرّسكم اليوم درسًا من المنهج، بل شيئًا تعلمته خلال كل هذه السنوات\." رفعت الكتاب وفتحت صفحة منه، وقرأت جملة واحدة: "الكتابة لا تغيّر العالم، لكنها تغيّر الكاتب\.\.\. وهذا يكفي\." ثم نظرت إليهم وابتسمت: "اليوم، أريد من كل واحد منكم أن يكتب شيئًا لا يجرؤ على قوله بصوت عالٍ\.\. سأكون كلي أذان صاغية لهمسات أحرفكم" راح كل منهم يخرج أوراقا ليروي فيها مايجول في صميمه\.\.وحتى هي رغم تلك القطرة التي إنهمرت على خديها إلا أنها مسحتها برفق وبدأت تسطر بكتابتها \.\. بالنسبة لها آنسة غابرييل ليست مدرسة عادية ، بل كانت العين التي رأت فيها شيئًا لم تجرؤ هي نفسها على رؤيته\. في وقت كان فيه الجميع ينظر إلى إخفاقاتها وكأنها نهاية الطريق، كانت هي تشد يدها بلطف وتهمس: "لا تقيسي على نفسك بهذه القسوة، ففي داخلك شيئٌ يستحق أن يُكتشف\." لم تعاقبها على فشلها، بل احتضنت ضعفها\.\. عندما لم تتمكن كلاريسا من فهم درس معقد، لم توبخها أو تقلل من قدرها، بل جلست بجانبها بعد الدوام تشرح بصبر حتى تضيء الفكرة في عينيها\. في يوم شعرت فيه كلاريسا بأن لا أحد يسمع شكواها، كانت الآنسة غابرييل أول من لاحظ الحزن المختبئ خلف صمتها، وبدون كلمات كثيرة، تركت دفتر ملاحظاتها على الطاولة وقالت: "أكتبي كل ما في قلبك هنا، سأقرأه عندما تكونين جاهزة\." عندما كانت كلاريسا تخجل من الأداء في المسرحية المدرسية، لم تفرض عليها المشاركة، لكنها شجعتها بلطف، وأخبرتها بأن موهبتها ليست فقط في النجاح، بل في المحاولة بجرأة\. في الأيام التي كانت كلاريسا تشعر فيها بالفشل، كانت رسالة صغيرة من الآنسة غابرييل، مُعلّقة على دفترها، تقول فيها: "أنا أؤمن بكِ أكثر مما تؤمنين بنفسك\." كانت  تحب الآنسة غابرييل بطريقة لا تُفسر بالكلمات، ليس فقط لأنها كانت معلمتها، بل لأنها كانت الوحيدة التي آمنت بها حين لم يؤمن بها أحد\. لكن، كما هو الحال مع كل من أحبَّتهم، كانت الرحلة لا تخلو من الألم… رحل والدها، ورحلت صديقتها المقربة، والآن تفكر في أن الآنسة غابرييل، تلك التي حملت لها الأمل، ستغادر أيضًا\. كانت تسأل نفسها بمرارة: لماذا كل من أحبهم يرحلون؟ وكان قلبها الصغير يختنق بالخوف من الوحدة التي تلوح في الأفق\.\.\. بعد مرور ساعة، دق الجرس معلنًا نهاية الحصة الأولى\. بدأ التلاميذ يسلمون أوراقهم، كلٌ بابتسامة أو تعبير مختلف، بينما كانت كلاريسا تغوص في كتابة السطر الأخير\. أملت أناملها على الورقة، ثم رفعت رأسها ببطء، وراحت تقدم الورقة إلى الآنسة غابرييل\. نظرت المعلمة إلى كلاريسا بابتسامة دافئة وقالت: "ماذا كتبت لي يا صغيرتي؟" تنهدت كلاريسا بخفة، وارتجفت كلماتها حين ردت بصوت خافت: "أَسطُر مُتعبَة\."

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أَسطُر مُتعَبة

المؤلف Loly rose
2025/07/18 مستمرة
قائمة الفصول (6)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة