الفجوات التي لا نَراها… هي التي نَسقُط فيها بَقيَت واقفةً بجانب الطّاولة، تَحدِّق في مَكان الورقة الممزّقة، كأنّها تُحاول أن تُقنع نفسَها بأنّ الأمر لم يحدُث\. لكنّ الفراغ لا يُكذّب، والشكّ لا يَهدأ\. وفي خضمِّ هذا الاضطراب، سَمعَت خُطى تقترب\. التَفتت فَوجدت صَديقها نِيثان يقف عند باب القاعة، يُحدِّق بها بعينين هادئتين\. "ها أنتِ هُنا\.\.\. كنتُ أعلم أنّك ستَختبئين بين الكتب\." لم تُجِب، فقط أومأت له برأسها، ثم خفَّت خطواتها نحوه\. مَسح وجهها بعينَيه، كأنّه يَقرأ الصّمت كما يقرأ كتابًا مألوفًا\. "تَبدين مرهَقة، ما رأيك أن نذهب إلى نفس المَكان؟ الحديقة الخلفيّة ما زالت هادئة كالسّابق\." تَردّدت لحظة، ثم قالت بصوتٍ خافت: "نعم\.\.\. أحتاج لشيءٍ يشبه السّكينة\." الطريق إلى الحديقة كان مبللًا ببقايا المطر، أوراق صفراء تتمايل، والعالم يبدو أبطأ قليلًا من المعتاد\. لم يتكلّما كثيرًا، لم يَكن الكلام ضروريًّا\. كان نيثان يُدرك أنّ بعض الأوقات لا تحتاج سوى وجودٍ لا يُثقل الروح\. جلسا على المقعد الخشبي، وتحت ظِلّ شجرة عتيقة، تنفّست كلاريسا بعمق\. للحظة، بدا أن قلبها يُخفف من ثقله، فقط لأنّ شخصًا ما جلس بجانبها دون أن يُطالبها بأي شيء\. "هل أنتِ بخير؟" \. هزّت رأسها بالإيجاب، ثم قالت وهي تتابع حركة ورقةٍ سقطت: "أحيانًا، أشعر أنني أُحاول لَملمة أشياء لا أعرف أصلها\." تَسلّل نسيمٌ خفيف بين أوراق الشجرة العتيقة، فارتفعت خصلةٌ من شعر كلاريسا وسقطت فوق عينيها\. أزاحتها بهدوء، ثم التفتت إلى نيثان\. "هل تعلم؟ أحيانًا أظنّ أنني أنتمي إلى هذا المكان أكثر من البشر\." ضحك نيثان بخفّة: "المكتبة؟ أم الشجرة؟ أم الكرسي الخشبي الذي بالكاد يتّسع لاثنين؟" أجابت وهي تبتسم: "الشجرة، على الأقلّ لا تُصدر أحكامًا\." أومأ بمبالغة دراميّة: "آه، أجل، على عكس سيدني التي تَحسب تنفُّسك تهديدًا عامًا\." ثم نظر إليها وقال متفحّصًا ملابسها: "بالمناسبة، هل سترتدين هذا المعطف الرّمادي إلى الأبد؟ لقد بدأ يأخذ شكل ظهركِ\." نظرت له بنصف عين، وقالت: "على الأقل لا أرتدي كنزات عليها طماطم ضاحكة مثلك في الحفل الأخير\." ضحك وضرب بقدمه على الأرض: "كانت حبّات كرز\! ثم إنّها كانت هديّة من خالتي\.\.\. الخالَات لا يُرفَض لهنّ طلب\." "بصراحة، أنا سعيد لأنّك خرجتِ من هناك\.\.\. بدا وجهكِ كأنّه خرج من فيلم رعب صامت\." رفعت حاجبًا: "شكرًا على المجاملة\." ضحك، ثم مدّ يده نحو غصن صغير وأسقطه بقدمه: "أنا فقط\.\.\. لا أحب رؤيتكِ وأنتِ تَغرقين في شيء لا أفهمه\. أعلم أنّك لا تخبرينني بكل شيء، لكن\.\.\. أعِدك، سأبقى هنا\." أرادت أن تَقول شيئًا، لكنّ الكلمات تراجعت إلى الوراء\. فقط اكتفت بقول: "أعلم\." سَكَتا للحظة، قبلَ أن يقول نيثان وهو يُفتّش في ذاكرته: "أوه، كدتُ أنسى… سمِعتُ أنَّ لدينا أستاذًا جديدًا في الأَدبِ الإِنكليزي\. صَغيرٌ في السِّن، أظنّه في الخامِسة والعشرين؟" رفَّت عيناها للحظة، وقالت بهدوء: "رأيتُه في المكتبة صباحًا\." سأل وهو يُعدّل من جلسته: "غَريب؟ وَسيم؟ مُتغطرس؟ أَم كلّ ما سَبق؟" ابتسمت، كأنّها تتجنّبُ التفاصيل: "لستُ خَبيرةً في تَصنيفاتِ الأُسْتاذة\." ثم أضافت، وهي تَنظر إلى جِذعِ الشَّجرة: "لكنَّه… لا يُشبه الآخرين\." "طالما لم يَرمِني بِكتاب، أظنُّني سأتعايش معه\." ضحكت كلاريسا بخفّة\. ثم ساد صمتٌ خفيف، لا يَضيقُ به أحد\. نَسمةٌ خافتةٌ حرّكَت الأغصانَ فوقَهما كأنّها تَهمسُ بجُملةٍ نَسيَ العالَم نُطقَها\. وبعد لحظات، قالت بصوتٍ خافت: "أظنُّ أنَّني\.\.\. لن أَحضُر حِصّةَ الفُنون اليوم\." نظر إليها نيثان باستغراب خفيف، ثم قال وهو يُميل رأسه قليلًا: "لماذا؟ هذه أوّلُ مرّة تَتهرّبين من الألوان\." شدَّت كمَّ قميصها قليلاً وقالت: "لا أريدُ رؤيةَ أحد، ولا أن يَراني أحد\." ثم تابعت بصوتٍ منخفض: "اليوم، أَشعُر أنّ كلَّ العُيونِ تَقرأني\.\.\. ولا أُجيدُ إخفاءَ الورق\." سَكَتَ للحظة، ثم قال وهو يُقرب جلسته منها: "لكنَّكِ لا تَحتاجين إلى الاختباء\.\.\." نَظرت إليه، بعينٍ منهكة، لكنه أكمل بإصرارٍ ناعم: "كلاريسا\.\.\. أنتِ لا تُدرِكين هذا، لكن حين تجلسين في الفصل، نصفنا يَستمدّ هدوءه منك\." ثم ضحك بخفّة، وأَضاف: "كما أنني أَعتمدُ عليكِ لتَغطيةِ فَشلي في رَسمِ النَّوافذ\." رَسمت شَفَتاها ظِلّ ابتِسامة، لكنها قالت: "أنا لا أُجيد الرّسم\.\.\. فقط أُمزجُ الألوانَ لأصنع شيئًا لا يُشبهني\." قال وهو يَنهض واقفًا: "إذًا، ارسميني اليوم، ولتجعليه شيئًا يُشبهك\." نَظرت إليه لحظة، ثم تَنهدت وقالت وهي تَنهض ببطء: "لكن لا تتوقّع أن أُظلّلك بدِقّة، أنا سيّئةٌ في التظليل\." قال ضاحكًا: "ممتاز، سأبدُو أكثرَ وَسامة بهذِه الطّريقة\." ثم سار أمامها قليلًا، وأشار لها: "هيّا، قبلَ أن أبدأ بالبكاء وأَكتُب شعرًا عن غيابك\." مَشت خلفه بخطًى مُتردّدة، لكن أقلَّ ثقلاً من قبل\.\.\. دَفعت كلاريسا بابَ صفّ الفنون بخفّة بينما أتى نيثان من خلفها\.\. جالَ بصرُها حولَ الفصل، فوقعت عيناها على تلك الفتاة ذاتِ الشعرِ الأشقر المرفوع بعناية، والمكياجِ الذي يَشبهُ قناعًا شفافًا من الكبرياءِ أكثر من كونه زينةً\. لُورين\.\. لم تكن تُحدّق\. لم تكن تتحدّث، ولم تُرمِقها بنظرةٍ ساخرة\. كانت فقط تَنظر إلى الأمام بصَمت إلى نيثان، كأنّها تُخفي شيئًا ثقيلًا تحتَ طبقاتِ تكلّفها\. جلَسَت كِلاريْسا إلى جانِب نِيثان، مازالت تُمسِك بحَقيبتِها وكأنّها لم تقرر بعدُ إن كانت تنتمي لهذا المكان\. أخرجَ دفتَرَه، وراح يُقلب فيه بلا هدف، ثم مالَ نحوها وهمس بتذمر "كلاري هل أعتمد عليكِ إذا أعطانا واجب رسم؟كما تعلمين صديقك البائس سيئ جدا في الرسم" "حسنا حسنا فقط إنهض من كتفي رأسك ثقيل كأنه يحمل صخورا بداخله" ثم… انفتح باب الصف بهدوء\. دلف رجلٌ تجاوز الأربعين بقليل، هندامه بسيط أنيق، ووجهه يحمل قسماتٍ دافئة رغم التعب في عينيه\. وقف للحظات عند الباب، كأنّه يقرأ صمت الصفّ، ثم قال بنبرة عميقة لا تخلو من لطف: "صباح الخير جميعًا\." بعض الطلّاب ردوا التحية، آخرون اكتفوا برفع رؤوسهم\. أكمل وهو يتقدّم بخطوات هادئة نحو منتصف القاعة: "أتمنّى أن تكونوا قد جئتم بقلبكم لا بأجسادكم فقط\.\.\. لأنّ الفنّ لا يحبّ الحاضرين الغائبين\." ثم أشار بيده إلى اللوحة التي عدَّلها على الحامل، وقال بابتسامة خفيفة: "اليوم\.\.\. لن نرسم\. بل سننظر\." كانت لوحة امرأة مع مرآة لتيتيان\.\.\. تُظهِر لوحة تيتيان امرأة تقفُ أمام طاولة نيّة، شعرها الذهبي المموّج يتدلّى على كتفها الأيسر، ويديها تمسكان بزجاجة عطر وزجاج مرآة توقٌ صامت لذاتٍ تختبر انعكاسها\. وراءَها يقف رجلٌ يمسك مرآتين: الأولى لتُريها وجهها من الأمام، والثانية تعكس ظهرها، فتُبيّن مكان شُعاع ضوء النافذة على جسدها \. ألوان اللوحة تنبض بالحياة الأبيض الشفاف للبشرة، الأسود الثري للقماش، والبنيات الحادّة في الخلفية\. التكوين متجانس بهدوء النهضة\.\.\. "أنظُروا جيدًا\.\.\. هذه اللّوحة اسمُها مرأة أمام المرآة للرسّام الفينيسي تيتيان\. رُسِمَت قبلَ أكثرِ من أربَعمائةِ عام\." صمتَ لحظةً، كأنَّه يمنحُ العيونَ فرصةً للفَهم\. "ماذا ترَون؟ لا تُعطوني جوابًا جاهزًا\.\.\. فقط، قولوا ما شعرتُم به لحظة النظر\." بقي الصفُّ هادئًا، وكأنَّ اللوحة جمّدت الأفواه\. رفع حاجبَه قليلًا، ثم قال: "لورين؟ رأيكِ؟" تفاجأ بعضهم من اختياره لها، لكنها لم ترتبك\. اعتدلت في جلستها، حدّقت باللوحة قليلًا، ثم قالت بصوتٍ منخفض لكن واضح: "المرأة لا تنظر إلى المرآة\.\.\. هي تتفحّص نفسها، كأنها تُراجع ماضيًا مضى\." سكتت لحظة، ثم أضافت: "ويبدو أن ما تراه\.\.\. لا يُعجبها، لكنها لا تستطيع أن تبتعد عن الانعكاس\." صمتٌ لَفّ الصف\. تبادل البعض النظرات، حتى كلاريسا نفسها التفتت نحو لورين، للحظةٍ بدت مختلفة\. ليست تلك التي تلقي الكلمات لتؤذي، بل فتاةٌ تَنظر داخل شيءٍ ما… قد يكون قلبها\. ابتسم الأستاذ بخفّة، وعلّق: "جميل، لورين\.\.\. هذا تمامًا ما يفعله الفنّ، لا يقول الحقيقة، بل يُوقظها\." ثم التفت إلى اللوحة من جديد، وصوته يُخفّض نبرته: "هل فكّرتُم يومًا أن المرآة ليست إلا شاهدًا صامتًا؟ أنها ترى كل شيء، لكنها لا تحكم؟ مثل اللوحات، مثل الفن، مثل… من نَحبّهم أحيانًا\." وعاد بنظره إليهم ليجدَ علامات الإستفنام تتراقص فوق رؤوسهم وكأنه لا يفقهون شيئا من الذي يقول إبتسم بلطف وجال بنظره إلى الطلاب\.\. "كِلاريـسَا\.\.\.؟" رفعت عينيها بِبُطء، كأنّ العالَم توقَّف للحظةٍ لا تنتمي للزمن\. أكمَلَ الأُستاذُ بنَبرةٍ دافئةٍ: "لَو عُرِضَت علَيكِ مِرآة\.\.\. تُظهِرُ ما فيكِ، لا ما أنتِ عليه، هل ستَنظُرين؟" سادَ صمتٌ خفيف، كأنَّه يُمهِّد لأجوبةٍ لا تُقال بالكلام\. ثم أضافَ بخُفوتٍ مُتعمَّد: "أو\.\.\. لنُخفّف السّؤال\. ما رأيُكِ أن تُعبّري عن ذلك، بالفرشاة؟ليس اليوم\.\.\. لكن، لاحقًا\. دَعينا نقول متى شَعرتِ أنّكِ مستعدّة؟" ظلَّت كِلاريـسَا تنظر إليه، للحظةٍ، دون أن تومئ أو تُجيب\. عينَاها كانَتا كمرآتين عَكستا سؤالًا آخر: هل كنتَ تسألني… أم تُراني؟ ثمّ رفّت رمشَيْها، وأخفضت رأسَها قليلًا، كأنّها تُخفي وَجهَها لا حياءً… بل احترازًا من أن تَظهر هشاشَتُها\. أخرجت قلمَها ودوَّنت شيئًا على هامش دفتَرها، عبارة قصيرة، لا يراها أحد: “أحيانًا لا نَحتاج أن نرسم شيئًا… بل فقط أن نَعرف أنه يُمكننا ذلك إن أردنا\." رنّ الجرس، نغمتُه المعهودة انسلّت بين الرؤوس كمنبّهٍ لليقظة\. أغلق الأستاذ دفتره، ونظر نحو الطلّاب: "في المرّة القادمة\.\.\. أريد من كلٍّ منكم أن يأتي بصورة، أيّ صورة تُشبهه\. لا يهمّ إن كانت جميلة أو لا\.\.\. فقط، أن تُشبهكم\." ثمّ أشار بخفّة إلى اللوحة مجددًا، وقال: "الفنّ ليس أن نرسم شيئًا خارقًا… بل أن نمنح جزءًا من أنفسنا للورق\. إلى اللقاء، طلابي\." بدأ الطلاب يجمعون أدواتهم ببطء، بعضهم يتحدّث، بعضهم يصمت\. كِلاريـسَا رفعت نظرها إليه للحظة، كأنّها تحفظ ملامحه في ذاكرتها\. ثم قامت، وانضمت إلى نِيثان، الذي كان يلوّح بيده بطريقةٍ مبالغٍ فيها وهو يقول: "أنا أعرف الصورة التي سأجلبها\! تلك التي أبدو فيها كأني فنان يائس… لكن وسيم\." ضحكت كِلاريـسَا بخفّة، وهزّت رأسها: "أتقصد الصورة التي تشبه وجهك بعد الاستيقاظ؟" ضحك كلاهما، وصوتُ ضحكهما اختلط بأقدام الخارجين، لكن شيئًا في عينيها لم يكن ضاحكًا تمامًا… كأنّ اللوحة، والسؤال، والورقة الممزقة… كلّها ما تزال تنبض خلف صدرها\. تأخّرت قليلًا عند الباب، وألقت نظرة أخيرة نحو لورين\. كانت تُحدّق في مقعدها بصمت، بينما صديقتاها سِيدنِي ودافنِي تثرثران بجانبها، بلا انتباه\. ولوهلةٍ، فكّرت كِلاريـسَا ليس كل من يُثير الضجّة في الخارج، صاخبٌ من الداخل\. ثم خرجت من القاعة، وفي يدها الدفتر وعلى الغلاف، كانت أصابعها تضغط بخفّة… وكأنها تُطمئن شيئًا ما لا يُرى\. كانت كِلاريـسَا قد غادرت مبنى الكلية، دون أن تَنتبه للطريق\. لم تَمشِ بسرعة، ولم تَكن بطيئة، فقط… تُحرّكها الرغبة في أن تكون وحدها\. مرّت بجانب سياج المدرسة القديمة، وبقالةٍ صغيرة تتدلّى عند بابها الجرسات، ثم عبرت الزقاق الضيّق المؤدي إلى الميدان الحجري\. كانت السماء بلون رماديّ باهت، كأنها على وشك البكاء، لكنها تَتماسك نفسها مثلما تفعل كِلاريـسَا دائمًا\. لم تَنتبه إلى المكان الذي وصلت إليه… حتى وقعت عيناها على تلك البوابة الحديدية السوداء، المفتوحة قليلًا، والتي تعرفها جيّدًا\. المَقبرة\.\. وقفت أمامها لثوانٍ، كأنّ شيئًا ما يسحبها برفق، دون أمرٍ أو إلحاح\. ثُم دَلفَت\. كل شيء كان هادئًا جدًا… لدرجة أن أنفاسها بدت مسموعة بين القبور\. وبين صفٍّ من الأحجار المنحنية رأت الجسد المألوف\. امرأة مسنّة، تنحني بهدوء وهي تَسكب الماء على باقة وردٍ صغيرة وتُعدّل الغصن الذي مَال\.\.\.كحَالها حِين غادَرها أَبِيها كانت جدّتها\. تَرتدي معطفًا بلون التراب،وفي يديها علامات تعبٍ قديم\. تقدّمت كِلاريـسَا ببطء، دون أن تُحدث صوتًا\. ثم همست: "جَدَّتي…؟" التَفتت المَرأة ابتسمت ابتسامة هادئة، ورفعت يدها عن الإبريق الحديدي\. "كنتُ أفكر فيه للتوّ، وقلت في نفسي: ستأتي\." لم ترد كِلاريـسَا\. جلست بجانبها على العشب الرطب، وأخذت تمسح بأصابعها بعض الأتربة عن الرخامة\. كان الاسم محفورًا هناك… إدوارد ميلروز رَحلَ في ربيعٍ لم يكتمل\. أحسّت كِلاريـسَا بوخزة في صدرها، لكنها لم تَتكلم\. الجدة مَاربِل بصوتٍ أقرب إلى الهمس: "كان يُحبّ الربيع… حتى بعد أن اشتدّ عليه المرض، كان يَخرج كل صباحٍ إلى الحديقة، يروي الزهر بنفسه\." رفّت رموش كِلاريـسَا ببطء، وأغمضت عينيها\. وها هي الذكرى تعود… Flash back\.\. كان الوقت صباحًا، وكانت هي ذات العشر سنوات، تجلس على الأرض، بينما والدها يزرع زهرة بنفسج\. قال لها وهو يَضغط على التربة بأصابعه: "الزهور لا تحتاج أن تكون جميلة كي تُحب… يكفي أنها تنبت رغم ما في الأرض من حزن\." ضحكت هي، وقالت: "لكن أبي هذه لا لون لها\!" "ربما… لكنها ستأخذ لونها منكِ، إن اقتربتِ منها بلطف\." ثم مدّ يده، ونفخ التراب عن كفّها الصغير\. بَقِيا هُناك، يُحدِّقانِ في الزَّهرةِ الصّامتة، كأنَّهما يَنتظرانِ مِنها أنْ تَنمو على مَهلٍ… أو أنْ تُجيبَ عن شَيءٍ لم يُسأل\. ثمَّ تنفّس والدها بعُمق، وقال وهو يَنفض يديه من التُّراب: "هيا يا زَهرتي الصَّغيرة… لِنَتناوَل غداءَنا، ثمّ نُنجِز واجِباتِك، اتّفقنا؟" عقدت حاجبيها، ثم مالت برأسها جانبًا، وقالت: "لكنّكَ وعدتَني أنْ تُعلّمني رُكوبَ الدَّراجةِ اليوم\!" ارتفعَ صدى ضحكاته، صافيةً، عَذبةً: "يَبدو أنَّ ابنتي تُخطط للهُروبِ من الدّراسة بحِجج ذَكيّة\!" هزّت رأسها بمرح، وهمست: "لَستُ أتهرّب يا أبي لكنها حقا مملة \." ضحكَ مجددًا، ثم نهض وهو يَمسك بيدها الصغيرة، وقال: "إذن، بعد الغداء… دروسٌ، ثم درّاجة\. اتفقنا يا طبيبة المستقبل؟" ابتسمَت، وركضَت بجانبه، وهي تلوّح بيديها في الهواء كأنّها تقود المقود الخفيّ لطفولتها\. أَبِي\.\. علّمتني كيف أُمسك المقود في أول دروس ركوب الدراجة\. دفعتني برفق، وتركتني أمضي وحدي، لكنّك كنت تركض خلفي دون أن أرى\. كنتَ تمسك المقود من الخلف أحيانًا، وتتركني أحيانًا أخرى، وتضحك إن التفتُّ لأتأكد أنك ما زلت هناك\. كنتَ تجلس بجانبي حين أحلّ واجبات الرياضيات، تصحّح لي الأرقام، وتربت على كتفي حين أغضب لأن المسألة أطول من صبري\. كنتَ تعرف متى أحتاج إلى صمت، ومتى أحتاج إلى حضن\. لكنك لم تعلّمني شيئًا واحدًا فقط، أبي\.\.\. لم تعلّمني كيف أسلك طريقي بدونك\. لم تعلّمني كيف أعود إلى البيت وأنتَ لست على المقعد الخشبي، لا تبتسم، ولا تسألني: "كيف كان يومكِ، صغيرتي؟" لم تعلّمني كيف أُطفئ ضوء غرفتي دون أن تمرّ لتقول: "نامي جيدًا، غدًا نزرع زهرة جديدة\." لم تعلّمني كيف أُجيد الابتسام حين يهمس أحدهم: "هو في مكانٍ أفضل الآن\." وأنا… لا أعرف أي مكان أفضل من وجودك بجانبي\. تركتني أعرف العالم، لكن العالم بدونك ناقص\. وكل الطرق التي مشيناها معًا\.\.\. أضحت الآن بلا خُطى، بلا ضوء، بلا جهة End of the flash back كانت الجدة ماربل تُنظّم الزهور بصمت\. قالت بعد لحظة: "قال لي ذات مرّة: كلاريسا ستكبر سريعًا، لكنها ستظل تبحث عن ظلّي في كل ركن\." شعرت كِلاريـسَا بشيء يُغرق صدرها، لكنّها فقط ضغطت شفتها السفلى بصمت\. رفعت الجدة رأسها، ونظرت إليها نظرة طويلة: "الحزنُ يا صغيرتي… لا ينتهي، لكنه يتعلّم كيف يَصمت\." ثم مدت يدها، وأخذت كفّ كِلاريـسَا، وضغطت عليها بلطف كان الطّريقُ عائدًا مُبتلًا بشمسٍ باهِتة، لا تُدفِئ ولا تُؤذي\. تسير كِلاريـسَا بخُطى بطيئةٍ بجوار جَدَّتِها، دون أن تَشعر بالحاجة إلى الكلمات\. كأنّ الصمتَ نفسُه قد أصبح لغةً تُفهَم بينهما\. في يدِ الجدة كيسٌ صغير من السّوق، وفي يدِ كِلاريـسَا دفترُها، تضغط عليه وكأنّها تُطَمئِن خَوفًا قديمًا لم يَعدْ له ملامح\. نبست الجدة مَاربِل بعد بضع خُطى، بنبرة دافئة فيها نَفَس من الحنين: "كان والدكِ يقول دائمًا إن الحزن يشبه الأحذية الجديدة\.\.\. لا تُؤلم إلا في الأيام الأولى\." ضحكت كِلاريـسَا، ضحكة قصيرة، لكنها خرجت من قلبها فعلًا\. ثم قالت بشبه ابتسامة: "والدي كان يحب قول أشياء غريبة تشبهه\." أجابت الجدة بنظرة جانبية: "لكنكِ تُشبهينه حين تصمُتين، وحين تَحدّقين في الأشياء كأنها ستنطق\." صمتت كِلاريـسَا\. كانت تُريد أن تقول شيئًا… شيئًا كثيرًا\. لكنها لم تكن تعرف كيف تبدأ\. أكملت الجدة، وهي تُدير نظرتها نحو الأشجار: "أتعلمين يا كلاريسا؟ كلما كبر الإنسان، لا يحتاج إلى أجوبة\.\.\. فقط إلى يدٍ تمشي بجواره، حتى لو كانت صامتة\." توقّفت كِلاريـسَا لحظة، ثم نظرت إلى جدّتها\. كان في عينيها شيء يشبه الامتنان، لكنها لم تنطق\. فقط… ابتسمت\. ثم قالت بصوتٍ خافت: "هل أستطيع أن أعدّ الشاي هذه الليلة؟ مثلما كان يفعل أبي… لكن بدون أن أحرق الغلاية هذه المرة\." ضحكت الجدة، وقالت وهي تهزّ رأسها: "إن لم تحرقي شيئًا، لن يكون الشاي شايَ كلاريسا\." حينَ اقتربتا من باب البيت العتيق، توقّفت كِلاريـسَا، وحدّقت في المقعد الخشبي بجانب المدخل… ذلك المقعد الّذي كان والدها يجلس عليه صباحًا، يقرأ الجرائد بصمتٍ، ويرتشف الشاي وكأنّه يُصلِّي\. تنفّست بعمق، ثم التفتت نحو جدّتها، وهمست: "جَدّتي… أتّصلِي بأمّي؟ أخبريها فقط أنني… سأبقى هنا الليلة\." رفعت العجوز حاجبًا من دَهشةٍ خفيفة، ثم ابتسمت: "أشعرُ أن البيت سيعودُ حيًّا الليلة\." أجابت كِلاريـسَا، وهي تُمسِك بمقبض الباب: "وأنا\.\.\. أشعر أنني اشتقت لكِ كثيرا\." "هل إشتقتِ لي أم لكعك الزنجبيل الذي أعده كل صباح؟" إبتسمت كلاريسا بلطف وهي تدلف للمنزل وتشتم رائحة النعناع الذي تقوم الجدة بزرعة وتضعه في كل نوافذ البيت "إشتقتُ لكِ ولرائحة النعناع ولكعك الزنجبيل ولكل تفاصيلكِ اللطيفة ياجدتي" \. \. \. \. \. \. \. \. \. \. \. \. \. \. \. \. \. \. \. \. \. \. \. \. \. \. \. \. \. \. كانَ الليلُ قد أَسدَلَ سُتورَهُ ببطءٍ، كأنَّه لا يُريدُ أن يُفسِد على البيتِ دفءَ عَودَةٍ طالَت\. ضوءُ المطبخِ الوحيدِ كانَ يُضيءُ ببُرهةٍ خافتة، يمتدُّ كظلٍّ ناعمٍ فوقَ أرضيةٍ خشبيّة تُحدِثُ صريرًا خفيفًا تحتَ خطى الجدة\. "كِلاريـسَا، أيمكنكِ أن تُناوِليني قِطَعَ الجَزر؟" سَألتها الجدة وهي تُحرّك المِلعقة داخلَ القِدرِ برفقٍ\. أجابتها وهي تمدُّ يدَها إلى السلّة الخشبيّة: "ها هي، هل أقطّعها كما في السابق؟" "تمامًا\.\.\. مربّعاتٍ صغيرة يابنيتي\." ابتسمت كِلاريـسَا، وأمسكَت السكين\. أصواتُ التقطيع كانت تُشبه نَقر المطرِ على نافذةٍ قديمة… شيءٌ مألوفٌ، يُشعرُك بالأمان\. "مِنذُ مَتى لم تَقشّري البَصل؟" سألتها الجدة، وهي تُمسكُ سِكّينًا قديمًا برأسٍ مَائل\. أجابت كِلاريـسَا، وهي تَضحك "منذُ أن اكتشفتُ أنه يَجعلني أبدو كمن عَاد لتوّه من جنازة\!" تعالت أصوات ضحكاتهما\.\.الرائحة المنبعثة من القِدر كانت خليطًا من البصلِ المشوّح، والمطيبات التي تحفظُها الجدةُ في علبةٍ صغيرةٍ، كتذكارٍ من الزمن القديم\. انتهيا من تجهيز العشاء، وجلسا سويًا على المائدة الخشبيّة الصغيرة قربَ النافذة\. وضعت الجدةُ قطعةَ خبزٍ محمّصة بجانبِ طبقِ كِلاريـسَا وقالت: "تناولي هذه، خَبَزتُها هذا الصباح خصيصًا\." "أعرف… رائحتها سبقتكِ إلى الباب\." قالتها ضاحكةً، ثم أضافت بهدوء: "كلُّ شيءٍ هنا… يهدّئني يا جدتي\." "لأنكِ لم تتغيّري، فقط ضِعتِ قليلًا في أماكن لا تُشبهكِ\." أومأت كِلاريـسَا بصمتٍ، كأنّ الكلام نبتَ من داخلها ولم يُقَل حين انتهتا من العشاء، سَحبت الجدةُ سَلّةً قماشيّة من جانب الأريكة، وأخرجت منها خيوطَ صوفٍ زرقاء، وبدأت في نسج كنزةٍ جديدة\. جلست كِلاريـسَا بقربها على السجادة، مدّت ساقيها أمام المدفأة الخافتة، ووضعت يدها تحت ذقنها\. "وردٌ أبيض… على الخلفية الزرقاء ما رأيُك؟" "تمامًا كما كان أبي يحبّ\." لم تردّ الجدة ماربل، فقط اكتفتْ بنظرةٍ قصيرة إلى الفتاة… ثم عادت لأناملها\. بعد دقائق، قامت كِلاريـسَا من مكانها وقالت بصوتٍ خافت "سأُعدّ الشاي، ابقي هنا\." في المطبخ، كانت حركاتها بطيئة، تملؤها طقوسُ الحنين\. غلّاية الماء، أوراقُ النعناع المجفّفة، الكؤوسُ البيضاء التي يُحاط فوهتُها بخطٍ ذهبيّ\. حينَ عادت تحملُ الصينية، ابتسمت الجدة وهي تقول : "دون أن تحرقي الغلّاية؟" "هذه المرّة… راقبتُها مثل مراقبة المعلمين في اختبار الرّياضيات\." ضحكت وهي تضع الفناجين أمامها\. جلسَتا معًا بصمتٍ، تشربان الشاي وتستمعان لصوت الخيوط وهي تُشكّل شيئًا\. كانت الجدة تغزل الحياة ببطء\. "أتعلمين؟ هذه الكنزة ليست لي\." رفعت كِلاريـسَا حاجبًا: "لمن إذن؟" "لطفلةٍ في الحي، رأيتها تبكي لأنها لا تملك شيئًا دافئًا ترتديه\." "وأنا أظنُّ أنكِ لا تزالين تفاجئينني\." "الحياةُ يا صغيرتي… لا تُقاس بما نأخذه، بل بما نُهديه دون أن يُطلَب منّا\." أحسّت كِلاريـسَا بشيءٍ ينبت داخلها… لم يكن حزنًا ولا فرحًا، بل شيءٌ بينهما، شيءٌ يُقال له: دفء\. عند السّاعة العاشرة، أخرجت الجدة عُلبة الأدوية، وأخذت حبّتها بصمت، ثم قالت وهي تنهض: "سأنام الآن عزيزتي فالسهر ينهك جسدي وأنتِ كذلك لا تسهري على الكتب " "سأبقى قليلاً… فقط القليل، أعدكِ\." قبّلتها الجدة على جبينها، وقالت: "تصبّحي على خير، يا ظلّ والدكِ الجميل\." وانسحبت إلى الغرفة، تاركة وراءها رائحةَ الخزامى المعلّقة على الباب\. جلست كِلاريـسَا في الغرفة، وأشعلت المصباح الأصفر الصغير، ثم أخرجت دفتر الملاحظات من الحقيبة\. قلبت الصفحات ببطء، صوت الورق بدا كهمساتٍ قديمة\. وحينَ وصلت إلى الصفحة الممزقة\.\. توقفتْ\. نظرت إلى الفراغ، ثم مرّرت إصبعها عليه، كأنها تبحث عن الحقيقة بين المساحات البيضاء\. الدفتر لم يعد مجرّد ملاحظات\.\.\.بالنسبة لها هو الجُحر الذي تختبئ فيه من ضوضاء هذا العالم فتحت الصفحة التالية… وبدأت تقرأ\.