« سَأكُون المَطر لعطشِها إن كَانت هِي الأَرض التِي لا تَنبُت\.\.» رنّ جرس الحصة كمن يوقظ منامًا لا يريد أحد فيه أن يصحو\. وانفرجت أبواب الصفوف ليتدفق منها الطلاب\. في الصف الثاني ، جمعت كلاريسا كتبها ببطء\. الورق كان يحمل حرارة كفها، لكنها لم تكن تفكر في الدرس، ولا حتى في الأستاذ الجديد\. وراءها، كانت همسات تتكاثر كالعشب البري: "هل لاحظتن كيف ينطق الحروف؟ كأنه يُلقي تعويذة\." "وتلك النظرة حين قال : لا تجعل أحكام الآخرين مراياك المشوّهة، فأنت أدرى بنقاء صورتك" "أعتقد أن وسامته تهدد تركيزي\." ضحكة خافتة\. ثم صوت أقرب للهمس: "أخبرتني تارا أنه غير متزوج\.\.وأنه في منتصف العشرينات\." أدارت كلاريسا رأسها قليلًا، بعينين لا تشاركان الفضول ذاته\. نظرت إليهن كما ينظر المرء إلى زهرة بلا رائحة، ثم زفرت همسًا دون أن تلتفت كليًا: "تافهات\.\.\." في الممر، كان كل شيء يبدو طبيعيًا، على الأقل في ظاهره\. أحذية تمسح الأرض، حقائب تضرب بعضها بلا قصد، وجوه تحاول أن تتذكر هل تركت كتابًا خلفها أم لا\. ثم\.\.\. صوت غريب\. كان أول ما وصل إلى أذن كلاريسا هو ارتجاج نبرة غاضبة، لم تكن مرتفعة بل مُكدسة بالحطب، تنتظر الشرارة "إيّاك أن تعيدها\. فهمت؟" ثم صوت ارتطام\. أعقبه صوت آخر\.\.\. أسرع، وأشد، كأن شيئًا سقط أو ضُرب بالجدار\. في لحظة واحدة، تَحَوّل الممر إلى مسرح\. الطلاب يتزاحمون، بعضهم يركض، وبعضهم يمد أعناقًا فقط\. وكلاريسا، التي لا تركض عادة نحو الفوضى، تقدّمت ببطء، يدها تُطبِق على حزام حقيبتها كأنها تستعد لما لا يُقال عند منعطف الطابق الثالث، وسط دائرة من الصراخ والفوضى، رأت المشهد\. نيثان\. وجهه مشدود، فكاه متوتران، وعيناه متقدتان بسواد لا يشبه غضب المراهقين\. أمسك بتلابيب طالب آخر، وكانا يتبادلان الضربات، لكن الفرق بينهما واضح\.\.\. نيثان لا يضرب فقط، بل يفرغ شيئًا أكبر\. لم يكن القتال جسديًا فقط، بل كأن فيه ثأرًا قديمًا\. عروق يده كانت مشدودة كمن يمسك بسكين خفي، والطالب الآخر يصرخ، يدفع، لكنه لا يعرف ما الذنب\. صوت أحد المعلمين اخترق الجلبة: "نيثان\! توقف\! الآن\!" توقف نيثان، ولكن جسده ظل يتنفس الغضب\. شعره سقط على جبينه، وأنفاسه حادة\. نظر إلى المعلم، ثم إلى الطالب الذي كان بين يديه، ثم\.\.\. كما لو أن البوصلة تحركت دون أن يُمسّها أحد، نظر إلى كلاريسا\. لحظة واحدة\. عيناه التقتا عينيها\. شيء ما انكسر فيه، أو كاد\. أُخذ نيثان والطرف الآخر إلى مكتب الإدارة، فيما عاد الجميع يتحدث عن الحدث\. "قال له إياك تكررها\.\.\. يعني ماذا؟" "ربما شيء حصل في الحصة؟ أو في الاستراحة؟" "سمعته يقول: أنت السبب\.\.\. لكن في ماذا؟" لكن حين سُئل كلٌ منهما عن السبب، أجابا بإجابات لا تجيب\. "لا شيء\. مجرد سوء فهم\." "خطأ بسيط\. لن يتكرر\." لكن الغضب الذي كان في عين نيثان\.\.\. لم يكن من سوء فهم\. تجولت خطواتها على العشب المتناثر، تبحث بعينيها عن ظلٍ مألوف، عن ذلك الهدوء الصاخب الذي يسكنه نيثان دائمًا حين يتألم\. كان الوقت بعد نهاية الدوام، وغالبية الطلّاب قد غادروا، إلا هي\.\.\. تحمل في عينيها قلقًا لا تعرف مصدره، سوى ذلك الشجار العنيف الذي ما زالت صورته تنغرز في ذهنها كالشوك\. رأته أخيرًا\. جالسًا وحده تحت شجرة جرداء في طرف الساحة الخلفية وظهره مسنود إلى الجذع، وساقاه ممدودتان، ويداه في حضنه وعيناه\.\.\. تحدّقان في نقطةٍ لا تُرى، كأنّ العالم ذاب حوله واختزل إلى تلك المساحة الصامتة\. اقتربت منه بخفّة، وجلست بقربه دون أن تقول شيئًا في البداية، فقط نظرت إليه، ثم همست: "نيثان\.\.\." لم يلتفت\. لم ينبس بكلمة\. ظلّ كما هو، كأنّه لم يسمعها\. تأملت وجهه المرهق، وعينيه اللتين لا تزالان متعلّقتين بذلك المكان البعيد\. شعرت بأنّ خلف هذا الصمت صرخة مكتومة، لم تجد طريقها للخروج\. أعادت النداء بلطف أكثر: "نيثان\.\.\. أنا لا أطلب منك أن تشرح لي، لكنك على الأقل، لست وحدك\.\.\. لا تكن كذلك\." زمّ شفتيه، تحرّكت أصابعه قليلاً، ثم ارتجف صوته: "لا شيء يستحق\." "لكن\.\.\." قاطعها بهدوء متهالك: "قلت لك\.\.\. لا شيء\." ثم صمت\. ولكن الصمت لم يدم طويلًا\. أطلق نيثان زفرة طويلة، وخفض بصره إلى الأرض\. قال بصوت متهدّج: "قال\.\.\. قال إن أختي ضحية\. ضحية للمغتصب\." ارتجّت أنفاس كلاريسا\. أرادت أن تقول شيئًا\.\.\. أن تواسيه، أن تصرخ معه، لكنها فقط وضعت يدها بهدوء على يده، ولم تنطق بكلمة\. أطبق أصابعه على العشب اليابس، وكأنّه يبحث عن شيءٍ يتمسك به كي لا يسقط من داخله\. ثم نطق، بصوت غليظ، مبحوح: "كنت أظن أنني حاميها\." ابتلعت كلاريسا دمعتها، ونظر إليها سريعًا، بعينين تحترقان\. "كنت دائمًا أقول لنفسي… لا بأس، مادمت أنا موجود، فلن يمسها سوء\. كنت مغرورًا بما يكفي لأصدق ذلك\." ابتسم بمرارة، ضحكة صغيرة خرجت من صدره كطعنة: "لكنني لم أفعل شيئًا\.\.\. كنت في غرفتي، على بُعد خطوات منها، وهي… كانت تصرخ\." أسند رأسه إلى الشجرة، وأغمض عينيه، فاهتز صوته: "أتعلمين ما هو أسوأ من أن يُؤذى من تحب؟ أن يحدث ذلك بينما أنت موجود\.\.\. بينما يمكنك أن تنقذه، لكنك لم تفعل\. لم تسمع، لم تلاحظ، لم تُنقذ\." وضع يده على وجهه، لكن صوته لم يختفِ: "قالت لي لاحقًا، بصوتها المرتعش، أنها ظنّتني سأدخل… أنها كانت تنتظرني… أنني بالتأكيد سأعرف\. لكنها انتظرتني ولم آتِ\." سَقطت دمعة\.\! وسقطت الثانية بعدها مباشرة\.\. "كان عليّ أن أكون صوتها حين صمتت\. أن أكون قوتها حين انهارت\. لكنها الآن خائفة من كل شيء حتى من ظلي\." نظر نحو كلاريسا، بعينين ممتلئتين بالذنب: "لا تغفري لي\. لا أحد يجب أن يغفر لي\. حتى هي لا تفعل\. تنظر إليّ وكأنني\.\.\. كأنني خذلتها\. وكأنني كنت جزءًا من الجريمة\." مدّ يده بتوتر، كأنّه يحاول أن يمسك الهواء حوله، ثم قال هامسًا، منهارًا: "لو أنني فقط وصلت قبل دقيقة\.\.\. دقيقة واحدة فقط\." "هل تعلمين ما يؤلمني أكثر من كل شيء؟" سكت لحظة، ثم رفع عينيه نحو لا شيء، كأنه يرى ظلّها في الفراغ\. "أن الجميع نسي اسمها\." "اسم أختي… تلك الفتاة المشرقة التي كانت تتصدر لوائح التفوّق، تُنادى في الطابور المدرسي، يُصفّق لها الأساتذة… أصبحوا اليوم يهمسون عنها بلقبٍ قذر\." شدّ على قبضته، وابتلع غصّة: "لم تعد ميرا، لم تعد ‘الأولى في الرياضيات’… أصبحت الضحية رقم واحد في قائمة المغتصب\." ضحك بسخرية محطّمة: "تخيّلي… اسمها كُتب في أول القائمة، لكن ليست قائمة الشرف هذه المرة، بل قائمة الجحيم\. والناس؟ أصبحوا يتهامسون، يعبُرون من أمامها وكأنها وصمة… لا أحد يرى ما بداخلها، لا أحد يهمه أنها لا تزال تنزف من الداخل\." نظر إلى كلاريسا، شاحب الوجه، وصوته كسر الهُدوء: "ميرا كانت تحلم تكون طبيبة… واليوم تتعالج على يد طبيب نفسي، بالكاد تتحدث… بالكاد تعرف من تكون\." هزّ رأسه بألم: "لقد سرقوا منها كل شيء، كل شيء… حتى اسمها كيف أسمي نفسي أخًا… وأنا لم أكن هناك؟ كيف أرفع رأسي بين الناس، وأختي الوحيدة كانت تُسحب إلى الجحيم… وأنا لم أشعر؟ لم أحسّ حتى بارتجافة روحها؟ كنت منشغلًا بحياتي، بدروسي، بمبارياتي التافهة… ولم أسمع صرخة واحدة منها\.أختي التي كانت تملأ البيت ضحكًا، أصبحت الآن صامتة، تنام وهي تبكي وتستيقظ وهي تائهة\. كل ما أفعله الآن هو مراقبتها… أراقب كيف تتآكل يومًا بعد يوم، وأنا لا أملك شيئًا لإنقاذها، لا أملك حتى شجاعة النظر في عينيها دون أن أموت ألف مرة\." ثم يهمس بصوت يكاد لا يُسمع: "إنها تموت ببطء يا كلاريسا… وأنا أموت معها\." ساد صمت ثقيل بعد كلماته، كأن الهواء حولهما تلبّد بالحزن\. كلاريسا لم تنبس ببنت شفة، فقط نظرت إليه… بعينين لا تحملان شفقة، بل شيئًا أعمق… اعترافًا بجراحه وراحت تجمع وجهه بين كفيها ثم همست "أتدري يا نيثان…؟الضعيف لا يشعر بالذنب، لا يبكي، لا ينهار… ما تفعله الآن، هذا الانكسار… هو أعظم دليل على أنك كنت أخًا بحق\. القسوة ليست أنك لم تكن هناك… القسوة هي أن تُنسى أختك، أن يُمحى اسمها، وتُختصر في جريمة\. لكنك تقاوم ذلك… بحزنك، بدموعك، بغضبك\." ثم مدت يدها ببطء، ووضعتها على كتفه المرتجف: "أنت لم تفشل… لأنك لم تتخلَّ عنها\. أنت هنا، تحمل وجعها كل يوم… كل لحظة، وما من حبّ أصدق من أن تحمل ألم من تحب، وتمشي به في قلبك، دون أن تشتكي\." صمتت للحظة، ثم أردفت: "لا تسمح لهم بأن يسرقوا اسمها، نيثان\. لتظل تذكره… وتعيده على كل لسان، لا كضحية، بل كإنسانة قوية قاومت أقذر ما يمكن أن يواجهه قلب فتاة\.كن صوتها… حين يسكت الجميع\." اقتربت منه أكثر، وأخفضت نبرتها، كأنها تُحادث وجعه لا أذنيه: "أن تبكي لأجل أختك\.\.\. لا يجعل منك ضعيفًا\. الذين يبكون من فرط الحب، هم من يصنعون الفرق… لا أولئك الذين يقفون على الحياد بين الألم والعدالة\. وأنا أعرف… أنك تحمل وزر العالم فوق صدرك، لكن يا نيثان… أليس الظلم أن يُلام القلب لأنه لم يكن سيفًا؟أنت أخ، ولست درعًا فولاذيًا،وليس عليك أن تُصلح ما كسرته الوحوش…يكفي أن تبقى، أن تمسك بيدها وهي تتعافى،أن تزرع اسمها في ذاكرة المدرسة،أن ترفض أن تكون مجرّد رقم… لأنك، وحدك، تعرفها كإنسانة، كأخت\." تنهّدت كلاريسا ببطء، وكأنها تلتقط وجعًا ظل معلقًا في الهواء، ثم أردفت بنبرة مشبعة بالدفء واليقين: "أنك لم ترَ نفسك كما أراك الآن\. أراك واقفًا في العاصفة، لا هاربًا منها… أراك تحمل صرخة أختك في قلبك، وتصونها، أراك أخًا… أقسم أنني لم أر مثله في حياتي\." ثم صمتت، وبدت وكأنها تقاتل دموعها كي لا تسكبها أمامه\. ومضت تقول، بصوت شبه مكسور: "وإن احتجت يومًا أن تبكي… فابكِ\. وإن شعرت بأنك تنهار… فأنا هنا\. ليس كل من يبقى بجانبك عليه أن يُصلحك… فقط… سيجلس قربك، ويصمت، ويحرس حزنك من الانهيار\." تنهد نيثان بصوت خافت، كأن الهواء ثقيل على صدره\. ثم نهض ببطء، نفض عن ثيابه شيئًا غير مرئي، كمن يحاول خلع حزن عالقٍ عليه منذ زمن\. همس دون أن يرفع عينيه إليها: "أريد البقاء بمفردي… قليلًا فقط\." وقبل أن تنتظر منه التفاتة وداع، مضى\. خطواته أثقل من أن تكون مجرد مشي… كان يسير وكأنه يحمل خلف ظهره ظلًا يئن\. وقفت كلاريسا مكانها، لم تتحرك\. ظلت عيناها معلقتين بفراغ المكان الذي غادره، وشيء في قلبها بدأ يتصدع بهدوء\. كل شيء كان ساكنًا حولها، وكل شيء كان يصرخ داخلها\. كيف يمكن لهذا العالم أن يواصل الحياة، وكأن شيئًا لم يحدث؟ وكأن الفتاة التي تمزقت على أعتاب الوحش ليست سوى رقم جديد في نشرة الأخبار؟ منذ متى صرنا نحفظ أرقام الضحايا، ولا نحفظ أسماءهم؟ منذ متى صار الذنب يتبع الثوب، لا اليد التي مزقته؟ "أيعقل أن هذا العالم اعتاد انكسار الفتيات؟" سألت نفسها، والوجع يضغط على قلبها كما لو كان حجارة تنهال فوقه\. إلى متى ستبقى الفتيات يخشين الخروج من أبواب منازلهن،كأنّ الرصيف قد يتحوّل إلى فخ أو أن زاوية الشارع تُخفي خلفها ذئبًا ينتظر ضحيته التالية؟ ما هذا العالم… الذي يُحاسب المرأة على رنين ضحكة ولا يُدين الوحش الذي تمسّك بصداها ليقتات منها؟ كيف يمكن لهذا العالم أن يواصل الحياة، وكأن شيئًا لم يحدث؟ وكأن الفتاة التي تمزقت على أعتاب الوحش ليست سوى رقم جديد في نشرة الأخبار؟ منذ متى صرنا نحفظ أرقام الضحايا، ولا نحفظ أسماءهم؟ منذ متى صار الذنب يتبع الثوب، لا اليد التي مزقته؟ أيعقل أن هذا العالم اعتاد انكسار الفتيات؟ سألت نفسها، والوجع يضغط على قلبها كما لو كان حجارة تنهال فوقه\. بعض الفتيات لم يعدن يعرفن كيف يمشين بثقة\. يحسبن كل خطوة، يتلفتن خلفهن، كأن الشارع ليس طريقًا… بل ساحة نجاة\. هناك من تظن أن خطأها كان في الضحك أو في رفع رأسها قليلًا أو في نظرةٍ عابرة اجتذبت ذئبًا لا يعرف الشبع\. لا شيء يُخيف أكثر من أن يُنتزع جسدك منك، أن يتحوّل إلى ساحةٍ لا تملك فيها الحق في الصراخ، ولا حتى في الاعتراض كيف يمكن لطفلةٍ أُطفئت فيها الطفولة أن تضحك مجددًا دون أن يطاردها ظل ذلك اليوم؟ كيف تُشفى الندوب التي لا تُرى، وتُنسى الذكريات التي لا تموت؟ أليست الكارثة أن تبقى الناجية على قيد الحياة فقط لتتعلم كيف تموت ببطء؟ كلاريسا لم تكن تبكي، لكنها كانت تشعر أنها تُنزع من الداخل بهدوء قاتل كما تُسحب الروح من بين الضلوع دون صوت\. أيعقل أن تكون أجسادنا مسرحًا لعقاب لا نعلم له ذنبًا؟ أيعقل أن تُصبح الفتاة مذنبة لأنها وُجدت؟ لأنها تنفّست؟ كم من فتاةٍ تخاف ضوء الصباح… وكم من أخرى تتحاشى النظر في المرآة\.\. كأنها تخشى أن ترى فيها الشبح الذي ظلّ ينهشها حتى في الحلم؟ هل تدركون حجم الألم حين يتحوّل الجسد إلى سجن؟ حين يُصبح العالم خريطة هروب، لا خريطة أمل؟ كلاريسا لم تكن تملك أجوبة،لكنها عرفت أن شيئًا ما في هذا العالم معطوب،ان القوانين عرجاء، والرحمة غائبة\.\. وأن الأصوات التي يجب أن تُسمع، تُخنق بصمتٍ ثقيل\.