كَأنَّ الورقَ كان يَحتمي بالصَّمت\. قلبَت كِلاريـسَا الصفحة التالية\.\.\. تلكَ التي كانت تَلي الفراغَ الذي خلفته الصفحة التي مزقت \. كان الخَطُّ نفسه، الحبرُ نفسه، لكنّ الجُملَ بدت وكأنها جاءت من شخصٍ آخر\.\.\. شخصٍ أقلُّ حزنًا، وأكثرُ صمتًا\. "لا أعلم إن كنتُ سألتقيها مرةً أخرى لكنّني لا أزال أذكر\.\.\. كلّ ما قالته\. كان وجهُها يَحمل شيئًا لا يُشبه الحزن، بل يتجاوزه\. كأنّ العالم كلّه قد مرّ من خلال قلبها، وتركه هادئًا على نحوٍ غريب\. لم تَقُل لي الكثير\. ولم أكن أحتاج إلى الكثير\. أحيانًا، تكفي نظرة واحدة لتفهم أنّك أمام شخصٍ يحمل خريطةً من الخسارات\. كانت واقفة في زاويةٍ خفيّة من المشهد، لكنّ صمتها كان أوضح من أي ضوضاء\. حين التقت عيناها بعينيّ، شعرتُ بشيءٍ لا يمكن وصفه\. كأنّ هذا اللقاء لم يكن مصادفة، بل شيئًا مؤجّلاً، كان ينتظر لحظته ليكتمل\. كانت تعرف كيف تُسكت الضجيج الذي يعلو في رأسي؛ فصوتها أشبه بعزف الربيع على أوتار العود أنا لا أكتب عنها كي أتذكّرها\. بل كي لا أنسى ما فعلته تلك اللحظة بي\. هناك أشخاصٌ يمرّون على حياتك مثل ظلّ شجرة، لا يطيلون البقاء، لكنّك تَشعر أنّك كنتَ تحتهم آمنًا\. لا أعلم من كانت\. ولا أعلم إن كانت تلك اللّحظة قد تعني لها شيئًا\. لكنّها\.\.\. غيّرت شيئًا فيّ\." مَن؟ مَن الفتاة التي يقصدها \.\.أهي تلك المدعوة كاندل؟ لكن لا أظن أنها هي حسب كلماته فيبدو أنه كان أول لقاء بينهما وهو لايعرفها \.\.\! أو\.\.لقاءهما كان في الصفحة الممزقة \! لم يكن في النصِّ اسم، ولا تفصيل\.\.\.وكأن ماحدث قد حدث وهو فقط يكتب أثر لقاءهما بلا تفاصيل \! فقط كلمات مُجرّدة، لينة، كأنّها تُخفي أكثرَ مما تقول\. كأنّهُ يعرفها\. أو\.\.\. يَعرف شيئًا عنها لا يُقال\. أغلقت الصفحة ببطء\. ثم استندت على حافة السرير، كأنّ الجُملَ أثقلَ من قدرتها على الاحتمال\. يا إلهي \.\.أشعر بالتشتت أكره التفاصيل المحذوفة وكأنني أقرأ قصة تملؤها الثغور\.\! آخر شيئ كان حين قام والده بإحداث جلبة في المنزل بسبب تلك الشطائر أو ربما بسبب أنه لا يستطيع النطق لكن هذا ليس سببا \.\.\! ثم بعدها خرج من المنزل\.\. لَحظة\! تذكرتُ شيئًا\! لقد قال أنه السبب في موت أمِّه\! إذن السبب في حقد أبيه إتجاهه هو موت زوجته\.؟ لكنه كذلك لم يذكر أي تفصيل عن هذا وكيف حدث\! أو ربما فعل في تلك الصفحة الممزقة كُله بِسبب إهمالي\.\.لو أنني حملت معي المذكرة ولم أتركها على الأقل لأتأكد أن الصفحة كانت ممزقة من قبل\.\. كيف سأعرف الآن ؟\! وفي هذه الأثناء دون سابق إنذار رنَّ جرسُ الباب\. توقّف الهواء، لثانية\. رفعت رأسها، ونادت: "جَدّتي\.\.\.؟" جاء صوت مَاربل من غرفة المعيشة، هادئًا: "سأفتح أنا\." سُمِع صوت الخطى، ثم صرير الباب\.\.\. ثوانٍ قليلة، تَبعثُ ارتباكًا خفيفًا\. ثم صوتُ الجدة من بعيد: "كِلاريـسَا\.\.\. تعالي، هناك شيءٌ غريب\." نهضت بتردُّد، وذهبت نحو الباب\. وجدت الجدة تُمسِك بطردٍ صغير، مغلّفٍ بعناية، ومكتوب عليه: "إلى كِلاريـسَا\." نظرت إليه لحظة، ثم نظرت إلى الجدة، التي بدا على وجهها شيءٌ من القلق\. "لا أحد بالخارج\.\.\. كان الطّرد على العتبة، هكذا فقط\." كِلاريـسَا لم تتوتر\. قالت بلهجةٍ خفيفة تُحاول أن تُطمئنها: "ربّما نِيثان\.\.\. إنه يفعل أحيانًا تصرّفات غريبة الأطوار كهذه\." لكن شيئًا داخلها لم يصدّق ذلك\. أخذت الطرد بيديها\.\.\. ببطء\. "شكرًا جدّتي\.\.\. لا تقلقي، سأراه بنفسي\." عادت إلى الغرفة، وأغلقت الباب\. كانت يدُها على الغلاف، لكن عقلها في مكانٍ آخر\. مَن يُرسل شيئًا بلا اسم، في هذا الوقت؟ فتحته كنزة صُوفية\. بلونِ خطايا العنب\.\.\. كأنَّها خُيطت بشيءٍ بين الذكرى والاعتذار\. وضِمن الطرد، ورقة صغيرة، بخطّ أنيق: "ربّما هذا أقلّ ما يمكنني فعله\.\.\. كردٍّ للجميل\." مَن\.\.؟ وكَيف يعرِف مَقاسِي؟ وكيَف\.\.\. يَعرف العنوَان؟ أهو نِيثان فعلًا؟ هل قلتُ له شيئًا يستحقّ "ردّ الجميل"؟ وقفت تُحدّق في الكنزة، بينما الورقةُ الصغيرة تنام في كفّها كاعترافٍ بلا وجه\. ظلّت للحظات صامتة\. ثم عضّت شفتها وهمست: "سأتّصلُ به\.\.\." تناولت الهاتفَ من طرف السرير، وضغطت على اسم نِيثان، وقرّبت الجهاز من أذنها\. رنّاتٌ متتالية\. ثم جاء صوته، دافئًا كعادته: "كِلاريـسَا؟ في هذا الوقت؟" تردّدت، لكنها قالت: "هل\.\.\. هل أرسلتَ شيئًا إلى منزل جدتي؟ كنزة مثلًا؟ أو\.\.\. طردًا؟" سكت نِيثان، بضع ثوانٍ، كأنّه يُفكّر أو يُحاول أن يفهم\. ثم قال بنبرةٍ مستغربة: "طرد؟ لا، لم أرسل شيئًا\. ماذا هناك؟" شهقت بصمت، وعيناها تهبطان نحو الكنزة مرّة أخرى\. "لا شيء\.\.\. فقط\.\.\. ظننتُ أنك أنت\." قال: "ليتني أنا\. يبدو أنه أمرٌ لطيف، مهما كان\. هل كلّ شيء بخير؟" "بخير\.\.\. نعم، لا تقلق\." "كِلاريـسَا؟" "أجل؟" "صوتكِ\.\.\. غريب\." "انا بخير نيثان " ثم أضافت، وكأنها تُحاول أن تُغيّر نبرة الحديث: "لكن إن فكّرتَ بإرسال طرد يومًا ما\.\.\. تأكد أن يحتوي على حلويات\." ضحك، وقال: "طبعًا، وسأحرص على أن تحتوي على رقائق الشوكولاتة البلجيكية التي تحبينها\." ضحكت هي أيضًا، خفّت التوتّرات قليلًا\. قال بعدها بنبرةٍ أكثر جدّية: "اعتني بنفسكِ، حسنًا؟ وإذا شعرتِ أن الأمر غريب فعلاً، فقط أخبريني\." "أعدك\." "تصبّحين على خير، كِلاريـسَا\." "وأنت أيضًا\.\.\." وضعت الهاتفَ جانبًا، وبقيَت تُحدّق في الكنزة الموضوعة على حافة السرير\. تَمِسُّها بأطرافِ أناملها، كأنّها تخشى أن تَذوب منها، أو تُصبح وهمًا\. رفعت الكنزة قليلًا، تأمّلتْ شكلها\.\.\. الزرّ الأبيض الصغير في عنقها، الخياطة اليدويّة المُتقنة، الحوافّ المحكمة وكأنّ أحدهم جلس طويلًا يَحرس الوقت بينما ينسجها\. تمتمت بهدوء، كأنها تُحدّث نفسها أو تُطمئنها: "لابُدّ أنها مزحة\.\.\. أو تصادف\." مرت لحظة صمت طويلة، حتى نسيت أنها لا تُحرّك ساكنًا\. ثم، كأنّ شيئًا مسّها بخفّة من الداخل، قامت من مكانها\. سَحبت الكنزة، ووضعتها في دُرجها السفليّ، بعيدًا عن العيون\.\.\. لكنها لم تُغلق الدُّرج فورًا\. ظلت تنظر إليها، بوجهٍ هادئ، وصدرٍ يضجُّ بالأسئلة\. همسَت كِلاريـسَا داخليًا: "لو كان أبي حيًّا، لقال إن العالم يهمس أحيانًا بدل أن يتكلّم\.\.\. لكنّي لا أفهم لغة الهَمْس\." أغلقت الدُّرج أخيرًا\. ثم مشت إلى النافذة، وسَحبت الستارة قليلًا\.\.\. تطلّعت إلى الخارج\. كل شيءٍ يبدو ساكنًا\. أغلقت الستارة ببطءٍ، كأنّها تُغلق فصلاً غير مكتملٍ من قصّةٍ لم تُفهم بعد\. عادت إلى السرير، وجلست على طرفه، تُحدّق في السجّادة القديمة التي نسجَت عليها الكثير من الذكريات بصمت\. يدُها امتدت نحو الدفتر\.\.\. لكنّها تراجعت، دون أن تَلمسه\. "ليس الليلة\." قالتها في عقلها، وكأنّها تُؤجّل اللقاء مع سؤالٍ لا تريد له جوابًا الآن\. ثم أطفأت المصباحَ الصغير، وغرقت الغرفة في عتمةٍ رقيقة\.\.\. عتمةٍ لا تُخيف، بل تُغري بالنوم\. تمدّدت بهدوء، وسَحبت الغطاء على كتفيها، كأنّها تلوذ به من كل تلك التساؤلات التي ظلّت تُبحلق في روحها بصمت\. كنزة صوفيّة\.\.\. رسالة غريبة\.\.\. وذكرى لا اسم لها\. كلها تجمّعت داخلها مثل همسةٍ نصف منسيّة\.\.\. تُداعب أطراف فكرها، وتختفي قبل أن تُمسَك\. أغمضت عينيها\. هل يُمكن للغد أن يُفسّر ما تعجز الليلة عن قوله؟ لا تَدري\.\.\.\. \. \. \. \. \. \. \. \. \. \. \. \. \. \. \. \. \. \. كَانَ الصباحُ يَتنفّسُ ببطءٍ خلفَ النّافذة، يُطلُّ بخيوطِ ضوءٍ شاحبةٍ كأنّهُ يتحسّسُ المدى\. وفي السّريرِ تَقلبتْ كِلاريـسَا قليلًا، ثُمّ فتحتْ عينيها\.\.\. لا على يومٍ جديدٍ، بل على أفكارٍ لم تَغفُ أصلًا\. رفعت رأسها قليلًا، أنصتت للصّمت، ثم جلست بهدوء، تتفقد الغرفة امتدت يدُها نحو الكرسي الخشبيّ بجانب السرير\.\.\. وهناك، كما تركتها الليلة الماضية، كانت الكنزةُ الحمراء تنتظرها\. كنزةٌ بلونِ نبيذٍ مُعتق، مَنحَها الليلَ أكثر من مجرد دفء\.\. ارتدَتها بهدوء، وضبطت ياقة القميص الأبيض تحتها، ثم سحبت السروال الرماديّ الذي اختارتهُ كعادتها حين لا ترغب أن تُفكّر كثيرًا\. عندَ المِرآة، سَرّحت شعرها بخفّة، وتركته منسدلًا كالمطر، لا مرتبًا تمامًا، ولا عشوائيًا\. نزلت إلى المطبخ، فوجدت الجدة ماربل تُعدُّ الفطور وهي تدندن لحنا إعتادت على نغماته كل صباح "صباح الخير يا جَميلتي\." "صباحُك نعناع يا جدّتي\." ضحكت ماربِل، وقالت وهي تُحرك إبريق شاي النعناع: "الكنزةُ تليق بكِ\." "إنّها دافئة\.\.\. وكأنها تحتفظ بسرٍّ في خيوطها\." رفعت الجدة حاجبها: "أسراركِ كثيرة هذه الأيام \.\.يبدو أنكِ أنت غريبة الأطوار وليس نيثان \." "أحيانًا أصبح كذلك \.\.\.نسخة من أبي كما ترين \." جلستا معًا، بين رائحة الشاي والخبز المحمّص وكعك الزنجبيل لم يكن حديثٌ كثير، فقط عبارات متفرقة، من تلك التي تُسكّن القلب دون حاجة للشرح\. أنهت فطورها، ارتدت حقيبتها، ثم قالت قبل أن تخرج: "سأعود قبل الغروب\." "لا تنسي معطفكِ\.\.\. بردُ الصباح لا يُشبه دفء الظهيرة\." "اجل جداي لقد إرتديت كنزتي\." ابتسمت ماربِل، كأنّها تُداري شعورًا لا يُقال، ثم أومأت لها "اذهبي إذن، ولكن كوني حذرة\." خرجت كِلاريـسَا، والممرّ يُغني بصوت الخطى الهادئة\. الشارعُ بدا ساكنًا، والأشجارُ تُلوّح بلُغةٍ لا تُقرأ، فقط تُحَسّ\. في الطريق نحو المدرسة، كانت تمشي على مهل، تُفكّر بما ستقرأه في الاستراحة\.\. وهي تهمس بينها وبين نفسها "ربما رواية من روايات أجاثا كريستي مناسب فهي تشبع فضولي للغموض" لكن فجأة\.\.\. تجمّعٌ بشريّ على الرّصيف، ضجّة خفيفة، وهمهماتُ قلقٍ تتعالى\. "ابتعدوا قليلًا\.\.\. أفسحوا له الهواء\." "إنه يتنفس بصعوبة " "وجه يزداد إحمرار وتورما " اقتربت أكثر\.\.\. طفْلٌ صغير ملقى على الأرض، عينا والدته دامعتان، ووجهها أشبه بانهيارٍ\. "ابني\.\.\. ساعدوني\.\.\. لا أعرف ما به، لقد كان طبيعيا " كِلاريـسَا توقّفت\. لم تقترب مباشرة\.\.\. فقط راقبت\. وجهُ الطفل شاحب، وجفناه يرتجفان قليلاً، فمه مفتوح بشيءٍ من اللهاث، وكأنّه يُصارع أنفاسه\. وحين دقّقت أكثر\.\.\. رأتها\. حبّاتُ فستقٍ صغيرة، متناثرة على الرّصيف، بعضها مسحوقٌ قليلًا\. رمشت\. "هل يعقل\.\.\.؟" نظرت إلى الطفل مجددًا\.\.\. الشّفاه مُزرقة، الجلد بدأ يُظهر بقعًا حمراء خفيفة على اليدين\. صوتٌ في داخلها قال: حساسية\! اندفعت فجأة نحو الأم، وقالت بنبرةٍ متوتّرة، لكن واضحة: "هل يعاني ابنكِ من حساسية من المكسرات؟\!" "لا أعرف\! لم أره يأكل شيئًا منذ صباح اليوم\!" "ربّما أكل منها دون أن تنتبهي\.\.\. انظري، الفستق\!" الأمّ شحبَ وجهها، نظرت حيث أشارت كلاريسا\. "لا أعلم كنتُ أشتري منه\.\.\. ربما سقط شيء من الكيس فقط \!" لم تُضيّع كلاريسا ثانية\. تلفّتت، ثم قالت: "يجب أن يُحقن بالأدرينالين فورًا\.\.\. أين أقرب صيدلية؟ أو هل يملك حقنة خاصة؟" لكن لا أحد يعرف\. استدارت نحو رجلٍ كان يحمل هاتفه: "اتصل بالإسعاف\.\.\. فورًا\!" ثم جلست قرب الطفل، ورفعت رأسه قليلًا، تحاول أن تُنظّم له مجرى التنفّس بقدر المستطاع، وهي تهمس له: "ستكون بخير\.\.\. فقط تمسّك بالحياة، يا بطل\." عيناها لم تَرمشان، ويدُها تُمسك بمعصمه الصغير\.\.\. تعدّ النبض كما تعلّمت، وتدعوه في سرّها أن يصمد\. شخصٌ ما قال "إنهم قادمون\!" والأمّ كانت تبكي، لا بكاءً هستيريًّا، بل ذاك البكاء الذي يبدو كأنه صلاةٌ صامتة\. صوتُ السّيارة البيضاء قادمٌ من بعيد\.\.\. يقترب شيئًا فشيئًا عينا كِلاريـسَا بقيتا مُثبتتين على وجه الطفل، بينما يدُها لم تترك معصمه، كأنّها تُمرّر إليه شيئًا من ثباتها\. لم تشعر ببرودة الرصيف، ولا بالهمهمات من حولها، ولا حتى بنبضات قلبها التي كانت تتسارع\. فقط\.\.\. كانت هناك\. كلّها\. ثم توقّفت سيارة الإسعاف\. فتح الباب بسرعة، واندفع منها اثنان من الطاقم الطبي، تتبعهم نقالة وأصواتٌ منبهة خافتة\. "الطفل هنا؟" أشارت إليهم كِلاريـسَا دون أن تنطق، ثم ابتعدت قليلًا كي لا تُعيقهم\. انحنى أحدهم على الطفل، أخذ سريعًا نبضه وضغطه، فيما الآخر جهّز الحقنة الطارئة\. "لديه حساسية فستق، على الأغلب\." " من أخبركم؟" قالت الأم بصوت خافت، ودموعها لم تتوقف: "هي\.\.\. الفتاة هناك\." التفت رجل الإسعاف إلى كِلاريـسَا، نظر إليها للحظة، ثم أومأ بإعجابٍ صامت قبل أن يعود لعمله\. لحظة الوخز، تبعتها أنفاسُ الطفل بدأت تعود\. متقطعة، لكنها حيّة\. الأم سقطت على ركبتيها تبكي، لكن هذه المرّ كانت دموع ارتياح\. اقتربت من كِلاريـسَا، واحتضنتها بعفوية، بعينين ممتنّتين: "أنقذتِه\.\.\. لا أدري من أين أتيتِ، ولا كيف فعلتِ، لكن\.\.\. شكراً\." ترددت كِلاريـسَا في الرد، ثم قالت بنبرة خافتة: "لا بأس\.\.\. إعتني بهِ\." لم تُرد أن يلتفّ الناس حولها\. لم تكن تريد تصفيقًا، ولا بطولات\. سارت بهدوء بعيدًا عن الحشد\.\.\. بخطى أبطأ من العادة، وقلبٍ أثقل قليلًا، لكنه أكثر ارتياحا\.\. كانت تشعر، في كل مرة تنقذ فيها أحدهم، وكأن كومة من الأشواك تُسحب بهدوء من قلبها\.\.\. وكأن الحياة، ولو للحظة، تُربّت على كتفها وتهمس: لهذا خُلقتِ\. خَرجت من زُقاق السوق بخُطى غير مستقرّة، قلبها ما زال يركض خلف ما حدث، ويدُها تمسحُ على طرف الكنزة كأنّها تُعيد اتّزانها\. نظرت إلى ساعتها\.\.\. الرقم تجاوز بداية الحصة الأولى بدقائق كثيرة\. تأخّرت\.\.\. قالتها في سرّها، وتنهّدت\. ضربت الشمسُ بنعومتها المائلة أطرافَ الحجارة القديمة، ونسيمٌ خفيف مرّ من خلفها، يلعب بأطراف شعرها المرسل بعفويّة\. حذاؤها يصطدم بالأرض بإيقاعٍ متوتّر، ووجهها يعكس خليطًا بين القلق والإرهاق\. أحسّت كأن كل من حولها ينظر إليها، لا لأنها تأخرت، بل لأنها تحمل شيئًا مختلفًا في عينيها هذا الصباح\.\.\. شيءٌ جديد لم تتعرّف إليه بعد\. "دانيال وولتر\.\.\. أستاذ الإنجليزية الجديد\.\.\. اللطيف؟ الوسيم؟ الحازم؟ أياً كان، لقد تأخرتُ لحصته الأولى\. رائع يا كلاريسا \.\.وتستغربين لم جل الأساتذة يحملون عنك فكرة غير لائقة \! " زفرت ضيقًا، وهي تعبر بوابة المدرسة التي بدت أطول من المعتاد\. الصمت فيها يختلف عمّا في الشارع\.\.\. كأن كل خطوة تُسمع، وكل تأخّر يُسجّل\. وصلت إلى الرواق المؤدي لصفّ الإنجليزية\. أبطأت قليلاً\.\.\. ربما لتلتقط أنفاسها، وربما\.\.\. لتستعد\. دفعت الباب بهدوء، وهو يصدر صريرًا خافتًا، كأنّه يتحفّظ على اقتحامها المتأخر\. كانت حصّة اللغة الإنجليزية قد بدأت فعلًا، والطلاب جلوس في صفوف مستقيمة، والأنظار منصبّة على الأستاذ الواقف عند المصطبة، يحمل كتيّبًا صغيرًا بيد، والأخرى تتحرّك بإيماءات خفيفة\. حين التفت\.\.\. وقعت عيناها على عينيه\. تجمّد الزمن لثانية\. كان يقف بثبات، قميص ذا ياقة بيضاء، تطلّ من تحت كنزة صوفية زرقاء داكنة، وسروالا أسود حالكا، يوحي بقدر من الصرامة لا تُشبه قسمات وجهه الهادئة\. شعره الفحمي مسرّح إلى الخلف، لكنّ خصلتين صغيرتين تمردتا على النظام، وسقطتا بخفّة على جبينه\. عيناه\.\.\. كانتا سوداويْن بشدّة، ذلك السواد الذي لا يعني الظلام\.\.\.بل الغسق\.\.\. كما لو أن الليل يسكن عينيه دون أن يُطفئهما لم يسألها لِمَ تأخّرت\. ولم يوبّخها كما كانت تتوقّع\. رفع نظره عنها للحظة، ثم أومأ لها بلطفٍ أن تتقدّم: "تفضّلي، لم يَفتكِ شيءٌ من الدّرس بعد\." تنهدت بارتياح داخلي، وهمست شفتاها المتيبّستان بكلمة "شكرًا"، ومضت نحو مقعد فارغ في منتصف الصف\. كان هادئًا على نحوٍ مُربك\.\.\. تمامًا كالكنائس القديمة، لا تصرخ لكنها تُشعِركِ أن ثمة ما يجب الإصغاء إليه\. حين استقرّت كِلاريـسَا في مقعدها، لم تكن أفكارها قد هدأت تمامًا\. بقايا الموقف الصباحي ما تزال تلوح كظلٍّ على حافة ذهنها\.\.\. غير أنّ صوت الأستاذ دانيال، حين بدأ الحديث، سحبها من شرودها\. "في الأدب\.\.\." قالها بصوته الهادئ العميق، وهو يخطو ببطء أمام الطاولات، "لا يُشترط أن تعرف مَن قال، بقدر ما يهمّ أن تفهم ما قِيل\." توقفت خطواته، استدار نحو الصف، وأردف: "اليوم\.\.\. لن نتناول كاتبًا معروفًا\. بل\.\.\. سنتحدّث عن من لم يُعرَف\." تبادل بعض الطلّاب النظرات، بينما رفعت كِلاريـسَا رأسها قليلًا، وقد بدأ الفضول يتسلّل إليها\. أكمل بصوته الواثق: "هل سمع أحدكم باسم إيلينا فيرانتي؟" رفعت فتاة من الخلف يدها، وقالت بخفوت: "نعم\.\.\. الروائية الإيطالية\. لا أحد يعرف من تكون حتى الآن\." ابتسم دانيال بإيماءة خفيفة: "صحيح\. رواياتها تُدرّس في الجامعات، تُترجم لعشرات اللغات\.\.\. لكن لم يرها أحدا من قبل \. لم تُوقّع كتابًا، لم تحضر ندوة، لا أحد يعرف وجهها الحقيقي\. ومع ذلك، الناس\.\.\. يحبّونها\." ثم أضاف: "لماذا برأيكم\.\.\. قد يختار أحدهم أن يكتب بلا اسم؟ بلا هوية؟" ساد الصمت لثوانٍ\. ثم رفع طالب في الصف الأمامي يده، وقال: "ربما\.\.\. لأنه يخشى ردّ الفعل\. أو لا يريد أن يُحاكم شخصيًا من خلال ما يكتبه\." أومأ دانيال وهو يرجع خصلاته المتمردة للوراء : "احتمال وارد\." صمت قليلًا، ثم تابع: "أحيانًا، يُخفي الكاتب اسمه\.\.\. لا لأنه خائف، بل لأنه يُريد أن تظلّ كلماته نقيّة، دون أن تُلوَّث بحُكم شخصي\. أن تُقرأ كما هي، لا كما يُتوقّع منها\." تقلّبت ملامح كِلاريـسَا قليلًا، وهي تستمع\. كان حديثه يبدو\.\.\. صادقًا على نحوٍ مريب\. قالت فتاة أخرى: "لكن أليس في هذا نوع من الجُبن؟ أن لا تواجه جمهورك ؟ هي ترفض حتى التوقيع ظنا منها ربما أنه سيوصلنا لحقيقة هويتها وهذا مؤكد لا محالة" "ومن قال إن الحقيقة تحتاج إلى توقيع؟ أليست الحقيقة تُحسّ، لا تُوقَّع؟" ابتسم بعض الطلّاب، بينما بدا على كِلاريـسَا أنها بدأت تُعيد التفكير بالأمر\. ثم عاد يمشي ، وقال: "الكثير من الأدباء كتبوا بأسماء مستعارة\. بعضهم خاف المجتمع، وبعضهم أراد أن يجرّب صوتًا جديدًا\. لكن دائمًا\.\.\. هناك سبب\. ولسببٍ ما، تلك الأسماء الغريبة، المخفية، حتى المُزيَّفة ،كانت غالبًا ما تحمل أصدق ما كُتب\." توقّف لحظة، ثم التفت نحو كِلاريـسَا تحديدًا، كأنّه لاحظ تركيزها بشأن الموضوع: "وأنتِ؟ ماذا ترين؟" تردّدت\. لكنها قالت، بصوت خافت: "أظنّ أن بعض الناس يكتبون لأنهم لا يستطيعون أن يتكلّموا أعني إن الكتابة ليست دائمًا هواية أو مهنة، بل أحيانًا بديلٌ مؤلم للكلام\. هناك أشخاص يعجزون عن التعبير شفهيًّا، ربما بسبب الخوف، أو الصمت المفروض عليهم، أو لأن العالم لم يُحسن الاستماع إليهم\." صمتٌ خفيف\. ثم شبح إبتسامة جانبية جعل من نابه ينبثق ، وقد بدا عليه أنه أعجب بالإجابة: "جواب ذكيّ جدًا\." ثم أضاف أحيانًا، يكون القلم هو الطريقة الوحيدة كي تُبقي صوتك مسموعا رغم أنهم يضعون أيديهم حول فمك\." ثم ابتعد، وأكمل الدرس\. لكن في عقل كِلاريـسَا\.\.\. بقي السؤال يدور\. من يختبئ خلف الكلمات؟ ومن الذي يكتب، لا ليُعرَف\.\.\. بل ليبقى مجهولًا، لأن المجهول\.\.\. أرحم؟ وفيما كانت كلماتُه تنساب في القاعة كخيوط ناعمة من صوتٍ يعرف كيف يُربّي الانتباه، انزلقت يدُ كِلاريـسَا ببطء نحو حقيبتها\. أخرجت الدفتر\.\.\. ذلك الدفتر\. فتحته بصمت، ونظراتها تتسلّل إلى السطور، كأنها تحاول اختلاس نبضة من قلبٍ لا تعرف له اسمًا\. لكنها لم تُفلِت من عينيه\. لاحظ، من مكانه\. خطا بخُطى هادئة، ثابتة\.\.\. لا تُزعج الأرض، لكنّها تُخبر أنها قادمة\. وحين صار بقربها، انحنى قليلًا، وهمس بصوت مبحوح قليلا ، لا يحمل غضبًا، بل شيئًا يشبه الحنو المُتفهّم: "أعلم أن القراءة تُغري\.\.\. لكن لنُعطِ حصّتي فرصة صغيرة، أليس كذلك؟" رفعت رأسها، وقد تلوّن خدّاها بلون خفيفٍ من الإحراج\. أغلقت الدفتر بسرعة، وهمست: "أعتذر\.\.\. لم أكن أقصد\." ابتسم بلطف، وقال: "لا بأس\.\.\. الكتب دائمًا تغرينا، حتى نحن المعلّمين\." ثم استقام، وعاد إلى لوحته، يُكمل شرحَه دون أن يُطيل النّظر\. لكنّها شعرت أن شيئًا في صوته\.\.\. مألوف\. أم أنها فقط\.\.\. تتوهّم؟