[فَجوة ]

[فَجوة ]

28 0

ثَمّةَ أماكنُ لا نَلجأُ إليها هربًا منَ العالَم، بل لِنُصغي إلى الصوتِ الذي خنقناه طويلًا في أعماقِنا\.\.\. لم تكن وجهتها مجهولة، بل معتادة\.\.\. مألوفة كالحزن حين يأتي في موعده\. سارت كلاريسا نحو المكتبة بخطى لا تستعجل شيئًا\. في قلبها بقايا من غياب غابرييل، وفي حقيبتها دفتر كأنّه يقود خطواتها بدلًا منها\. كان المكان شبه فارغ، الضوء يتسلل من النوافذ العالية ويهطل على الرفوف بلون الغبار\. جلست في ركنها المعتاد، هناك، بين رفّ الفلسفة الذي لا يقرأه أحد، وكرسيٍّ عتيق يئنّ كلما حرَّكته\. فتحت الدفتر بهدوء، كأنها تفتح نافذة نحو غرفة لا تعرفها\.\.\. كانت على وشك أن تبدأ القراءة، حين اخترق السكون صوتٌ مستفز "أنظروا من هنا\.\.\. القطة الشمطاء\." رفعت كلاريسا رأسها ببطء، لم تتفاجأ\. لورين، كما العادة، دخلت دون أن يُطلب منها، ووراءها صديقتاها سيدني ودافني تضحكان بسطحية : "ألّا زلتِ ترتدين هذه الملابس؟ تبدين كفتى كوني أنثوية ولو قليلا \.\.\." قهقهت دافني وهي تخرج أحمر الشّفاه من حقيبتها  تمده نحو كلاريسا مردفة "تفضَّلي عزيزتي كلاري \.\.ربما هذا سيساعد على جعلك تبدين كأنثى ولو قليلا " ضحكة فرت من لورين وهي تنظر لكلاريسا بسخرية لكن كلاريسا لم ترمش حتى\.\.\.بل لمعت عينيها بمكر طفيف وهي تنظر للورين أجابَت بصوت هادئ  لكنّه يحمل لسعة في نبرتِه: "معكِ حق، بمظهَري هذا الذكوري كما تقولين\.\.\. جذبتُ أحدهم، فمَاذا لَو كنتُ أكثرَ أنوثَة؟ أخشَى أن يصبِح مهووسًا بي\." سكت الجميع\.\.\.\! الاسم لم يُذكر، لكن النار اشتعلت في عيني لورين\. كانت تعرف تمامًا من تعني\. فتحت فمها لترد، لكن قبل أن تنطق، سُمع صوت سقوط كتاب في الجهة الأخرى من المكتبة\. العيون اتجهت فورًا نحو مصدر الصوت\.\.\. هناك، قرب الرف الأخير، شاب طويل القامة، شعره أسود مائل للفوضى، معطفه داكن كأنّ الليل علق عليه\. لم يكن مألوفًا\. نظرت لورين إلى كلاريسا نظرة قصيرة، ثم تمتمت بازدراء: "أظنني وجدتُ بديلًا لأزعجَه\. أكملي قراءتك، نلتقي لاحقًا\.\.\. أيتها القطة الشمطاء\." وخطت لورين إليه بخطى واثقة، شعرها الأشقر يتمايل خلفها، وابتسامتها مفتعلة أكثر من اللازم "مرحبًا، أيهَا الوسِيم\.\.\. تَبدو طالبًا جديدا أليسَ كَذلك؟" ألقت نظرة خاطفة على مافي يده ثم عادت بنظرها إليه تتصنع الإشمئزاز "لكن لاتقل لي أنك تقرأ كتابا فلسفيا ستخيب ظني يجب أن يكون لديك ذوق يلائم مظهرك ؟" رفع رأسه ببطء ونظر إليها من الأسفل للأعلى، دون أن يخفي نظرة الإزدراء ثم عاد بنظره إلى الكتاب الذي بين يديه\.\.\. "لا\.\.\. لستُ طالبًا\." توقفت لورين لحظة، حاجباها يرتفعان قليلاً\. فأكمل بنبرة تحمل من الاحتقار ما يكفي لجعلها تتراجع خطوة: "أنا أستاذكم الجَديد للأدَب الإنجلِيزي\.\.\. ويَبدو أنني سَأقابِل الكَثير من الحمقَى في هذا الفصل، مثلكِ تمامًا\." إحمر وجهها بسبب الإحراج وهي تصفع نفسها داخليا لمَ دوما تُعرض نفسَها لهذِه المواقِف\.\.\!؟ فأكمل بنبرة باردة ما يكفي لجعلها تتراجع خطوة "لكن لا تَقلقِي عَملي هُو التّأدِيب قبل التَّعليم" وجم وجهها، تلعثمت: "آسِفة\.\.\. لَم أكُن أعلم\.\.\." مدّ يده، ناولها كتابًا كان قد التقطه لتوّه\. قال دون أن ينظر إليها: "تَفضلي، ستحتاجينه بِشدة\." ثم خطا بعيدًا، وكأنه لا يعترف حتى بوجودها\. وقفت لورين مذهولة، عيناها تتبعه، تائهة بين الغضب والإحراج\. عضّت شفتها بقهر، ثم خفضت نظرها إلى الكتاب الذي بين يديها\.\.\. "آداب الحوار \(مخصص للحمقى\)" راقبت كلاريسا المشهد بصمت، ثم أعادت عينيها إلى الصفحة متجاهلة ماحدث\.\.     اليوم: الأربعاء17فبراير2016 بَعد خُروجي من المنزِل بِرفقة روكَاس، الكلب الذي صَار رَفيقي في كُل خُطواتي، أخذتُ أتَنفس هَواء لندن البَارد مع كل خطوة\. سمِعت نَقرات أقدامِه الصَّغيرة علَى الأرصِفة تتماشَى مَع إيقاعِ يومي الرتيب\. بَدا وكأنّه يَشعر بِكُل مَا أفكِّر فيه، يُلقي عليّ نظرة بين الحِين والآخَر كَما لَو كانَ يسألُني عمّا نُخطط لفعله اليَوم\. بَينما كنتُ أفكر في خطواتي التالية، جاءني صوتٌ مألوف من الخلف، صوت شبابي يحمل نبرة متحمسة: "آرمين\! " استدرتُ ببطء لأجد جيمي، الفتى الذي يسكن بجوارنا، يقف على بُعد خطوات قليلة، يلوح بيديه وهو يحاول التقاط أنفاسه\. ابتسمتُ له؛ جيمي كان دائمًا يحمل طاقة لا تنضب، وكثيرًا ما كانت تغمرني تلك الطاقة كلما تحدث معي\. لم يكن بحاجة لتقديم نفسه أو شرح أكثر مما يفعل، فطريقة تعامله تكشف عن نواياه بسرعة\. اقترب مني بخطوات سريعة وهو يقول بابتسامة واسعة "ما رأيك أن نذهب إلى السينما الليلة؟ سيكون عرضًا رائعًا \." كان من الواضح أنه متحمس جدًا، وكلماته المتسارعة لم تترك لي مجالًا للرفض\. لم أجب على الفور\. نظرت نحو روكاس، الذي كان يهز ذيله وكأنه ينتظر بدوره المشاركة في المغامرة\. جيمي وقف أمامي، عيناه اللامعتان تنتظران إجابتي بصبر طفولي\. لا أعرف ما إذا كانت ابتسامته هي التي أقنعتني أو فكرة الهروب من الحياة ليوم واحد\. "حسنًا، لكن لا أريد أن أتأخر\." قلت في النهاية، وتلقيت ضحكة رضا منه\. "لن نتأخر، أعدك\. سيكون رائعًا\! سأنتظرك هنا الساعة السابعة\." ثم انطلق جيمي مبتعدًا بخفة، يركض عائدًا إلى منزله، وكأنه قد حقق نصرًا صغيرًا\. مضيتُ في طريقي نحو الجامعة، حيث احتفظت بالأفكار التي شغلت عقلي طيلة الطريق\. عند بوابة الجامعة، ربطت روكاس بجانب إحدى الأشجار الكثيفة التي اعتاد أن يستلقي تحتها\. لم يكن لديه مشكلة في الانتظار كان هادئًا وصبورًا ،عيناه تتبعانني بحذر بينما أبتعد عنه\. دخلت مبنى الجامعة متجهًا نحو قاعة المحاضرات\. كنت أبحث عن مقعد هادئ على حافة القاعة، حيث اعتدت أن أجلس، بعيدًا عن الأعين\. جلست وأخذت أنظر إلى نوتاتي، أحاول استعادة بعض التركيز\.\. لكن فجأة، انتفض قلبي عندما سمعت خطوات مألوفة خلفي\. لم أحتاج إلى النظر لأعرف من القادم\. كانت كاندل، الفتاة التي كنت أتحاشى الحديث معها منذ فترة\. بقيتُ مطأطئ الرأس، محاولًا أن أبدو مشغولًا بنوتاتي، متمنياً ألا تلتقي أعيننا\. قلبت صفحات كتابي ببطء، كأنني أبحث عن شيء مفقود، رغم أنني لم أكن أقرأ شيئًا فعليًا\. شعرت بحركتها وهي تمر بجانبي، رائحة عطرها الخفيف تملأ المكان للحظة، تكفي لجعل قلبي يتسارع دون سبب واضح\. أبقيت رأسي منحنيًا، لكن وعيي بالكامل كان منصبًا على وجودها في القاعة\. كنت أراها في زاوية عيني، تشغل المقعد القريب من نافذة تطل على الحديقة\. كانت تضع كتبها بهدوء، وتميل قليلًا للأمام، متصفحة ملاحظاتها بتركيز لم أستطع الوصول إليه\.\.\. لأنَّها أخَذته كلُه\.\.\! بعد انتهاء الدرس، كنت على وشك الخروج من القاعة عندما سمعت خطواتها تقترب\. رفعت رأسي ببطء، وتفاجأت بكاندل تقف أمامي، ترتدي ابتسامة صغيرة\. "آرمين\.\.\. هل ترغب في الخروج في نزهة اليوم؟" قالتها بهدوء وكأنها تقدم عرضًا بسيطًا، لكنني شعرت بضغط تلك الكلمات يتزايد بداخلي\. حدقتُ بها مطولًا، الكلمات التي أردت قولها ترفض أن تتشكل\. شعرتُ بالتوتر يتصاعد، ومعه بدأت تلك الحركات اللاإرادية التي طالما حاولت إخفاءها\. التأتآت عادت، متسارعة وغير قابلة للتوقف\. نظرتُ إليها ورأيت عينيها تتسعان قليلاً وهي تراقبني بصمت، لكنها لم تتحرك\. التأتآت استمرت، وكانت بالنسبة لي كسر لوقار اللحظة\. تذكرتُ حينما ضحكت عليّ في السابق أمام زميلاتها وقالت إنها "يئست من كتم ضحكتها" عندما كنت أتأتئ\. وأخيرًا، بعد أن سيطرتُ على نفسي، نطقتُ بصوت متهدج ومختنق بالمشاعر: "لا داعي لكتم ضحكتك عليّ\.\.\. كما قلتِ سابقًا\." كانت الكلمات تخرج مشحونة بالغضب المكبوت الذي حاولت جاهدًا أن أخفيه طيلة هذا الوقت\. لم أنتظر ردها، ولم أرغب في سماعه\. أخذت حقيبتي بسرعة، مشيت بعيدًا عنها تاركًا إياها خلفي، وأحسست بنظرتها المثبتة عليّ، دون أن ألتفت\. عدتُ إلى المنزل بعد يوم طويل، ووجدت روكاس ينتظرني عند الباب، يهز ذيله بحماس كعادته\. وضعت حقيبتي جانبًا واتجهت إلى المطبخ\. كانت هناك صمت مريح يغمر المكان، لا شيء سوى صوت أنفاس روكاس الهادئة\. فتحت الثلاجة وبدأت بتحضير شطائر الجبن والطماطم لي ولجيمي، بما أننا سنذهب للسينما الليلة\. كانت هذه الوجبة البسيطة من مفضلاتنا؛ دائمًا ما تذكرني بالأيام التي كنا نقضيها معًا، نضحك ونتحدث لساعات وضعت الجبن فوق شرائح الطماطم بدقة، كما أحب أن تكون الشطائر مثالية\. ثم، ألقيت نظرة على القدر الصغير الموجود على الموقد\. بدأت في تحضير القليل من الفوشار، وهو عنصر أساسي لأي رحلة إلى السينما\. رائحة الفوشار بدأت تنتشر في المنزل\.\. بينما كنت منشغلًا في إعداد الشطائر، شعرت فجأة بيد ثقيلة تحط على كتفي\. تجمدت في مكاني للحظة، أتنفس بصعوبة وكأنني توقعت هذا اللمس منذ زمن\. لم أحتج إلى الالتفات لأعرف من هو تلك القبضة القاسية التي كانت دائمًا تحمل ثقل العالم على كتفي لم تكن إلا يد أبي\. "ماذا تفعل؟" جاء صوته خافتًا، لكنه يحمل في طياته التوتر والغضب المعتاد\. أخذتُ نفسًا عميقًا وحاولت الرد بهدوء "أعد شطائر لي ولجيمي\.\.\. سنذهب للسينما الليلة\." لكنني لم أكن بحاجة إلى النظر إليه لأعرف ما يدور في رأسه\. كانت يداه لا تزالا تضغطان بقوة، كما لو كان يحاول استعادة السيطرة على اللحظة\. شعرت بتوتره، ذلك التوتر الذي طالما شعرت به كلما كان قريبًا\. لم يكن أبي من أولئك الذين يتركونك تمر بسلام\. كان دائمًا يجد خطأً في كل شيء، وكان تعنيفه لي شيئًا معتادًا\. "السينما؟" قال بتهكم، وهو يسحب يده عن كتفي بقسوة\. "تضيع وقتك في التفاهات، بينما لا تستطيع حتى أن تتحدث بشكل طبيعي\." لم يكن الصوت وحده كافيًا لإيصال الألم؛ كانت الكلمات تجلدني كما لو كانت أكثر قسوة من أي ضربة\. "أنت السبب في كل هذا\!" قالها بحدة وهو يضربني على وجهي بكفٍ ثقيل، ضربة تبعتها أخرى كأنها موجة من الغضب الذي لا نهاية له\. شعرت بحرقة في خدي، لكن الألم الأكبر كان ينبع من الكلمات التي تلتها\. "أنت السبب في موت أمك\!" نطقها وهو ينظر إلي بعينين تشتعلان بالغضب، وكأنني السبب الحقيقي وراء كل شيء سيء في حياتنا\. تلك الكلمات اخترقتني بعمق، تجمدت في مكاني، غير قادر على الحركة\. دائمًا ما كنت أعيش تحت هذا الظل، ظله، وظل تلك الاتهامات التي لا يمكن الهروب منها\. لطالما كان يعيد نفس الجملة، كأنني المسؤول عن ذلك اليوم المظلم، وكأنني أستحق كل ضربة وكل كلمة جارحة\. اشتدت الأمور سوءًا في لحظة\. بدأ أبي فجأة في التلويح بذراعيه بغضبٍ أعمى، وأمسك بالأواني على الطاولة وبدأ بتكسيرها واحدة تلو الأخرى\. صوت التحطم كان كالرعد في أذني، وجعل كل شيء حولي يتصدع\. الزجاج والأطباق تناثرت على الأرض، وكأنها تمزق الأمان الذي حاولت بناءه في تلك اللحظة البسيطة\. ثم نظر إلى الشطائر التي أعددتها بعناية، وبحركة سريعة ومليئة بالغضب، رمى بها أرضًا\. الخبز، الجبن، والطماطم تناثرت أمامي، وكأنها رمز آخر للدمار الذي يحيط بي دائمًا\. "غِب عن ناظري\!" صرخ بصوتٍ أجش، وملأته الكراهية\. عيناه تشتعلان بغضبٍ لم أعد أفهم مصدره، وكأن وجودي نفسه كان يثيره بشكل لا يُطاق\. خرجتُ من المنزل بسرعة، والدموع تتساقط على خدي بلا توقف\. كانت قدماي تتحركان وكأنهما تبحثان عن مهرب من كل شيء، لكن الألم كان يلاحقني أينما ذهبت\. الهواء البارد لامس وجهي، لكن الدفء الذي عادة ما يكون مريحًا كان مفقودًا هذه المرة\. كل شيء كان يتآمر عليّ، حتى نفسي\. شعرتُ بالتأتآت تتزايد، كأنها تنهش في كلماتي وتحولها إلى قطع متقطعة من أفكار غير مكتملة\. كل كلمة حاولتُ أن أقولها في ذهني كانت تتعثر، تتشجن، وكأن جسدي يرفض التعاون معي في تلك اللحظة\. "ه\.\. هل أنا\.\.\. السبب؟" تمتمتُ بصوت خافت، بينما كانت الدموع تنساب بحرارة على وجنتي\. تكررت في رأسي تلك الكلمات القاسية، تلك التهمة التي ألصقها بي أبي منذ سنوات\. هل أنَا حقًا السَّبب فيما حدث لأمي؟ هل كان وجودي هو الخطأ الذي أفسد كل شيء؟ كانت تلك الأسئلة تتردد في رأسي كصدى لا ينتهي، تجتاحني موجة جديدة من التوتر\.\.\. كانت أناملها تُمسك بالصفحة دون أن تقلبها\. لم تكن تقرأ، بل تغرق في فراغٍ رماديّ يتسرّب من بين الحروف\. لكن وقع خطواتٍ خفيفة قطع خيط أفكارها\. "علمت أنني سأجدكِ هنا\." رفعت كلاريسا رأسها ببطء، وفي عينيها بقايا ابتسامة لا تجرؤ على الاكتمال\. دخلت الآنسة غابرييل بهدوء يُشبه النسيم، ولم تقل شيئًا في البداية\. وقفت تراقبها للحظة، ثم تقدّمت بخطوات خفيفة وهمست: "ما رأيك أن نذهب إلى مكاننا المعتاد؟" رفعت كلاريسا عينيها، وعلى طرف شفتيها لمعة من الذكرى: "تحت شجرتنا؟" ابتسمت غابرييل وأومأت: "لم أعد أطيق جدران المكتبة\.\.\. وأظن أن الشجرة تشتاق إلينا\." سارتا بخطى هادئة إلى الحديقة الخلفية، حيث تقف شجرة السرو العتيقة\. جلستا تحتها كما اعتادتا دائمًا، على المقعد الخشبي\. كانت الريح تداعب أوراق الشجرة، وأشعة الشمس تتسلل على استحياء بين الأغصان\. "لمَ لم تنضمي إلى باقي الفصل في الترتيب لحفل توديعي؟" تردّدت كلاريسا لحظة، ثم تمتمت بصوت خافت: "لا أحبّ الوداع\." أطرقت غابرييل، وابتسمت تلك الابتسامة التي يُخفي خلفها الكبار وجعهم حين لا يستطيعون البقاء\. "أتعلمين، كنت في مثل سنّك أقول الشيء نفسه\.\.\. لكنني اكتشفت لاحقًا أن الحياة ليست في البقاء، بل في الأثر الذي نتركه حين نغادر\." صمتٌ صغير تسرّب بينهما، ثم تابعت "أنتِ في الثامنة عشرة يا كلاريسا، بالكاد بدأتِ العيش\. أمامكِ كل شيء\.\.\. الوقت، والفرص، وحتى الفوضى الجميلة التي ترافقنا حين لا نعرف إلى أين نمضي\." رفعت كلاريسا عينيها، ونظرت إليها مباشرة، وقالت بصوت خافت لكنه حاسم: "لكنكِ قلتِ مرة إنك ستبقين في هذه المدرسة حتى تتقاعدين\.\.\." أجابت غابرييل بنظرة مائلة بالحزن والصدق: "وأحيانًا، الحياة تجرّنا نحو منحدرات لا نريدها\.\.\. لكننا نمضي، لأن الركود موت من نوعٍ آخر\." ساد بينهما صمت عميق، لا يحتاج إلى تبرير\. ثم، مدّت غابرييل يدها ولمست راحة كلاريسا برفق: "فقط تذكّري، لا بأس إن شعرتِ بالضعف\.\.\. لا بأس إن تهتِ قليلاً\.ما دمتِ تملكين صوتًا يكتب، فثمة دائمًا طريق يعود بك إلى نفسك\." لم ترد كلاريسا\. لكن ملامحها خفّت، كأن حملًا خفيًّا أُزِيح عن كاهلها\. "حين كنت في سنّك، كنت أختبئ في المكتبات أيضًا\.\.\. ظننتُ لوقت طويل أن الوحدة تحميني، قبل أن أكتشف أنها كانت تلتهمني بصمت\." ابتسمت كلاريسا بخفة، ابتسامة بالكاد تظهر\. "لكنها أهدأ من الضجيج\.\.\. أهدأ من الناس، ومن أسئلتهم\." أومأت غابرييل، ثم نظرت إليها طويلاً قبل أن تقول: "ربما\. لكنّكِ لستِ مطالبة بإخفاء نفسك طوال الوقت، كلاريسا\.أحيانًا، مشاركتك لألمك مع شخصٍ واحد فقط، يُخفف من ثقله أكثر مما تتخيلين\." نظرت كلاريسا إلى يدها، وكأنها تمعن التفكير في كلماتها\. لم تكن تُجيد فتح الأبواب، لكنها حفظت شكل المفاتيح\. وقفت الآنسة غابرييل ببطء، ثم أخرجت من جيب معطفها ظرفًا صغيرًا بلون عاجيّ، وناولته إياها\. قالت بنبرة خافتة: "رسالة\.\.\. كتبتها خصيصًا لكِ\. لكن لا تفتحيها هنا\.اقرئيها حين تعودين إلى المنزل\.\.\. فقط عندما تكونين وحدك\." أخذتها كلاريسا بيدٍ مترددة، كأنها تمسك بشيء هشّ لا تعرف ما يخفيه\. التقت نظراتهما لثانية، صامتة\.\.\. عميقة\.\.\. ثم مضت الآنسة غابرييل، تمشي بخطوات بطيئة، وكأنها تودّع أكثر من مجرد مكان\. ظلت واقفة تحت الشجرة وحدها، تُمسك بالظرف كما يُمسك أحدهم بسرّ لا يعرف إن كان يريده أو يخشاه\. الريح مرّت على أطراف أصابعها بخفة، كأنها تهمس لها بشيءٍ ما، لكنها لم تُنصت\.\.\. كانت عيناها ثابتتين على الأرض، شاردة كأنها في مدارٍ بعيد\. وفجأة، ارتجف شيءٌ داخلها\. واتَّسعت عَينَاهَا دفعة واحِدة\.\.\. الدَّفتَر\! شهقت شهقة خفيفة، والتفتت بسرعة، ثم انطلقت راكضة نحو المكتبة، تركض كمن ترك قلبه خلفه فجأة دون أن ينتبه\. فتحت الباب بعنفٍ خفيف، جالت بنظرها في المكان كمن يبحث عن شيء نسيه منذ زمن\. رأته هناك، على الطاولة الخشبية التي لطالما جلست إليها\. يدها امتدت بسرعة، أمسكت به\.\.\. فتحته\. ثم توقفت يدها، وهدأ كل شيء حولها في لحظة كأن العالم سُحب من تحت قدميها\. صَفحة مُمزَّقة\!\. الصفحة التي كانت تلي اليوم الذي قرأته\.\.\. تمامًا الصفحة التالية\.\. ظلّت تحدّق بالفراغ الذي تركه التمزق، كأنّه ثقب أسود ابتلع شيئًا ثمينًا\. لم يكن هذا تمزقًا عشوائيًا\. القطع نظيف من الحواف، دقيق جدًا، ليس كما تفعل الريح أو عبث الأصابع المرتبكة\. بل كما يفعل من يعرف جيدًا ما يريد أن يخفيه\!\. شهقت بصمت، ثم ضغطت على فمها، وارتجف رمشها للحظة\. مَن\.\.\.؟ ضربت الطاولة بقدمها فجأة، كأنها ترفض أن تُعامل كساذجة\. مَن غَيرها كان يعرف بوجود الدَّفتر؟ لم تُخبر أحدًا\. لم يرَه أحد وهي تحمله\. فمن فعل ذلك؟ تجولت عيناها بين الرفوف لا أحد\.\.\! فقط هي الوحيدة هنا \! راحت أناملها تمرُّ على بقايا الورقة الممزقة، ببطءٍ، كأنها تحاول أن تُعيدها من العدم، أن تَبعث شيئًا انكسر واختفى\. ثم عضّت شفتها السفلى بقلق، وألقت نظرة حولها من جديد\.\. هل كانت الصفحة ممزقة من قبل؟ أيعقَل أنني لم ألاحظ؟ لكنني قلّبت الصفحات بترتِيب… كنت أعلم أن الصفحة التالية لم أقرأها بعد\.\.\. كيفَ غفلت؟ شعورٌ غريب تسلل إلى جسدها، شيء يشبه الذنب، لكنه ليس منها\.\. شعور بأن أحدهم كان هنا\.\.\. ولم يترك أثرًا سوى الغياب

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أَسطُر مُتعَبة

المؤلف Loly rose
2025/07/18 مستمرة
قائمة الفصول (6)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة