الوجوه التي لم تنم.

الوجوه التي لم تنم.

26 0

الفصل الثالث: الوجوه التي لم تنم

"لكلّ وجهٍ لم ينم، قصةٌ مخنوقة... وأحيانًا، قاتل ينتظر خلف العينين."

-----

أحب الليل.

ليس لأنه يخفي آثار قدمي، بل لأنه الوقت الوحيد الذي تتكشّف فيه الوجوه الحقيقية.

في النهار، يتقن الناس فن التجميل بالكلمات، الأقنعة، الضحكات المجاملة.

لكن حين تهدأ المدينة وتغفو الشوارع، يبدأ الليل بالوشوشة... كأنه يكشف لي من يجب أن يختفي.

كان "ايريس" يعمل محاسبًا.

رجلًا في منتصف الأربعينات، أنيقًا في بدلة رمادية، يحمل في عينيه حيادًا مُصطنعًا.

يمشي كل صباح إلى مقرّ عمله، يحمل قهوته في كوب بلاستيكي، يبتسم للحارس، يوقع في دفتر الحضور.

لكنني رأيت فيه ما لم يره أحد.

رأيته يخرج بعد منتصف الليل، يتسلل إلى أحياء المهمشين، حيث تنام العاملات في غرف بلا أقفال.

رأيته يشتري أجساد الفقيرات كما يشتري أحدهم قميصًا مستعملًا من سوقٍ خاسر.

كان يعتقد أنه غير مرئي.

لكنني كنت ظلّه. كنت انتظره.

في إحدى ليالي الخميس، وبينما تغفو المدينة على وقع برامج مملة وأحاديث باهتة، قررتُ أن أنهي صفقته.

راقبته من بعيد.

كان يضحك مع أحد الباعة، يساوم على سعر ساعة رخيصة.

عيناه لا تضحكان.

عيناه تمسحان النساء، كما يمسح الذئب الحشائش باحثًا عن الضعيف.

كنت أقف على بُعد ثلاثين خطوة.

في جيبي، مقبض حديدي بارد، وفي عقلي ترتيلة لا يسمعها سواي.

اتّبعتُه.

دخل زقاقًا ضيقًا قرب الورشة القديمة.

أخرج هاتفه، وأرسل رسالة.

أظنه كان يطلب "موعدًا".

اقتربت.

خطوة... فخطوة.

سمع صوت نعليّ على الإسفلت، فالتفت.

ابتسم تلقائيًا، تلك الابتسامة النصف ميّتة التي يوزعها الرجال حين يعتقدون أنهم الآمنون.

قلت له:

"هل أخبرت ابنتك أنك تعرف طريق هذا الحيّ؟"

عبس.

توترت شفتاه.

ثم تمتم: "من أنت؟"

لم أُجب.

لا أجيب الضحايا حين يسألون عن اسمي.

أنا لست شخصًا في روايتهم... أنا الخاتمة.

ضربته في صدره أولًا، لكتم الصرخة.

ثم في رقبته، حيث يختنق الصوت ويتحشرج الرجاء.

كان جسده خفيفًا، كأن خطاياه سبقت روحه وهربت.

وحين سقط، سحبت جسده خلف الحائط، كما تُسحب ورقة من دفتر مملوءٍ بالكذب.

جلست قربه.

نظرت إليه، وكان يتوسل بصوتٍ لا يسمعه سواي.

"أنا آسف..."

قالها متأخرًا.

كما يقولها كلُّهم حين يرون اللون الذي لا يمكن غسله: لون الموت.

سحبت دفتري.

سجلت اسمه: "ايريس - الزائف."

الساعة: 1:46 فجرًا.

السبب: استغلال البشر.

الموقع: الزقاق القريب من سوق الحي.

ثم رسمت خطًا تحت اسمه.

كما أفعل دائمًا.

كما يفعل كل من ينهي مهمةً واثقًا من استحقاقها.

عدت إلى شقتي دون أن يلحظني أحد.

لا كاميرات، لا شهود، لا تردّد.

لكن ذلك المساء، ولأول مرة... شعرت بشيء مختلف.

كأن أحدًا كان يراني من بعيد.

كأن هناك ظلًّا غير ظلّي يتسلّل خلفي... يهمس باسمي الذي لم أنطقه.

في اليوم التالي، وردني خبرٌ صغير في الجريدة:

"العثور على جثة رجل مجهول في زقاقٍ مهجور... الأسباب غير معروفة."

وكنت أعلم أن الشرطة لن تهتم.

فالأحياء التي يموت فيها أمثال طلال لا تُعتبر جديرة بالتحقيق الجاد.

كان هذا هو ضعفي الأقوى:

"أعرف بالضبط أين ينام القانون... ومتى يغفو."

لكن هناك من لم يكن نائمًا.

رجلٌ يلبس الرمادي، ويحمل في قلبه أسئلة لا تشبه الأسئلة العادية.

رجلٌ بدأ يشكّ في أن "الحوادث" متكررة أكثر من اللازم.

------

أطفئ الضوء...

واسمح لظلّي أن يتمدد تحت جلدك.

---------

يتبع...

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

تراتيل الظل|| shadows hymns

المؤلف Aleen
2025/08/15 مكتملة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة