نزيف الذاكرة.

نزيف الذاكرة.

23 0

الفصل السابع: نزيفُ الذاكرة

> "حين تهرب من ماضيك، تأكّد أنّك لم تترك الباب مفتوحًا... فالذاكرة تعودُ دومًا، لا كضيفٍ، بل كجلاّد

من خواطر لويس، المحقّق .

---

في الليل، حيث لا فرق بين صوت الريح وصوت الدم، استيقظتُ وأنا ألهث.

العرق يبلل الوسادة، وجدران غرفتي تبدو أقرب… أقرب مما ينبغي، كأنها تُطبق عليّ.

رأيت في الحلم طفلاً.

لا وجه له.

يمشي على أرضٍ رخوة، تغوص فيها قدماه، يحمل على ظهره حقيبةً مليئةً بصورٍ مقطّعة…

صورًا لضحاياي.

ثم التفت إليّ، وبصوتٍ لا يصدر من فم، بل من عمق الفراغ، قال:

> "لِمَ لمْ تقتلني أنا أيضًا؟"

---

استيقظت.

والليل لا يزال ساكنًا، لكن في داخلي… زلزالٌ لا يُرى.

هل بدأتُ أضعف؟

هل بدأتُ أتذكّر؟

---

جلست إلى مكتبي، وفتحت الدفتر الأسود.

ذاك الذي أسجل فيه أسماء من "طهّرتهم".

لكن اليوم… لم أكتب اسمًا.

بل رسمتُ.

رسمت وجه ذلك الطفل، الذي بلا ملامح، والذي لا ينام في الحلم… ولا في الواقع.

---

كل قاتلٍ يحمل ندبةً لا يراها سواه.

وأنا… صارت ندبتي تتمدد كخرابٍ في جدار العقل.

---

من جهةٍ أخرى، كان لويس  قد بدأ يشعر بأن خيوط اللعبة بدأت تشتبك، لا في ملفاته، بل في داخله.

لويس، الذي لم يكن يومًا محقّقًا عاديًا.

كان يحمل في قلبه عبءَ الفهم لا الرصد.

وكان يرى الجرائم لا كأرقام، بل كمرآةٍ مُرّةٍ لحقيقةٍ لا يريد أحد مواجهتها.

في صباحٍ كئيب، جلس لويس في مكتبه، شاردًا.

أمامه، تقاريرُ ثلاث جرائم متتالية، آخرها جريمة "جيك"، وأغربها جريمةٌ حديثة:

رجلٌ يُدعى "ريكاردو "...

تُوفي خنقًا.

لا جروح، لا أدوات، لا أثر،

والمُفاجأة:

كان بلا سجلٍ إجرامي ظاهر.

---

قال أحد المحقّقين الجدد باستخفاف:

> "ربما القاتلُ ارتكبَ خطأً لأول مرة. قتل بريئًا."

لكن لويس لم يردّ، بل حدّق طويلًا في صورة "ريكاردو".

ثم همس لنفسه:

> "أو ربما… بدأ القاتلُ يتساءل مثلي: هل كل مذنب يستحق الموت؟ وهل كل بريء… بريء حقًا؟"

---

في المساء، تلقّى لويس مظروفًا بلا ختمٍ كعادته، بداخله رسالة مكتوبة بخط مألوف، بخط الظلّ.

---

> "لويس…

هذه المرة، لم أقتل مجرمًا مُعلنًا.

بل رجلًا نظيف السجل…

لكنه باع أخته لطفلٍ ثريّ حين كانا في الطفولة.

هل يُحسب ذلك؟

لا يهم.

أنا لا أطلب رأيك… بل أضعك أمام مراياك.

أنت تعرف أنّ الطهارة نادرة، والذنبُ يُمحى بالماء، لكنني أُفضّل الدم.

السؤال الآن ليس: من التالي؟

بل: من أنت… قبل أن تُصبح محققًا؟"

---

جلس لويس مطولًا، وأخرج من درج مكتبه صورة قديمة:

وجهه في بداية عمله، بعينين مفتوحتين على الأمل، وبقلبٍ لم يعرف بعد أنّ الحقيقة ليست دائمًا قابلة للحسم.

ثم همس:

> "أنا… مجرد رجلٍ يُطارد ظلًّا،

لكنه بدأ يُشبهه شيئًا فشيئًا."

---

في الليلة التالية، كنتُ أنا أيضًا جالسًا في الظلمة.

أشعر بشيءٍ لم أعرفه من قبل.

ليس الرغبة في القتل…

بل التردد.

أيعقل أنني بدأتُ أخشى داخلي؟

أيعقل أن الرسائل التي أكتبها… ليست له، بل لي؟

هل كل جثة… تُقرّبني من الحقيقة، أم تُبعدني عن نفسي؟

---

رحتُ أتمتم كمن يُعيد تلاوة نبوءةٍ قديمة:

> "إذا نظرت طويلًا في هاوية النفس…

فإن النفس، لا الهاوية، هي التي تبتلعك."

---

أطفئ الضوء…

واسمح لظلّي أن يتمدد تحت جلدك.

----------

يتبع...

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

تراتيل الظل|| shadows hymns

المؤلف Aleen
2025/08/15 مكتملة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة