وجوه لا تنزف

وجوه لا تنزف

25 0

الفصل التاسع: وجوهٌ لا تنزف

> "أسوأ الموت ليس أن تُسفك دماؤك، بل أن تُمحى ملامحك دون أن يراك أحد... أن تموت حيًّا قبل أن تُدفن."

— من تأمّلات أورلاندو إيزاكييل، المُلقّب بالظل

---

لا شيء في تلك الليلة كان يشبه سابقاتها.

لا الضحية، ولا الدافع، ولا حتى السكين.

كنت أمشي في شوارع المدينة كما لو أنني ألتمس من الأرصفة إجابةً لم تُكتب بعد.

الوجوه من حولي كانت تائهة، باهتة، صامتة…

لكنّ وجهًا واحدًا شدّني دون سابق إنذار.

فتاة في العشرينات، تسير وحدها في شارعٍ خافت الإضاءة، ترتدي معطفًا رماديًا، وعلى كتفها حقيبة كتب.

لم تكن تبدو ضحية.

بل بريئة، غافلة، مثل نغمةٍ لم تُعزف بعد.

لكنني شعرت بشيءٍ غريب…

لماذا لا أستطيع أن أشيح بنظري عنها؟

ولماذا… شعرت أنها تُشبه أختي؟

---

عدتُ إلى شقتي تلك الليلة، بلا جثة، بلا دم، وبحيرةٍ لا تشبهني.

هل فقدتُ الحدس؟

هل خانتني "التراتيل" التي اعتدت سماعها في داخلي؟

أم أنّني… بدأت أراهم بعيونٍ أخرى؟

---

مرّت أيامٌ ثلاثة دون أن أخرج.

أغلقت الستائر، غفلت عن الوقت، ولم أكتب سطرًا في دفتري.

كنت كمن دخل طقس صمتٍ ثقيل، لا يسمع فيه سوى صوت الخدش في داخله…

ذاك الصوت الذي لطالما تجاهلته.

---

في اليوم الرابع، تلقيتُ رسالةً لم أنتظرها.

ليست من لويس…

بل من مجهول.

ظرفٌ صغير فيه صورة.

ليست صورة جثة…

بل صورتي.

أنا.

أمام المبنى القديم، حيث قتلتُ "جيك".

أنا… ملتقطٌ بعدسةٍ محترفة، من زاويةٍ لا أعرفها.

ومع الصورة، ورقة قصيرة:

> "نعرف من أنت.

أنت لست ظلًّا…

بل ضوءًا ساطعًا في فضيحةٍ دولية.

نريدك أن تعمل معنا… أو نصمتك."

---

كانت تلك اللحظة هي نقطة الانقلاب.

كنت أظنّ نفسي وحيدًا في العالم، خارجه.

لكني نسيت أن الوحوش ليست وحدها…

بل هناك من يراقبها، يريدها… يسخّرها.

---

المنظمة.

اسمها لا يهم.

لكنها تسعى لتجنيد من هم مثلي.

لتحويل القتل من "طقسٍ تطهيري" إلى "سلاحٍ سياسي".

---

رفضت.

طبعًا رفضت.

لكنّي لم أرسل لهم رفضًا… بل ردًّا بالنار.

ذهبت إلى أحد فروعهم السرية، في مبنى بلا لافتة.

تسلّلت، رأيتهم، واحدًا واحدًا.

رجال بوجوه أنيقة، يقتلون بالكلمات والتواقيع، لا بالسكاكين.

اخترت واحدًا.

"فالنتينو غراي"… مسؤولهم في الشرق.

دعوتُه إلى لقاءٍ خاص…

وتظاهرت بأنني وافقت.

جلس أمامي، ببدلته السوداء ونظرته الساخرة.

قال لي، بثقة:

> "كفى طقوسًا يا أورلاندو…

نحن نقدّم لك شرعيةً، لا سجنًا."

فأجبته، بصوتٍ رخيم:

> "أن تكون شرعيًا في عُرف القتلة… هذا هو السجن بعينه."

ثم أخرجت السكين.

لم أُطعنه مباشرة.

بل وضعت السكين بيننا، وقلت:

> "اختر:

إمّا أن تجرح بها يدك…

أو أجرح بها عُنقك."

نظر إليّ، ولم يتحرك.

فعلتها.

غرسْتُ السكين في حنجرته، وراقبتُ الدّم كما يسيل من تمثالٍ عاجيٍّ مكسور.

---

غادرت المكان.

لم أكتب اسمه في دفتري.

لأنه لم يكن قربانًا… بل تحذير.

---

أرسلتُ رسالة أخيرة إلى لويس.

---

> "لويس…

إنّ ما كنت أفعله، كان باسم الطهارة.

لكنني الآن أدرك أنّ الدم، حين يُراق من أجل أيّ شيءٍ سوى الحقيقة،

فإنه يفقدُ قدسيّته.

هذه المرة، الدم ليس طقسًا.

بل ثورة."

---

في اليوم التالي، استيقظ لويس على اتصالٍ عاجل:

> "وجدنا جثة مسؤول دوليّ في غرفته الخاصة…

لا كاميرات، لا شهود…

والسكين مغروسة في لسانه."

---

ابتسم لويس.

لكن ابتسامته لم تكن رضا…

بل دهشة.

> "الظل… لم يعد ظلًّا.

لقد بدأ يُصبح نورًا قاتلًا."

---

أطفئ الضوء…

واسمح لظلّي أن يتمدد تحت جلدك.

---------

يتبع...

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

تراتيل الظل|| shadows hymns

المؤلف Aleen
2025/08/15 مكتملة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة