طقس الانكشاف.

طقس الانكشاف.

27 0

الفصل الثامن: طقسُ الانكشاف

"كلُّ من أصرَّ أن يكون باحثًا عن الحقيقة، عليه أن يخلع قفّازيه، ويدخل النار حافيًا."

— من مراسلات الظل إلى لويس

ما قبل المواجهة، ليس هدوءًا… بل تحضيرٌ للانفجار.

في تلك الليلة، حيث المطر يطرق الزجاج كما يطرق الندم أبواب الذاكرة، جلس لويس في شقته المعلّقة فوق المدينة، والورق منثور حوله كأطلال حكايات لم تُكتمل.

كان يقرأ الرسائل مجددًا…

يحفظ الخط، النبرة، الاستفزاز، والدهشة التي تعتصر قلبه في كل سطرٍ يُصاغ بلغة قاتلٍ لا يُشبه القتلة.

ثم جاء الظرف، كعادته.

رمادي، بلا عنوان.

لكن هذه المرة…

احتوى شيئًا لم يتوقعه.

قرصًا صغيرًا.

وشريطًا مُسجّلًا بصوتٍ لم يسمعه من قبل، لكنّه يعرفه:

صوت "الظلّ".

ضغط "تشغيل".

وانبعث الصوت… هادئ، عميق، خالٍ من التردد:

"مساء الخير، لويس.

هذه المرة، لن أُرسل لك قتيلًا، بل فكرة.

تعرفُ أني أراك. وأراك تقترب.

لكنك لم تفهم بعد.

أنت لا تطارد قاتلًا.

أنت تُطارد الجزء الذي دفنته فيك منذ سنين…

الجزء الذي أراد يومًا أن يفعل ما أفعل أنا الآن."

لويس شهق بصوتٍ خافت.

صوت الرجل كان مألوفًا بطريقةٍ مخيفة.

كأنه… يعرفه. ليس كخصم، بل كمرآة.

واصل الظل التسجيل:

"سأقول لك شيئًا، ولأول مرة:

في السادسة من عمري، رأيتُ أمي تُقتل أمامي.

رجلٌ ذو بدلة، صاحبُ نفوذٍ واسم، فعلها، وابتسم، وخرج كما لو أنه دهس نملة.

لم يحقق أحد. لم يُسجن أحد.

ومنذ تلك اللحظة… لم أعد أثق في العدالة.

بل قررتُ أن أكون أنا العدالة، بصيغتي…

الصيغة التي لا تحترم الأقنعة، ولا تُراهن على الزمن."

توقف الصوت لثوانٍ، ثم استأنف بنبرة أهدأ:

"أنا لا أقتل رغبةً… بل إيمانًا.

أقتل من لا يُمكن إصلاحه.

أقتل لأن القانون لا يعرف أن يُحاسب القلوب.

وأنا، يا لويس، أقرأ القلوب."

تنهّد لويس، ومرر يده على وجهه.

كأنه قرأ الآن أول سطرٍ حقيقي في ملف هذا القاتل.

لم يكن مجرد مريض.

بل كان يحمل رسالة.

رسالة قاتمة… لكنها مكتملة البناء.

ثم أتت الجملة الأخيرة:

"سأراك، يا لويس.

لا خلف الزجاج، بل على الطاولة ذاتها.

أنت تسألني دومًا: من أنا؟

اسأل نفسك: من كنتَ لتكون… لو لم تكن في الجانب الآخر من الطاولة؟

الظل."

أسند لويس رأسه إلى الكرسي.

صوت المطر يزداد، والسؤال الذي يقرع رأسه لا يصمت:

"ماذا لو كنت أنا في مكانه؟

في حياةٍ غير حياتي…

هل كنت سأقتل أيضًا؟"

صباح اليوم التالي، ذهب لويس إلى غرفة الأرشيف القديم.

طلب ملفًّا خاصًا، عليه ختمٌ قديم واسمٌ نسيه الزمن:

"أورلاندو "

صفحات الملف مصفرّة، مكتوبة بيدٍ خائفة.

لكن الاسم أعاد إليه كل شيء.

الطفل اليتيم الذي شهد جريمةً وأُهملت قضيته.

الطفل الذي… لم يحصل على فرصةٍ للإنصاف.

الطفل الذي… صار الظل.

-------

أطفئ الضوء…

واسمح لظلّي أن يتمدد تحت جلدك.

--------

يتبع...

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

تراتيل الظل|| shadows hymns

المؤلف Aleen
2025/08/15 مكتملة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة