الفصل العاشر والأخير: الصمت يُصلّي
"حين تنفد الكلمات، لا يبقى للقاتل ولا للمحقّق إلا الصمت…
والصمتُ، كما تعلم، لا يصدر عن فراغٍ، بل عن امتلاءٍ قاتل."
— من الصفحة الأخيرة في دفتر أورلاندو
كانت المدينة تمطر.
لكنها لم تكن تمطر ماءً…
كانت تمطر أسئلةً مُعلقة، وخطايا مُرحّلة، واعترافاتٍ لم يكتبها أحد.
في تلك الليلة، قررت ألا أهرب.
بل أن أترك النهاية تأتيني، كما يأتي المصلّون إلى آخر ركعة، دون استعجال، ودون رجاء.
في شقتي المجهولة، التي لم يزرها أحد منذ سنين، أغلقت النوافذ، وارتديت قميصًا أبيض ناصعًا، لم تمسّه الدماء قط.
جلست على الأرض، لا على الكرسي.
كأنني طفلٌ يعود إلى رحم الأرض قبل أن يُبعث من جديد.
وأخرجت دفتري الأسود.
صفحة أخيرة، واحدة فقط، بلا عنوان.
كتبتُ فيها:
"أنا لست قاتلًا.
أنا رجلٌ فقد كلّ شيءٍ وهو صغير…
ثم أمضى عمره يحاول أن يقتصّ، لا للضحايا فقط، بل لطفله الذي لم يُنصفه أحد.
أنا لا أطلب غفرانًا…
فقط أريد أن يُفهم وجعي، قبل أن يُحاكمه القانون."
ثم وضعت الدفتر على الطاولة.
وبجانبه، ظرفٌ مفتوح، فيه كل المستندات، التسجيلات، الرسائل، الأسماء، والاعترافات.
طرقات على الباب.
دقيقة صمت…
ثم دخل لويس.
وحده.
بلا شرطة، بلا أسلحة، بلا قيد.
نظر إليّ.
نظرت إليه.
لم نتحرّك.
الصمت كان أبلغ من أي جملة.
هو من تكلّم أولًا.
لويس:
"ظننت أنك ستواصل اللعبة."
أورلاندو:
"وهل رأيت قاتلًا يصنع خاتمةً؟
معظمهم يموتون في منتصف الجملة."
لويس (بتنهيدة):
"ولماذا الآن؟"
أورلاندو:
"لأنني أدركت أن الموت ليس على يد القانون هو النهاية…
بل حين تكفّ يدي عن الكتابة.
وأنا… انتهيت من الكتابة."
تقدّم لويس بخطوات بطيئة، التقط الدفتر، وقرأ السطر الأخير.
رفع عينيه نحوي، وسأل:
"هل تندم؟"
أورلاندو (بهدوء):
"لا.
لو عاد بي الزمن، لربما فعلتُ أكثر.
لكنني… متعب، لويس.
والعدالة التي أردتُها، كانت أثقل من ظهري."
جلس لويس أمامه، ووضع دفتره الخاص على الطاولة.
وقال:
"لن أكتب فيك تقريرًا.
سأكتبك كرواية."
أورلاندو (مبتسمًا لأول مرة):
"لكن النهاية ستبقى غامضة، أليس كذلك؟
هل انتحرت؟ هل سُلّمت؟ هل فُقدت؟"
لويس:
"بل سأسميها:
تراتيلُ الظلّ
وأدع القراء يقررون… من كنت."
في اليوم التالي، دخلت الشرطة الشقة، فوجدوها فارغة.
الدفتر على الطاولة.
القهوة باردة.
والنوافذ مفتوحة.
لا دماء.
لا أثر.
فقط… صمتٌ يصلّي.
-----
"اختفى الظلّ… لكن الحكاية بقيت تحترق في العيون التي قرأته."
----------
النهاية.
Aleen