الفصل السادس: سُهادُ الرقيب
> "في سُهادِ العارفين، لا ينامُ الشك، بل يتمددُ مثل حيّةٍ تُراود نارًا لا تنطفئ."
— من تقارير المحقّق لويس (غير المنشورة)
---
في الطابق العاشر من مبنىٍ رماديّ، خافت الإضاءة، على حافة وسط المدينة التي تتنفس ببطء، جلس لويس وحده، مُحدِّقًا في الجدار المقابل، حيث علّق صور الضحايا، كأنها مقاطع من نشيدٍ لم يكتمل.
كل وجهٍ كان هناك، كان ينظر إليه… لا برجاء، بل بلومٍ صامت.
ورقةٌ جديدةٌ بين يديه.
نُسخة من تقرير الطبيب الشرعي عن "جيك"، التاجر الذي مات كما يُذبحُ الكبش في عيدٍ لم يأتِ بعد.
قرأ التفاصيل مرارًا، كأنه يستنطقها، لا يكتفي بقراءتها.
---
ثم همس، مخاطبًا لا أحد:
> "أنتَ لست قاتلًا عاديًا…
لست من أولئك الذين يقتلون تحت وطأة الرغبة أو الجوع أو الحقد،
بل كأنك تُؤمن بما تفعل… تؤمن به كما يُؤمن المتصوّف بإشراقه.
وأنا… لا أريد القبض عليك، بل فهمك."
---
في الجهة الأخرى من المدينة، كنتُ أراقب.
كنتُ أعلم أنه يقترب…
أن خطاه ليست كسائر الرقباء الذين يركضون خلف الدليل، بل هو يمشي خلف "النية".
كنت أعلم أن اسمي ليس مدوَّنًا في سجلات الشرطة،
لكن مكاني في ذاكرته، محفورٌ كقصيدةٍ كتبها في لحظة غفلة.
---
قررتُ أن أترك له شيئًا.
ليست رسالة تقليدية، بل فكرًا.
مفتاحًا صغيرًا لعقله، ليرى بابًا لم يطرقه بعد.
---
وضعتُ في مكتبه، في جوف ظرف أبيض أنيق، ورقةً مكتوبة بخط يدي:
---
> "إلى الرقيب الساهر،
الذي يُحاول أن يصغي لما لا يُقال،
ويُمعن في الوجوه التي أخمدها النسيان.
أسألك، لا كمحقق… بل كإنسان:
أليس من العدالة أن يُحاسَب من لا تطاله يد القانون؟
ألا ترى، كما أرى، أن هناك موتًا مبررًا، حين يُصبح العدلُ نفسه أعمى؟
قل لي، يا صاحب العيون المتعبة،
متى كانت القوانين كافيةً لردع الذئاب؟
حين يُذبح الضعيف، ويُباع الصغير، ويُعفى الكبير،
ألا يصبح القتلُ حينها… صلاةً؟
لا تبحث عني،
بل فكّر فيّ.
الظلّ لا يُلاحَق… بل يُفهم."
---
قرأ لويس الرسالة ببطء، كأن كل سطرٍ فيه شوكة، وكل كلمةٍ لغز.
ثم أغمض عينيه، وترك الورقة على الطاولة، وهمس:
> "من أنت؟ شاعرٌ يقتل؟ أم قاتلٌ يتقن الشعر؟"
ثم نهض، وراح يتمشى في الغرفة الضيقة، كأن الأفكار تضجُّ في رأسه، تبحث عن مخرج.
---
في اليوم التالي، دعا لويس أحد زملائه في التحقيق إلى فنجان قهوةٍ في مقهى هادئ.
الحوار الآتي دار بينهما:
الزميل:
> "لا أفهمك يا لويس. لمَ كل هذا الهوس؟
هناك جرائم تحدث كل يوم… فما المختلف في هذا القاتل؟"
لويس (وقد عضّ على جملته كمن يرفض السطحية):
> "المختلف أنه لا يهرب… بل يدعوني لأفكر.
لا يترك وراءه فوضى… بل تركيبةً، رسائل.
كل جثةٍ له، هي فصلٌ من كتابٍ يريدني أن أقرأه."
الزميل:
> "هل تُعجبك فلسفته؟"
لويس (وقد تغير وجهه):
> "لا تعجبني… لكنها تثيرني.
لأنه لا يقتل جائعًا… بل يُعاقب.
وكل ضحيةٍ له، ليست بريئةً تمامًا."
---
عاد لويس إلى مكتبه، وكتب في دفتره السرّي:
> "لقد بدأت أستشعر حضوره.
ليس في الأماكن، بل في الفكرة…
كأنه ظلٌّ لا ينمو على الأرض، بل في صدري."
ثم أضاف، بنبرة يشوبها التردد:
> "هل أقترب منه… أم أقترب من أن أُشبهه؟"
---
أطفئ الضوء…
واسمح لظلّي أن يتمدد تحت جلدك.
---------
يتبع...
Aleen