الفصل الرابع: تراتيلُ الظلّ
> "بعض الأصوات لا تأتي من الخارج، بل من العُمق… من حيثُ لا تصل الشمس، ولا يجرؤ النور على الدخول."
— من مذكّرات الظل، صفحة ممزقة.
---
لم أعد أذكر متى بدأ الصوت.
لا أعني الأصوات الخارجية، لا صرير الأبواب ولا أنين الطرقات، بل ذلك الصوت الذي يسكنني منذ أول جريمة، أو ربما قبله.
صوتٌ لا يُشبه البشر، لكنه ليس شيطانًا أيضًا.
هو أقرب إلى تراتيل قديمة تُتلى داخل كهفٍ مغلق… همسات غامضة، لا تُؤمرني بالقتل، بل تُفسّره.
---
كأن الصوت لا يُريدني أن أكون قاتلًا… بل كاهنًا.
كأنني أُقيم طقسًا، وأُنشد نشيدًا، وأُنفذ تطهيرًا لا بد منه.
كان يُحدّثني ذات مساء:
> "ليس كل من يقتل، قاتل…
وليس كل قاتل، مذنب…
ثمة موت، إن تأخر… فَسُدت الأرض."
---
بدأت أؤمن أن هناك "نظامًا" في عملي.
ما عدت أرى نفسي مجرمًا، بل قطعة شطرنج تتحرّك على رقعةٍ صمّاء، لا يرى أحدٌ حدودها سواي.
وأنا لا أختار الضحايا، بل أقرأهم.
الوجوه التي تنامُ مطمئنةً، لا تخصّني.
أما تلك التي لا تنم، تلك التي تحمل بداخلها موتًا خامدًا… فهي تناديني دون أن تدري.
---
لكن شيئًا بدأ يتغيّر.
في الجريمة الأخيرة، أحسست بأنني لست وحدي في الزقاق.
كان الهواء أثقل، والظلال أبطأ، كأن أحدهم يرصدني من بعد، أو من فوق، أو من داخل تفكيري ذاته.
وحين عدت إلى شقتي، وجدت ظرفًا أسود على عتبة الباب.
ظرفٌ لا اسم عليه، لا عنوان، لا ختم.
داخل الظرف، صورة:
وجه "ايريس" ميتًا… وورقة مكتوب عليها بخط دقيق: "لماذا؟"
---
ابتسمت.
لأول مرة منذ سنوات، شعرت بشيءٍ يُشبه الإثارة.
ليس لأنني خفت، بل لأن هناك من بدأ يراني.
---
وهنا يدخل "هو".
المحقق: لويس
في أواخر الثلاثينات، لا يلبس البدلات كالآخرين، ولا يضحك للكاميرات.
رجل يشبه المقابر المهجورة، تعرف أن بداخلها الكثير، لكن لا تجرؤ على فتحها.
هو لا يُطارد مجرمًا… بل يبحث عن نسيج القصة.
ينبش القاع، لا ليكشفني فحسب، بل ليفهم لماذا صرت ما أنا عليه.
---
في مكتبه الصامت، أمام جدارٍ تغطيه صور ضحايا لا يجمعهم شيء سوى النظرة الخائفة، جلس لويس يُمعن التفكير.
لاحظ شيئًا لم يره غيره:
أن الجرائم ليست عشوائية…
أنها تختار وجوهًا محددة…
أن القاتل لا يترك رسالة، لكن موته صامتٌ جدًا، كما لو كان جنازةً سرّية.
فتح ملفًا جديدًا.
كتب في الأعلى:
"قاتل الظلال – لا يقتل للمتعة… بل لإتمام شيءٍ ما."
ثم تحتها، جملة:
"متى يبدأ القاتل في إرسال رسائله؟
أم أن كل جثة… هي الرسالة؟"
في مساء اليوم ذاته، كنت أمشي قرب النهر، حيث يتلوّن الماء بكسلٍ أزرق، والناس يمشون دون أن يروا بعضهم.
رأيته.
لويس.
وقف على الجسر المقابل.
نظرت نحوه.
عيناه كانتا عليّ.
لم يُحاول أن يختبئ.
كأنه أراد أن أراه.
كأنه يُريدني أن أعلم:
"لقد بدأت اللعبة."
ابتسمت.
نظرت إليه ببرود.
ورفعت يدي، كأنني أحيّيه.
ولأول مرة… شعرت أنني لست الصياد الوحيد.
------
أطفئ الضوء…
واسمح لظلّي أن يتمدد تحت جلدك.
----------
يتبع...
Aleen