أنام في سرير واسع لا يشبهني، سرير أكبر من حاجتي، و أبرد من قلبي.
غرفتي ليست مجرد غرفة، بل جناح فاخر، قد تبهر فخامته بعض العائلات، و تحلم به الفتيات في قصص الأحلام الوردية.
الجدران العالية مزينة بنقوش ذهبية باردة، و الثريا تتدلى من السقف كقلب ثقيل،تضيء المكان، لكنها لا تبدد ظلمة وحدتي
كل شيء هنا مرتب بعناية: الستاير المخملية، الأرائك المذهبة، الطاولات الكريستالية... و كأني أعيش داخل صورة معلقة لا حياة فيها.
الأرضية كلها رخام، بارد كجو عائلتي، تعكس أقدامي كلما مررت فوقها...كأنها تراقبني دون أن تكلمني
كل شيء في هذه الغرفة يلمع: الذهب،الضوء، البلور،الزخارف...إلا قلبي
قلبي وحده، مطفأ
لا مرآة في هذا المكان تظهرني كما أنا، الكل يراني ابنة القصر المدللة المحظوظة...
لكن داخلي يصرخ منذ سنوات ، و لا أحد يسمع
أحاول أن أجد مكانا يشبهني في هذا القصر ... ركنا دافئا، صوتا حقيقيا، شيئا لا تفرضه التقاليد أو تخططه الإجتماعات العائلية
أستلقي ،أنظر للسقف،و أتساءل للمرة الألف: هل هذه الحياة لي؟
هل خلقت فعلا لأعيش بين الرخام و الذهب ؟ أم أنني فقط مزهرية وضعت هنا لتكمل الصورة؟
ربما الغرفة جميلة ... لكنني سجينة فيها
سجينة في بيت يتوقع مني أن أبتسم حين يطلب، و أن أختفي حين يغضب
لم أعد أحتمل
هذا الصمت،هذه القيود، هذا التمثيل الطويل...ينهكني
و أشعر أن لحظة الانفجار تقترب
"تفضل" هذا ما نطقت به عندما سمعت صوت طرقات خفيفة على باب الغرفة. لم تكن قوية لكنها كانت كافية لانتشالي من بحر أفكاري المتلاطم.
-"آنسة أدونيس إن السيد و السيدة لوتان ينتظرانك في المكتب" كانت لوسي، خادمتي، تقف عند الباب برأس منحن و عينين لا تجرؤان على النظر الي مباشرة.أذنت لها بالدخول، ثم أومأت بصمت دون أن أجيب.
تنهدت بعمق ، و كأن الهواء ثقيل في صدري ، ثم جلست أمام مرآتي.
أمسكت المشط، و بدأت أمرر أصابعي في شعري الأسود الطويل. لم أرغب أن يساعدني أحد في الاستعداد. كنت أحتاج لهذه اللحظات لوحدي،لأعد نفسي- لا فقط شكلي، بل قلبي أيضا.
سرحت شعري و جعلته منسدلًا ببساطة على كتفي.
اخترت فستاناً ناعما وردي اللون، بلا تفاصيل فاخرة.
كنت أعلم...أعلم أن هذا اللقاء لن يمر على خير.
كانت خطواتي على الرخام تشبه وقع خطوات شخص غريب في بيته.
المكتب كان في نهاية الردهة الشرقية، حيث تُغلق النوافذ دومًا، ويغيب الضوء - تمامًا كما يغيب الدفء عن علاقتي بهما.
طرقت الباب ثلاث طرقات. لم أسمع "تفضل"، لكنني دخلت.
كان والدي جالسًا خلف مكتبه الضخم، ينقّل نظراته بين أوراق لا أهمية لها.
والدتي، كالعادة، كانت تجلس منتصبة في طرف الأريكة، بكامل وقارها، ملامحها جادة، صلبة... لكنها تخفي وراء ذلك انكسارًا أعرفه جيدًا.
لقد خلّف الحزن آثارًا واضحة على وجهها، كما تفعل التجاعيد في ورقة وردة قديمة.
لم تعد تلك الزهرة الحمراء المشرقة التي كنت أراها في طفولتي.
بل أصبحت زهرة عاتمة، داكنة، ذات أشواك... من يقترب منها يُجرَح.
هذا ما فعلته خيانة أبي بها.
كنتُ الابنة الوحيدة التي لاحظت. لا أعلم إن كنتُ أذكى، أم فقط أكثر إحساسًا.
رأيتُ كيف انسحبت أمي إلى داخل نفسها، كيف أصبحت محاطة بسحابة سوداء، لا تمطر ماءً، بل حموضةً تحرق كل من اقترب.
أنا وأخي كنا ضحايا تلك السحابة... لا أحد منّا خرج دون ندبة.
نظرتُ إلى أمي في تلك اللحظة، وأنا أعلم أن كلماتها القاسية ليست سوى درع...
لكنها، للأسف، لم تكن تضعه لتحميني، بل لتحمِي نفسها من كل شيء... حتى منّا.
"أدونيس، اجلسي."
قالها والدي دون أن يرفع عينيه.
جلست. صمت.
قالت أمي، بصوت بارد كجدران القصر:
"كما تعلمين، عائلة مونترو ستنضم إلينا في نهاية الأسبوع."
لم أُجب. أعلم أن خلف هذا الخبر تكمن مشكلة جديدة.
واصل أبي: "ابنهم، أشلي، شاب ناجح، مُهذب، ونحن نعرف عائلته منذ سنين..."
تبادل نظرة خاطفة مع أمي.
"قررنا أن نُمهّد لخطبة بينكما، بشكل رسمي."
ارتفعت نبضات قلبي فجأة. شعرت أن الغرفة أصبحت أضيق، وأن الهواء أصبح أقل.
قلت، بصوت لا أعرف من أين خرج: "أنا لم أوافق."
نظرت أمي إليّ كأنني قلت شيئًا غير مفهوم.
"أدونيس، لسنا هنا لنناقش قرارك. الأمر محسوم."
قال أبي، وهو يُقلب الصفحة الأخيرة في يده:
"نحن لا نطلب موافقتك، نحن نُعلمك. التصرف الصحيح يُحترم، ولا يُستأذَن فيه."
شعرت أن شيئًا في داخلي انكسر. لم أُجِب. لم أصرخ.
فقط نظرت إلى الأرض، وبدأت أعدّ الثواني حتى أتمكن من مغادرة هذا المكتب.
نهضتُ بخطواتٍ بطيئة نحو باب الغرفة، كانت نظراتي لا تزال معلقة على والدتي، لكنها لم ترفع عينيها عن السجادة، وكأنها اختارت أن تهرب هي الأخرى بصمتها القاسي.
أغلقت الباب خلفي بهدوء. لم أرد أن أوقظ في البيت شيئًا نائمًا... لا مشاعر، ولا ضمائر.
في الممر الطويل، كنت أمرّ أمام المرآة الكبيرة المعلقة على الجدار الخشبي، وقفت للحظة. نظرتُ إلى نفسي كما لو أنني أراها لأول مرة.
فتاة بعينين غائرتين، ووجهٍ شاحب، كأن الحياة سحبت منه الدم دفعة واحدة. شعرت وكأنني أكبر من عمري بسنوات... لا لأن النضج زارني، بل لأن الألم أقام بداخلي.
مرّت بي نسمة باردة من نافذة مفتوحة جزئيًا، فارتجفت. كانت الرسالة التي تركها لي إدوارت تحت وسادتي ما تزال مطوية في جيبي. أخرجتها.
خطّه كان يبعث الطمأنينة، حتى وهو بعيد. "سأعود حين يكون الوقت آمنًا... لا تفقدي نفسك، لأني سأبحث عنها حين أعود."
ضممت الورقة إلى صدري، كم أحتاج صوته الآن، كم أحتاج حضنه، لكن كل ما أملكه هو هذا الحبر اليابس، وهذا الحنين الذي لا يرحم.
رفعت رأسي. لا مجال للانكسار الآن. لملمتُ شجاعتي كمن يلملم شظايا زجاج مهشّم.
كنت هائمة في أفكاري، غارقة في صمتٍ ثقيلٍ لا يقطعه سوى أنفاسي المتوترة... حتى دوّى في الفضاء صوت صهيل حصان، تلاه قرقعة عجلات عربة تقترب.
توقّف الزمن. قلبي ارتجف كما لو كان يعرف.
ركضت نحو النافذة، أزحت الستار الثقيل بعنف... وهناك رأيته.
إنه هو!
صرخت دون وعي:
- "إدوارت! لقد عاد!"
لم أنتظر أحدًا، بثّ أجري وسط ممرات القصر الطويلة، وهدير خطواتي تردّد في الجدران الحجرية العتيقة.
كانت خصلات شعري تتطاير خلفي، وثوبي يعيقني كأنه لا يريدني أن أصل سريعًا، لكنني لم أتوقف.
كنت كالمغتربة التي عادت لتوّها إلى الوطن، كالمريضة التي رأت الشفاء أمامها يمشي على قدميه.
وصلت إلى باب القصر، دفعته بكل قوتي... وهناك كان.
إدوارت، بهيًّا كعادته، نزل عن عربته بخطى متعبة، عيناه باهتتان من السفر، لكن حين رآني، انفرجت ملامحه، وفتح ذراعيه دون أن ينبس بكلمة.
ارتميت عليه كطفلة خائفة، واحتضنني بقوة...
قلت له والدموع تملأ صوتي:
- "كأنك سمعت احتضاري وجئت إليّ."
ردّ وهو يمسد شعري:
- "بل شعرت بكِ... كنتِ تنادينني كل ليلة دون صوت."
دخلنا معًا إلى القصر، يداً بيد، كما كنا نفعل في طفولتنا حين كان الخوف يتسلل إلينا من زوايا الجدران الباردة.
لم أكن أريد أن أفلت يده، كنت أحتاج أن أشعر بوجوده بكل حواسي، كأنني أخشى أن يتبخر إن رمشت.
جلسنا في قاعة الجلوس القديمة، الموقد ما زال منطفئًا، لكن حضوره وحده أشعل دفئًا بداخلي لم أشعر به منذ شهور.
نظرت إليه مطولاً، كان شاحبًا قليلًا، وكأن الطريق استنزف منه أكثر مما يجب.
قلت بهمس:
- "لم أتوقّع عودتك الآن..."
لم يجب مباشرة. كان ينظر إلى الجدران، إلى السقف، كأنه يتأكد أن المكان كما تركه. ثم قال أخيرًا، بنبرة غريبة لم أعهدها منه:
- "العودة لم تكن خياراً... بل ضرورة."
تجمدت الكلمات في فمي.
- "هل... هل حدث شيء؟"
لم يجبني هذه المرة أيضاً. مدّ يده إلى جيبه الداخلي، وأخرج شيئًا ملفوفًا بقطعة قماش حريرية سوداء.
وضعها على الطاولة أمامي.
إدوارت كان ما يزال يحدّق في الخنجر، ملامحه تتبدل بين الحيرة، الغضب، والخذلان.
همستُ:
- "كنت أعرف أن هذا اليوم سيأتي..."
رفع رأسه نحوي، بنظرات مشوشة.
- "أيّ يوم؟ ماذا تقصدين؟"
تقدّمت نحوه ببطء، جلست على المقعد المقابل له، وتنفّست بعمق كما لو أن قلبي يحترق منذ سنين وها أنا على وشك أن أنفث الدخان.
- "لقد كنت في الثالثة عشرة، في الليلة التي دخل فيها إلى جناح الخدم، خِلسة. ظننته نسي شيئًا... لكنني رأيته."
تجمّد إدوارت.
تابعتُ بصوتٍ أقرب للهمس:
- "رأيته يخرج من غرفة تلك المرأة، الخادمة الجديدة التي جاءت بعد مرض أمّنا مباشرة. كانت عيناه لا تشبهان عيني والدنا حينها... كانت عيون رجل لا يعرف الوفاء."
إدوارت قام واقفًا، يداه ترتجفان.
- "مستحيل... كان دائمًا مع أمّنا، كان يبدو صادقًا."
- "كان ماهرًا في الإخفاء يا إدوارت، وأنا كنت الوحيدة التي رأت، وصدّقت، وكرهته بصمت."
اقتربت منه، وضعت الخنجر في يده وقلت:
- "هذا ليس تهديدًا... هذا تذكير. هناك مَن يعرف. وهناك مَن ينتظر انهيار هذه العائلة."
قال بصوت متحشرج:
- "أمّنا... هل كانت تعلم؟"
أومأت ببطء، عينيّ دامعتان:
- "لم تقل شيئًا، لكنها لم تكن تحتاج أن تقول. الحزن غيّر ملامحها، كما لو أن الخيانة انغرست في جلدها."
في هذه اللحظة، سمعنا صوت خطواتٍ ثقيلة في الممر الحجري. كلانا عرف ذلك الصوت... بطيء، واثق، ومتملّك.
دخل والدنا.
كان يحمل كتابًا تحت ذراعه، ونظرة معتادة من الوقار المصطنع.
لكنه توقّف فور أن رأى الخنجر في يد إدوارت.
عيونه اتسعت قليلاً... ثم انكمشت في لحظة.
لم يقل شيئًا و غادر الغرفة..
-"أخي أريد أن أخبرك بشيء،هذا الصباح أبلغني والدي أنه يريد تزويجي لأشلي" أخبرته بملامحة جامدة.
أخفض إدوارت نظره بعد كلماتي، وكأنها كانت ضربة قاصمة لما تبقى من روحه.
- "أشلي مونترو..."
تمتم بها كمن يلوك اسمًا يكرهه.
- "ذلك الذئب بثياب النبلاء؟ كيف يجرؤ والدنا؟ كيف يتجرأ بعد كل ما فعله بأمنا؟"
قلت بصوت خافت وأنا أضع رأسي على كتفه:
- "إنه لا يراني يا إدوارت... لا يراني إلا كأداة. زواج، تحالف، تجارة، لا فرق."
أبعدني قليلًا برفق، نظر إليّ في عينيّ مباشرة، وعيناه تلمعان بدموع لم يذرفها بعد:
- "لن أسمح بذلك. سأكلّم والدنا. سأكلم أمّنا. هذا الزواج لن يتم، أقسم."
هززت رأسي بتعب.
- "كلّهم صامتون، حتى أمّنا. أتعلم؟ أظنها استسلمت منذ زمن... وأنا فقط تأخرت في اللحاق بها."
- "لكن لماذا؟ لماذا أشلي بالذات؟"
سحبت نفسي منه قليلًا، وقلت بمرارة:
- "لأنه يملك الأرض الجنوبية... ولأنه وعد والدنا بدعمٍ في المجلس الملكي... ولأنه يشبهه."
سادت لحظة صمت، لا يُسمع فيها سوى صوت خشخشة النيران في الموقد. ثم قلت:
- "أنا لست خائفة من الزواج، إدوارت... بل من أن أفقد آخر ما تبقى مني، آخر قطرة صدق."
احتضنني بقوة، كمن يريد أن يحميني من العالم كله.
قال بهدوء، لكن فيه نبرة حسم:
- "لن يحدث، أعدك. سأقف في وجهه. في وجههم كلهم. وسأكشف لهم أني لم أعد ذلك الابن الطائع الذي يصمت ويتلقى الأوامر."
ابتسمت من بين دموعي، وقلت وأنا أرفع رأسي إليه:
- "وإن وقف القصر كله ضدك؟"
ردّ وعلى وجهه تلك الابتسامة الحادة التي كنت أفتقدها:
- "حينها سنُسقط القصر."
سكتُّ للحظات، ثم رفعت نظري إلى وجهه المتعب، وقلت:
- "لا أريد ذلك، أخي... لا أريد أن أقحمك في صراعات أخرى. يكفيك صراعك لأنك الوريث الأول للعائلة... كل الأعين عليك، وكل الأعباء فوق ظهرك. أما أنا، فلا أحد يراني حقًا."
اقتربت منه، وضعت يدي على قلبه، وقلت بنبرة حازمة، ناعمة:
- "لديّ خطة."
نظر إليّ بعينين مليئتين بالقلق:
- "خطة؟ أي خطة؟"
تنفستُ بعمق، وخفضت صوتي كأن الجدران نفسها قد تُخبر والدي:
- "سأهرب."
توسعت عيناه، وأراد أن يتكلم، لكنني قاطعته سريعًا:
- "لا تحاول منعي. لقد فكرت جيدًا. لستُ فتاة متمردة، ولا أهرب من أجل رجل، بل من أجل نفسي. هذا القصر لم يعد بيتًا... إنه قيد ناعم، وسأتحرر منه."
- "لكن... إلى أين ستذهبين؟ وكيف؟"
ابتسمت بخفة، وفي داخلي نار لا تُرى:
- "لا تسألني. كلما عرفت أقل، كنتَ أكثر أمانًا. المهم أن تعرف شيئًا واحدًا فقط: أنا لم أعد تلك الطفلة التي تخشى الليل."
سادت لحظة صمت.
ثم أضفت وأنا أمسك يديه بكل قوتي:
- "سامحني، إدوارت... ولكن لا تبحث عني."
عيناه امتلأتا بدموعٍ لم تنزل، وابتلع صوته بصعوبة وهو يقول:
- "كنتُ دائمًا الحامي لكِ... كيف أتركك وحدك؟"
ابتسمت وأنا أضمّه:
- "لأنك علمتني كيف أحمي نفسي."
ضممته بقوة، كما لو أن هذا الحضن قد يكون الأخير، ثم تراجعت خطوة، وقلت بصوتٍ مرتعش، يتكسر بين شهقات مكتومة:
- "أخي... أنا آسفة. أعلم أنني أنانية... أنني سأتركك وسط هذه الصراعات، وحدك في قصرٍ ينهار ببطء... لكنّي تعبت."
رفعت عيني إليه، وفيهما وجع السنوات كلها:
- "أريد أن أبحث عن نفسي، عن ذاتي، عن صوتي. لقد مللت الخضوع... تعبت من أن أكون رقماً في دفتر العائلة، وشرفاً يُقايضونه بالتحالفات."
بدأت الدموع تنساب من عينيّ كأنها وُلدت الآن، كأنها خرجت من عمق لم يبلله الحزن منذ سنين.
تابعتُ، بصوت خافتٍ، كأن كلماتي كانت تُخاطب قلبه لا أذنه:
- "أرجوك، احمِ نفسك. لا تُدخل نفسك في النار من أجلي. و... وعدني..."
توقفت، ثم أمسكت يديه المرتجفتين وقلت بصدقٍ عارٍ:
- "عدني أنك لن تلمّح لوالدنا عن معرفتك بخيانته لأمّنا. هذا السرّ... قد يدمرك، إن كشفته."
أراد الاعتراض، لكني وضعت يدي على صدره، حيث ينبض قلبه:
- "احتفظ بالحقيقة كما يحتفظ النبيل بسيفه... لا يخرجه إلا حين تضيق الأرض."
ثم نظرت إلى الخنجر الموضوع على الطاولة، وقلت:
- "أما هذا... فقط أخبره أنك تشك في بعض الأعداء القدامى، وأنك تخشى عودة تهديدات الماضي. دعه يظن أن العدو هناك، لا بيننا."
سكتَ إدوارت طويلاً، ثم اقترب مني، ووضع يده على رأسي كما كان يفعل في طفولتي، حين كنت أختبئ خلف ظهره من ظلال الليل.
قال بصوت مبحوح:
- "عودي... عندما تجدين نفسك، لا تنسي طريق البيت. وسأظل هنا، أُبقي الباب مواربًا... حتى تعودي."
ابتسمت، والدموع تغسل وجهي...
ثم ابتلعت قلبي، واستدرت لأغادر.
Aya